مؤسسة البابطين تحقق 'زهور البساتين في تاريخ السوادين'

كتب ـ أحمد فضل شبلول
مدونة كبرى لعيون التراث العربي الأفريقي

يتضمن كتاب "زهور البساتين في تاريخ السوادين" لمؤلفه الحاج موسى أحمد كامره، معلومات مهمة تتعلق بالحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للسوادن الغربي (البلاد الممتدة من البحر الأحمر شرقا وحتى المحيط الأطلسي غربا عبر النوبة ودارفور وتشاد والنيجر ومالي والسنغال غربا) في فترة انتقالية من حكم الدول والممالك الإسلامية الإقليمية قبل الخضوع للنفوذ الأوروبي الفرنسي الإنجليزي.
ويعرفنا الكتاب الذي حققه د. ناصر الدين سعيدوني ود. معاوية سعيدوني، بالشرائح الاجتماعية وخاصة جماعة العلماء وطبقة الحرفيين (الأحرار) والأرقاء المسخرين في مختلف الأعمال، كما يوفر للباحث في مجال علم الاجتماع والأنثروبولوجيا مصدرا في غاية الأهمية عن إثنوغرافيا السودان الغربي، وخاصة ما يتعلق منها بالهجرات والأنساب والمصاهرات وممارسة السحر والاعتقادات المتوارثة، وهذا ما يجعل الكتاب في مضمونه عرضا للأسس المعيشية والسياسية والاجتماعية والروحية التي قامت عليها المجتمعات القبلية في السوادن الغربي باختلاف أصولها وتنظيماتها.
وقال الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين: إن تاريخ السوادين ـ الذي تسعد مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري بإصداره ـ من عيون التراث العربي الأفريقي المكتوب، كونه يحيط بمختلف مظاهر الحياة بأفريقيا الغربية، فهو يعرض معلومات في غاية الأهمية حول أصول وأنساب وعادات ومعاملات شعوب السودان الغربي، ويرسم صورة متكاملة للواقع السياسي والوضع الاجتماعي والنشاط الاقتصادي والتفاعل الثقافي الذي عرفته مختلف أقطار السودان الغربي منذ بداية انتشار الإسلام بها في القرن الثامن وإلى أن تمكن الأوروبيون من القضاء على الحكام المحليين وإخضاع كامل أقاليم السودان لسيطرتهم العسكرية في الربع الأول من القرن العشرين.
ويذكر المحققان سعيدوني أن موسى كامره وضع عنوانين آخرين للكتاب هما: "إحياء ما عفى واندرس من علوم تاريخ السودان وانطمس"، و"انتصار الموتور في ذكر قبائل فوت تور"، ولكن استقر الأمر في النهاية على الاسم المتداول حاليا وهو "زهور البساتين في تاريخ السوادين" الذي يعد أهم ما ألفه الشيخ موسى كامره ـ صاحب أكثر من خمسة وثلاثين مصنفا ـ من حيث مضمونه التاريخي والجهد الذي بذله في جمع معلوماته.
أما عن الدافع وراء تأليف وتصنيف هذا الكتاب (الذي أصدرته مؤسسة البابطين في 872 صفحة) فكان تلبية لطلب الحاكم الفرنسي للسنغال في وضع تاريخ لشعوب السودان الغربي، فاستغرق العمل به ما لا يقل عن خمس سنوات، حيث انتهى كامره من تحرير مادة الكتاب في مسودتها الأولى الاثنين 7 نوفمبر 1924 (18 من ربيع الثاني 1343 هـ) فجاء في أكثر من أربعمائة صفحة بخط مغربي يحمل تعليقات وإضافات على الحواشي مقسمة إلى جزئين.
لقد أفرد الشيخ موسى كامره لكل قبيلة أو مجموعة عشائر تتحد في الأصل والموطن عرضا خاصا بها ذكر فيه أصلها ونسبها وعاداتها وما عرف من تاريخها وما تناقل من أخبارها، وقد أولى في ذلك أهمية خاصة للحركية الاجتماعية لكل مجموعة بشرية مهما قلَّ عددها وتأثيرها، خاصة ما يتصل منها بالمصاهرة والزواج، أو ما يتعلق بحياة الشيوخ ومواقف الحكام وسير العلماء والأولياء وأهل الصلاح والتقوى.
يقول رئيس مجلس أمناء مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري: "إن هذا الكتاب يتجاوز في حقيقته إضافة مثرية للمكتبة التاريخية العربية الأفريقية، إلى كونه عملا تأسيسيا لتكوين فضاء ثقافي ومعرفي كفيل بإعادة التفاعل الثقافي بين البلاد العربية والأقطار الأفريقية، ولإعادة تشكيل الذهنية الثقافية والتصور المعرفي المعبر عن التواصل المثمر والتفاعل البناء والعطاء المتبادل بين أبناء الأمة العربية والشعوب الأفريقية".
ويكشف المحققان أن كتاب "زهور البساتين في تاريخ السوادين" ظل في مجمله مخطوطا، ولم يترجم منه مؤخرا سوى جزء صغير إلى الفرنسية بعنوان "فلوريلاج" برعاية منظمة أوروستوم، وبمبادرة من بعض الباحثين السنغاليين، ولعل بقاء هذا المصدر التاريخي المهم والمرجع الأساسي في إثنوغرافيا شعوب السودان الغربي بعيدا عن أيدي القراء هو الذي دفع المستفرق روبنسون إلى التنبيه إلى مدى القصور في الانتفاع بمادته وعدم إعطائه الأهمية اللائقة به لما كتب عن الشيخ موسى كامره في دراسة له نشرها في مجلة "كراريس الدراسات الأفريقية" (العدد 109) بعنوان "مؤرخ وعالم سلالات أفريقي"، ولعله في ذلك كان يرد على تساؤل المستشرق الفرنسي صاحب النفوذ السياسي فانسان مونتاي في كتاب "الإسلام الزنجي عقيدة تجتاح أفريقيا" حول كتاب "زهور البساتين في تاريخ السوادين": هل هو مصدر مستقل بذاته، أم مجرد نقل عن الآخرين؟ بعد أن عجز لجهله باللغة العربية عن الاطلاع على مضمون الكتاب والتعريف بمادته التاريخية.
احتوى الكتاب على مدخل للتعريف ببلاد السودان الغربي (بلاد المفارقات التاريخية والجغرافية) والتي تشتمل جغرافيا على حوض السنغال وغامبيا وفولتا العليا والنيجر الأوسط، وهي توافق بذلك المجال الشاسع الممتد جنوب غرب الصحراء الكبرى، والذي ضم على مدى التاريخ شعوبا وقبائل شتى، منها: شعب التكرور، والفلانيون، والسنغاي، والماندنغ، والسيرير والولوف، والبمبارا.
كما يعرض المدخل لكيفية انتشار الثقافة العربية والإسلامية في السودان الغربي وحواضرها، حيث قام انتشار الإسلام على التجمعات الحضرية والتجارية وإقبال النخبة المحلية الحاكمة عليه، وقد ساعدت هذه العوامل على فاعلية ونجاح التأثيرات الإسلامية، رغم المسافات الطويلة وصعوبة الاتصال بمراكز الحضارة العربية والإسلامية عبر المنطقة الصحراوية الشاسعة التي كانت تشكل حاجزا طبيعيا منيعا.
لقد دخل الإسلام إلى السودان الغربي منذ القرن الحادي عشر كدين النخبة المحلية التي يشكلها الأمراء وأعيان الممالك الذين وصلت إليهم الدعوة الإسلامية عبر المنافذ الثلاثة للطرق التجارية الصحراوية التقليدية، وهي: المنفذ الغربي المتمثل في بلاد التكرور المعروفة بـ "فوتا تورو" (حوض السنغال الأوسط والأسفل)؛ والمنفذ الأوسط في بلاد السنغاي أي منطقة ثنية نهر النيجر الإستراتيجية، والمنفذ الشرقي المتمثل في كانم جنوب شرق بحيرة تشاد؛ فكانت هذه المنافذ الثلاث بمثابة النوافذ التي فتحت من خلالها أفريقيا أعينها على العالم الآخر الأكثر تقدما وحداثة والذي كان يجسده الإسلام في زمن سبق بكثير وصول الأوروبيين إلى السواحل الغربية والجنوبية.
ويعرض المحققان للطرق الدينية كإطار منظم للحياة في غرب أفريقيا، وعلى رأسها الطريقة القادرية، والتي أصبحت عاملا مهما في الحياة الدينية والثقافية بل الاجتماعية والسياسية في بلاد السودان الغربي، ومنها انبثقت بعض الممالك الإسلامية التي قامت على مبدأ الجهاد والمعتقد وليس على مبدأ العرق الضيق الذي عادة ما تقوم عليه دويلات السودان، ومن هذه الممالك: مملكة الهوسا، ومملكة ماسينا، وإمبراطورية الشيخ الحاج عمر أو إمبراطورية التكرور، ثم وصول الاستعمار الفرنسي ونتائجه في السودان الغربي منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر في شكل محطات تجارية في الساحل، ثم تحوله عن هدفه التجاري في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتوسيع نفوذه شرقا انطلاقا من قاعدته في بلاد السنغال.
لقد اشتمل نص مخطوط موسى أحمد كامره على 519 عنوانا فرعيا مرقما ـ وضعها المحققان ـ تحدد مضمون فقرات الكتاب وترشد متصفحه إلى المسائل أو الأحداث التي يريد الاطلاع عليها، بدءا من "الدافع لكتابة تاريخ السوادين" وانتهاء بـ "نهاية الكتاب والعناوين المقترحة" فضلا عن أربعة ملاحق وخرائط وصور من صفحات المخطوط، وقد اشتملت الملاحق على المصادر والمراجع العربية والأجنبية المعتمدة في التحقيق، وقائمة بالأحداث التاريخية في غرب أفريقيا من القرن (1 ـ 14 هـ/7 ـ 20) وقائمة بالكلمات الواردة في المخطوط والتي لها دلالات محلية، والصور واللوحات.
ومن العناوين الفرعية التي تربو على الخمسمائة: الإشارة في البدء إلى نسل حام وسام ولدي نوح عليه السلام، وأوصاف الإنسان الزنجي والرد على ذلك، وأقوال في وصف نساء السودان، وشعوب بلاد السودان ووصف نسائهم وخصيانهم، ومسألة استرقاق أهل السودان ومدى جواز ذلك شرعا، وارتباط ألقاب أهل السودان بمواطنهم ومهنهم، ووصف بلاد غدامس وذكر بعض منتوجاتها، وذكر بعض المعارك التي قادها الشيخ عبدالله فودي والانتصارات التي حققها الله على يديه، وتعليق حول لغة الفلانيين، والكتابة الهيروغليفية وحل رموزها، ووصف الخليل بن أحمد الفراهيدي ومقارنته بعبدالله بن المقفع، والعلاقة بين اللغتين السامية والحامية، وفتح برقة وطرابلس على يد عمرو بن العاص وتراجعه عن أفريقية بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب، وعقبة بن نافع وفتحه لأفريقية، ومعلومات عن جاوة كما وردت عند ابن بطوطة، وروايات في أصل فوت تور وصلتهم بأهل مصر، وفي أصل البربر وفروعهم، وحول استمالة الناس البسطاء بادعاء النسب الشريف، وذكر بعض الخرافات الشائعة عن السحر والسحرة وظاهرة المصاص والسلال.
إلى جانب بعض أساطير الهنود الواردة في رحلة ابن بطوطة، وذكر بعض أعمال سحرة بلاد التكرور وكيفية اتقائها، ومداواة الممصوص ورقية المسحور، وانتشار ظاهرة السحر عند عبيد شنقيط وذكر أفعال السحرة المتكسبين منه، والتعليق على مسألتي العين والسحر، وذكر بعض سلاطين مالي وأسباب زوال ملكهم، وانتشار الإسلام بالسودان الغربي، وذكر تعظيم أهل السودان لملكهم، وذكر بلاد شنقيط وبعض علمائها وفي مقدمتهم العالم المختار بن بون، وبلاد أفريقيا وأصل تسميتها، واكتشاف قارة أفريقيا من طرف الأمم الأخرى واستعمار الأوروبيين لها، وأفريقيا السوداء مدنها ولغات أهلها، وأقاليم السودان الثمانية، وقصة المرأة الزانية وموقف زوجها من مولودها، ونشأة وكد وحكايتهم مع النسر والثعبان، وفيضان النيل وإبطال الخليفة عمر بن الخطاب عادة إلقاء الفتاة فيه، وحكاية المغربي مع عفريت جزائر ديبة وإسلام أهلها.
بالإضافة إلى اكتشاف الذهب بالسودان، وأصل بعض التسميات والألقاب في مملكة سنجت، وأرض ساغو وأول ملوكهم "بتو"، وحديث عن السماكين وذكر بعض رجالهم، وحكاية الأميرة آمنة سيسي وابنها بابا، ورواية عن سبب منع المسلي من تزوج المسلية، والحكام المتعاقبون على ملك جاور، وبعض عادات أهل جك عيش، والحرب بين أهل لوق وأهل كاس وسببها، وبعض عادات أهل تُمُر في الزواج، وأول ظهور أهل بسل وأنسابهم، وأصل جلب كاول ومواطنهم، وذرية حمى بران، وفصل في الحديث عن بعثة سيدنا محمد وذكر مشروعية الدعوة والجهاد، وأقوال وعلامات وزمان وصفات ظهور المهدي المنتظر.
وغير ذلك من عناوين وشخصيات وتواريخ وأحداث وأماكن وعلامات وقصص وحكايات، وكلها تعد مدونة كبرى لشعوب غرب أفريقيا في التاريخ والأنساب والأنثرولوجيا. وهنا تكمن أهمية كتاب "زهور البساتين في تاريخ السوداين" كونه يعبر عن الموقف الأفريقي الأصيل ويحاول طرح إشكالية التواصل العربي ـ الأفريقي من منطلقاتها الأولى، ويقدم صورة أخرى كفيلة بتصحيح الخلل وإعادة الارتباط العربي ـ الأفريقي، بعد أن نجحت المبادرات الثقافية الغربية خاصة الإنجليزية والفرنسية في تحويل وجهة أفريقيا عن توجهها الطبيعي نحو الوطن العربي إلى عالم أوروبي غريب عنها، وبذلك تكرست عزلة أفريقيا وتبعيتها للمجال الثقافي والاقتصادي الأوروبي المتحسس من كل تواصل مع عرب شمال الصحراء، رغم ما افترقه الأوروبيون في حق أفريقيا من ممارسة للنخاسة ونهب للثروات وتحطيم للثقافات المحلية. أحمد فضل شبلول ـ الكويت