مؤتمر دولي يليق بالمخطوطات المترجمة

كتب ـ محمد الحمامصي
المخطوط الزاجل

أكد د. يوسف زيدان مدير مركز المخطوطات ومتحف المخطوطات بمكتبة الإسكندرية أن مؤتمر المخطوطات المترجمــة المنتظر انعقاده في الفترة من 29 إلى 31 مايو/آيار 2007 يمثل امتداداً لمؤتمرات المركز الدولية الرامية إلى الكشف عن الجوانب المجهولة والمهجورة من التراث العربي الإسلامي.
وأن انعقاد هذا المؤتمر يأتي على نسق ما سبقه من مؤتمرات: المخطوطات الألفية (سبتمبر/أيلول 2004) المخطوطات الموقَّعة (أبريل/نيسان 2005) المخطوطات الشارحة (مارس/آذار 2006).
ويهدف مؤتمر المخطوطات المترجمة إلى الكشف عن جانب مهم من تراثنا العربي المخطوط، وعلى وجه الخصوص علاقته بما سبقه، وتلاه، من تراث الأمم.
ويضيف د. زيدان:
لقد تمت عمليات التفاعل بين الحضارات الإنسانية خلال عدة سبل، من أهمها الترجمة التي كانت المعبر الرئيس لاقتباس اللاحق من السابق، وتفعيل التلاقح الحضاري بين الثقافات التي تعاصرت أو تتابعت.
فعن طريق ترجمة النصوص (التي كانت مخطوطة، بالطبع، في الأزمنة القديمة) عرف العرب المسلمون الذخيرة الحضارية للأمم الأسبق تحضراً. وعلى وجه الخصوص (اليونان) التي انطوى تراثها على أصول كثيرة من مصر القديمة وحضارات الشرق.
على أن الترجمة لم تكن السبيل الوحيد للتفاعل بين الحضارات، فهناك أيضاً سبل التجارة التي يحتل فيها (طريق الحرير) مكانة خاصة.
وهناك انتشارُ الديانات والمذاهب الروحية التي اتخذت سبلاً تثير الدهشة، وهناك الحروب والمعارك التي خاضتها الجماعات الإنسانية أملاً في الثروة والمجد المراوغ.
وإذا أمعنا النظر، فسوف نجد تسانديةً وتفاعلاً داخلياً بين هذه السبل جميعها، فالتجارة الدولية والاتجاهات الدينية والحروب الدامية والترجمات المتوالية بين اللغات المتماسة حضارياً، هي كلها عناصر حضارية، ترتبط على نحو قد يظهر جلياً، وقد لا يبدو للعيان مع النظرة الأولى.
على أن (الترجمة) تظل أحد أهم العوامل التي أَثْرت تاريخ الإنسانية وأَثَّرت فيه، سلباً وإيجاباً!
فعن طريق (الترجمة) استمرت اليهودية والمسيحية، وانتقل التراث اليوناني إلى السريان ثم إلى العرب، ومن ثم إلى اللاتينية واللغات الأوروبية المعاصرة.
ومع غياب الترجمة، انطمس تراث هائل دونته الأمم بعدة لغات اندثرت مع أهلها: المصرية القديمة، الحبشية، البهلوية، الآرامية، وغيرها من لغات الأقوام الذين غابوا في التاريخ قبل قرون خلت، أو بقوا في الزمان على هامش التحضر الإنساني.
ويقول د. يوسف زيدان:
إن الترجمة كانت دوماً، وستظل، معيار بقاءٍ وعامل إِثراءٍ لحضارة الإنسان.
ومن هنا، جاءت فكرة هذا المؤتمر داعيةً إلى العكوف المتأني على قضية الترجمة في عمومها وتفصيلاتها، لاستكشاف ما يتعلق بهذه القضية الحضارية الكبرى، من خلال مجموعة المحاور تالية الذكر.
ومع أن (الترجمة) هي الموضوع الرئيس للمؤتمر، إلا أننا نطمح أيضاً من خلال جلسات المؤتمر وأوراقه ومناقشاته إلى إلقاء بعض الضوء على تلك الوصلات الخفية بين العوامل التي أدت إلى نشاط الترجمة التراثية في أزمنة معينة.
وذلك بغية الإجابة على تساؤلات أساسية، من نوع:
ـ لماذا تمت الترجمة بين لغاتٍ بعينها، وغابت عن لغات أخرى؟
ـ لماذا نشطت الترجمة في أزمنة، وانحسرت في غيرها؟
ـ هل تمت عمليات الترجمة بوعي جماعي أم بذوقٍ فردي، أم بكليهما؟
ـ ما الذي أدت إليه المخطوطة المترجمة في ثقافة اللغة التي تُرجمت إليها؟
ـ ما هي أصلاً المخطوطات المترجمة إلى هذه اللغة أو تلك؟
ـ ما هي العلاقة بين الترجمة والسلطة السائدة، وكيف يؤثر كل منهما في الآخر؟
وعن المحاور يقول د. يوسف زيدان:
نظراً لاتساع قضية، أو بالأحرى قضايا، المخطوطة المترجمة، فقد رأينا من المناسب تحديد زوايا النظر إلى موضوع المؤتمر، من خلال محاور محدودة تصل إلي سبعة محاور.
بحيث تكون عناصر تفعيل الترجمة، هي المحور الأول من محاور مؤتمرنا القادم الذي تضم محاوره، أيضاً، الملامح الأساسية التي شكلت، أو أسهمت في تشكيل، تاريخ الإنسانية وطبيعة الحضارات المتعاصرة والمتعاقبة، مما له اتصال مباشر بعملية ترجمة التراث المندثر والتراث الحي.
ولهذا المحور تفصيل، هذا بيانه:
كانت العمليات الكبرى لترجمة تراث الجماعات الإنسانية، تتم أحياناً بين جماعة ناهضة وتراث مندثر سابق عليها بزمن طويل.
ومن هذا النوع: ترجمة العرب لتراث الهند القديمة وبلاد فارس، ومثاله (ترجمة كتاب شاناق في السموم، وترجمة كليلة ودمنة، وترجمة الأزياج الفلكية وحساب السنين).
وفى أحيان أخرى، كانت الترجمة تتم بين لغات متعاصرة أو متداخلة زمناً بشكل إهليلجى تتداخل فيه دوائر النهايات الزمنية للحضارة الأقدم والبدايات الأولى للحضارة التالية.
وهو ما نراه مثلاً في الترجمات البابلية والآشورية للنصوص السومرية، والترجمات العربية من اللغات اليونانية والسريانية (الآرامية).
وفي المقابل من ذلك، لم يترجم العرب النصوص المصرية القديمة (كانوا يسمونها: لغة الطير) مع أن بعضهم انتبه مبكراً إلى أهمية هذه اللغة وخصوصيتها، وهو ما نراه مثلاً في بعض كتابات ابن وحشية النبطي.
فما الذي يدعو قوماً لترجمة نصوص قومٍ آخرين وإهمال تراث أقوام أخرى؟
وهو محورٌ يرتبط بالمحور التالي الذي يهدف إلى بحث طبيعة (النقل) عن المندثر، وأسلوب (الترجمة) للتراث الممتد، لنرى الأسس التي كان يتم وفقاً لها اختيار النصوص المترجمة، ومتى كانت النصوص الدينية تستأثر بالأمر، ومتى كانت النصوص العلمية تجتذب المترجمين.
والمحور الثالث يتصل على نحو مباشر بطبيعة القائم (أو القائمين) بعملية الترجمة، وهو ما يمكن عنونته بالآتي: الترجمة المؤسساتية وترجمات الهوى الفردي.
وإذا أخذنا مثالاً من تاريخ التراث العربي يوضح الفارق بين الاثنين، فهناك الترجمة المؤسساتية المتمثلة في جهود (بيت الحكمة) ببغداد، وكيفية (النقل وتقنياته المتبعة في هذه المؤسسة أو تلك.
وهناك من ناحية أخرى ترجمات خالد بن يزيد (أو بالأحرى: الترجمات التي كان وراءها خالد بن يزيد بن معاوية بن أبى سفيان).
وترجمات بنى موسى بن شاكر، وهذا النوع الأخير، الفردي، كان ترجمة نوعية تنطلق من دواعٍ وتقنيات تختلف في طبيعتها عن الدواعي التي كمنت وراء الترجمات المؤسساتية التي أنجزها (بيت الحكمة) وأنجزتها من بعده بقرون المجامع العلمية الأوروبية إبان عصر النهضة الأوروبي (الرنيسانس).
ويضيف د. زيدان:
المحور الرابع تدور حوله أبحاثٌ مقترحة تتناول أثر الترجمة في الجماعات الإنسانية، بمعنى بحث أثر ترجمة العرب للتراث الإسكندرانى، على المسيرة العلمية في تاريخ الحضارة العربية / الإسلامية.
وأثر الترجمات الأوروبية للتراث العربي في تشكيل الوعي الأوروبي في القرون التالية على عصور أوروبا الوسطى، المسماة بالعصور المظلمة.
وهناك محور خامس يدور حول تتبُع ترجمة كتاب بعينه، وما كان له من مسيرتين: الأولى في تراثه الأصلي، والأخرى في الجماعة التي انتقل إليها.
ومثاله: ترجمات ألف ليلة وليلة عن العربية إلى اللغات الأوروبية، وترجمات كتاب القانون في الطب إلى اللاتينية (صدرت طبعته الأولى إلى اللاتينية في إيطاليا سنة 1575) وترجمة البيروني لنصوص من التراث.
وبطبيعة الأمور، فسوف يُعنى المؤتمر باللغات التي تمت بينها عملية ترجمة المخطوطات. خاصة تلك اللغات التي لعبت دوراً أساسياً كمعبر بين الجماعات كاللغة السريانية التي أعلت الترجمة من شأنها حيناً.
ثم كانت الترجمة سبباً في طمسها وانزوائها في أحيان تالية.
فالسريانية انتعشت مع نشاط نقلة التراث من اليونانية إلى السريانية، ثم من السريانية إلى العربية، ثم طمس السريانية لإعلاء العربية التي هي لغة الدين والسلطة في منطقة الشام خلال القرون الهجرية الأولى.
كما يهدف المؤتمر من خلال محورٍ سادس، إلى إلقاء الضوء على تلك (النصوص التراثية) المتصلة على نحو مباشر بعملية الترجمة، سواء كانت نصوص مستقلة بذاتها أو كانت مدمجة في نصوص أخرى.
ويضرب زيدان مثلا بما ذكره العاملي في (الكشكول) عن طريقة الترجمة والنقل، خلال موازنته بين مذهبىْ يوحنا بن البطريق، وحنين بن إسحاق في الترجمة.
والمحور السابع الأخير، يدور حول القضايا التفصيلية المتعلِّقة بعمليات الترجمة، مثل أساليب ترجمة المصطلح العلمي، وإعادة ترجمة كتاب بعينه (وفقاً لمذهب آخر غير الذي اتبعه المترجم الأسبق) وطريقة اختيار النصوص المراد ترجمتها وكيفية التعامل معها.
وغير ذلك من النقاط الفرعية المتعلقة بما يمكن تسميته (نظرية الترجمة) التي وجَّهت جهود المترجمين في هذا العصر أو ذاك.
ويضيف زيدا قائلا:
إجمالا فإن محاور المؤتمر الكاشفة عن فكرته، تتمثل في المحاور السبعة التالية:
1 ـ التفاعل بين العناصر المرتبطة بالترجمة والمؤثرة فيها.
2 ـ ترجمة النص الحي والنص المندثر، وأسباب اختيار كل منهما.
3 ـ الجهود الفردية والمؤسساتية في مجال الترجمة، والعلاقة بين التراجمة وأصحاب السلطان.
4 ـ أثر أساليب الترجمة في تشكيل الوعي بالتراث السابق، وهو ما يمكن تسميته: سلطة الترجمة.
5 ـ العلامات الكبرى في مسيرة الترجمة بين الثقافات بعامة، وبشكل خاص الترجمة من وإلى اللغة العربية.
6 ـ الترجمات الوسيطة من لغة إلى لغة، عبر لغة أخرى. مثلما هو الحال في الترجمات العربية القديمة للأصول اليونانية، عبر اللغة السوريانية.
7 ـ نظرية الترجمة، وتطبيقاتها.
وعن المشاركين الذين سوف يستضيفهم المؤتمر أوضح زيدان أنه:
يشارك في المؤتمر نخبة العلماء المتخصصين في علم المخطوطات العربية والإسلامية المترجمة في العالم، ومن بينهم:
د. رشدي راشد (مصر/فرنسا) د. فؤاد سزكين (ألمانيا /مصر) د. ريجيس موريلون (فرنسا) د. بسكال كروزيه (فرنسا) د. أحمد حسناوي (فرنسا) د. هيلين بيلوستا (فرنسا).
بالإضافة إلى د. شيكارا سكاكي (اليابان) د. لويجي مايرو (إيطاليا) د.جوتهارت شتروماير (ألمانيا) د. مروان راشد (فرنسا) د. علاء لولح (سوريا) د. محمد الفحام (مكتبة الإسكندرية).
وأيضا هناك مشاركة: د. محمد صالح الضالع (مصر) د. رفعت هلال (مصر) د. كوستانتين كانافاس (ألمانيا/اليونان) د. فيصل الحفيان (سوريا/مصر) د. أحمد هبو (سوريا) د. مجدي عبد الرازق (مصر) وهازار إبرم (سوريا). محمد الحمامصي ـ الإسكندرية