مؤسسات دينية جديدة: فضائيات وإنترنت

قناة خاصة بالمنقبات

هل نحن في العالم العربي أمام «مؤسسات دينية» - والمزدوجتان للتحفظ بطبيعة الأمر- جديدة؟ هل نحن، على أقل تقدير، أمام ميلاد إن لم نقل تطور صيغة جديدة معاصرة جداً، وذات مقدرة تكنولوجية هائلة، من صيغ مراقبة وتأطير الحقل الديني في العالم العربي؟ ومما لا جدال فيه أننا أمام ظاهرتين جديدتين لهما قوة هائلة، ونجاعة فائقة، وتأثير في العقول والنفوس، ولا نبالغ؛ إذا قلنا: إنه لم يسبق لهما نظير، وهما:

الظاهرة الأولى: هي الفضائية الدينية، أو القناة الوطنية أو المحلية.

الظاهرة الثانية: هي ظاهرة المواقع الإسلامية على الشبكة، أو الإنترنت.

سنقف برهة وجيزة أمام كلتي الظاهرتين، قبل المغامرة بالإجابة عن السؤال المطروح أعلاه. لا نغالي – بداية- إذا قلنا: إن التليفزيون يشكل اليوم أداة فاعلة، شديدة الخطورة والتأثير، في تكييف الوعي، وفي بناء شخصية كلٍّ من الطفل والمراهق والإنسان الراشد على السواء، ففضلاً عن كيفيات التأثير التي يمارسها التليفزيون من الناحية السيكولوجية على الفرد، وخارجاً عما يفيده درس علم النفس الاجتماعي في الصلة بين مشاهدة التليفزيون وبين الواقع الفعلي؛ يلزمنا أن نضيف، إذا كنا في حاجة إلى ذلك: أن ذلك الأثر يكون أكثر فعلاً وأن التليفزيون بحسبانه أداة للتثقيف واكتساب المعارف والاطلاع على العالم ذو أثر قوي، بل حاسم أحياناً في تكييف الوعي في العالم العربي.

الأمر كذلك بالنظر إلى الارتفاع الهائل في الأمية، الساكنة ذلك العالم ما يفوق 25 ٪ من أبناء العروبة لا يقرأون ولا يكتبون، وهذا من جهة أولى، ثم لاتسام الواقع العربي بسمة أخرى، بنقيصة مؤدية من جهة أخرى، وهي نقيصة تدني المطالعة، وتداول الكتاب في أوساط المتعلمين في العالم العربي بشهادة الإحصائيات، التي تقدمها المنظمات الدولية ذات الصلة بالثقافة والتربية..، في واقع مثل هذا يصبح التليفزيون أداة لاكتساب المعرفة الدينية، ونشر الوعي الديني، على النحو الذي تريده الجهات المسؤولة عن مختلف وسائل الإعلام في العالم العربي.

في المشهد الإعلامي التليفزيوني العربي فضائيات إسلامية دينية متخصصة، سنية وشيعية، رسمية أو في ملك خواص، مدار البرامج في تلك الفضائيات والقنوات التليفزيونية الوطنية أيضاً هو الدين الإسلامي، ومحتويات تلك البرامج وعظ ديني، وندوات، ولقاءات تتصل بالدين الإسلامي، وببعض قضايا الوجود الإسلامي المعاصر، ولا يعنينا في هذا المقام النظر في تلك القنوات والفضائيات التليفزيونية، من حيث مضامين برامجها، أي من محتويات الخطاب الديني الذي تنشره، ولا الحكم عليها من حيث خدمة الإسلام أو الإساءة إلى أهله في بعض الأحيان، إن ما يعنينا، تحديداً، هو الوظيفة التي تقوم بها في الوجود الديني في العالم العربي، مثلما تعنينا القدرة التي تمتلكها على إحداث التجديد في العمل الديني في ذلك العالم.

ومن نافلة القول: إن الإنترنت قد أحدث ثورة في طرائق الاتصال، وفي ولوج عالم المعلوميات المعرفية، الذي يكاد يكون عالماً غير متناهٍ، لكن من المثير للإعجاب حقاً أن يلاحظ المرء كيف أن هذه الثورة المعرفية قد أفادت الحركات الإسلامية إفادة هائلة، بل خارقة للعادة، وإن من دواعي الدهشة أن يجد الباحث كذلك إقبالاً من مختلف مكونات هذه الحركة على هذا العالم الافتراضي، الذي تنقلك إليه نقرات قليلة خفيفة وأنت أمام شاشتك الصغيرة.

وعملياً لكل الشخصيات «الدينية»، التي ألف المشاهدون رؤيتها في الفضائيات الدينية مدوناتها ومواقعها الخاصة بها، تقوم هذه المواقع العديدة بعمل الإرشاد الديني، بالإجابة عن الأسئلة التي تتعلق بالعبادات، وأحياناً قليلة تلك التي تتصل بالمعاملات، وتوفر المعرفة التاريخية الإسلامية، وتقوم بعمل الإخبار والتواصل وخاصة الإخبار عن برامج القنوات والفضائيات الدينية. بل إن من المواقع التي تحيل عليها islam on line، مثلاً ما هو مخصص للتعارف والبحث عن شريكة العمر! وهي مؤسسات تتوافر أحياناً على درجة تثير الإعجاب من الدقة والوضوح، والسرعة في التواصل، ونقل الرسائل والمعلومات، وكذا مواكبة الأحداث في العالم شخصياً اطلعت من خلال بعض تلك المواقع على دقائق أخبار الحرب والنيران الحارقة في غزة.

وربَّ قائل يقول: إنه لا مجال للمقارنة بين ملايين المشاهدين للبرامج الدينية، في القنوات التليفزيونية وللفضائيات الدينية، التي أدركت في زمن يسير درجة عالية من الانتشار والسرعة، فضلاً عن فضائية عربية أكتسبت شهرة عالمية، فأصبحت وكالات الأنباء العالمية تتناقل صورها، وتعدها في جملة المصادر الإعلامية الكبرى، وبين بضع مئات من آلاف مستخدمي الشبكة، في مختلف المكاتب والبيوت وفضاءات الشبكة التي أصبحت من حيث العدد تنافس أعداد المقاهي في المدن العربية الكبيرة والصغيرة. بل و في بعض الأحيان في القرى، ربما كان هذا القول صحيحاً من الناحية العددية المحض، غير أن له من التأثير ما ليس يخضع للمراقبة الكمية بَلْهَ التقدير الكيفي، وليس مبالغة إذا قلنا: إن الإعلاميات، في العالم العربي الذي تفوق فيه أعداد الأميين السبعين مليون فرد، هي بصدد إحداث نقلة كيفية في أنماط التواصل وتداول المعرفة.

لنعد الآن إلى السؤال الذي طرحناه في بداية هذا القسم الثالث: هل يحق لنا القول: إننا أمام صيغ جديدة في تأطير ومراقبة الحقل الديني في العالم العربي؟ بل أليس من المشروع أن نتساءل: ما إذا لم نكن اليوم شهوداً على حدوث تحول في طبيعة وعمل المؤسسة الدينية في العالم العربي؟ ألا يمكن الكلام، بالأحرى، عن نقلة كيفية في تصور معنى التجديد في الدين؟ كان لاكتشاف الأثر الإغريقي عامة، وللأورغانون المنطق وأدواته خاصة، أثر قوي في تطوير علم الكلام في الإسلام في منهجية المقاربة وطرائق الاحتجاج والنابهون من مفكري الإسلام، مثل ابن خلدون، يميزون، في الاحتجاج الكلامي، بين طريقة المتقدمين، وهؤلاء كانوا ذوي معرفة قليلة بالمنطق اليوناني، وطريقة المتأخرين وهؤلاء كانوا متشبعين بالمعرفة المنطقية الإغريقية، أليس في الإمكان اليوم المماثلة بين التليفزيون والفضائيات الرقمية تحديداً، بحسبانها أداة في المعرفة، وبين المنطق اليوناني من حيث موقف أهل الإسلام وسلوك المنتمين إليه؟ ثم ألا تكون دواعي المماثلة أقوى وأشد بين دور وعمل المنطق اليوناني ودور وعمل الشبكة اليوم؟