مؤتمر برطلة ... مَن وراء افراغها من المسيحيين؟

زحف طائفي يخل بتركيبة السكان

أربيل- انعقد مؤتمر أصدقاء برطلة في عاصمة إقليم كردستان العراق في يومه الأول التغيير الطوبوغرافي الجاري في مدينة برطلة، كنموذج عن المدن والقرى المسيحية الأخرى، التي أخذ يتوافد للسكن فيها من المسلمين الشيعة بجهود الأحزاب الدينية الحاكمة في بغداد.

وذلك في بادرة إلى تفريغها من سكانها الأصليين المسيحيين، والذين يقطنون هذه المنطقة الواقعة في سهل نينوى. وقد حضر افتتاح المؤتمر رئيس ديوان رئاسة الجمهورية العراقية ورئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان العراق، والمطارنة والرهبان من أبرشية الموصل وكردستان، ومثلون عن الطوائف كالأيزيدية والشبك، ولم يحضر أحد من الحكومة العراقية كرئاسة وزراء أو ممثلون عن الأحزاب الدينية على الرغم من دعوتهم.

وقد شخصت كلمة رئيس لجنة الدفاع عن الديانات العراقية كاظم حبيب بأن ما يجري في برطلة وغيرها من المدن والقرى المسيحية تقف وراءه قوى خارجية، وأشار إلى إيران بالاسم، كونها تدعم طائفة الشبك الشيعة إلى التملك في هذه المنطقة، حتى اختلت نسبة التركيبة السكانية إلى ما يربو على الخمسين بالمائة من الشبك، والقضية على ما تبدو، وشخصها التقرير الذي قدمه كامل زومايا رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر، واثبت فيه بالأرقام، أنها غزو السكاني من قبل الشبك الشيعة لبرطلة، ومدور القوى الدينية في تشجيعه.

فهناك أموال ضخمة تدفع لتخلي المسيحيين عن منازلهم، فالمنزل الذي يُقدر بخمسين ألف دولار يُدفع به مئتي ألف دولار، أي هناك أموال تصرف بسخاء على إخلاء المناطق من سكانها. وبرطلة المسيحية صار فيها حسينيات ومؤسسات دينية إسلامية، مما حصل تصادم في المناسبات، ففي العام الماضي اضطر المسيحيون في برطلة إلى إلغاء مناسبة الاحتفال بميلاد المسيح لأنها تزامنت مع عاشوراء، وتنازلهم هذا لا يفهم من باب التواضع والتسامح، إنما يحصل بفعل التهديد المباشر وتجنب الاحتكاك غير المحمود مع انفعالات عاشوراء.

لكن كيف أتى الشبك الشيعة إلى برطلة، حسب المتحدث باسم الشبك، والذي أقر بهذا الوجود غير الاعتيادي في برطلة، حتى لم يبق من القرى المسيحية سوى قرية واحدة والبقية صارت قرى شبيكية شيعية، هو التفجيرات التي حصلت في مناطقهم، والاستهدافات الإرهابية، مما حدا بهم إلى البحث عن مكان آمن في المناطق المسيحية، وهي أصلاً غير آمنة، لكن لماذا هذه المناطق دون سواها؟

هنا يأتي السؤال من هو وراء تلك العصابات الإرهابية التي تجبر الشبك الشيعة على غزو المناطق المسيحية؟ يأتي الحديث عن فعل خارجي المرتبط بالمال. ما يشار إليه في برطلة أن هناك تغيير ليس سكانياً فحسب إنما هناك تغيير بيئي أيضاً.

تقاليد دينية عمرها عشرون قرنا

فالمنطقة، على بساطتها وتواضع مستوى أهلها المعاشي، كانت نظيفة هادئة، ومعلوم أن الطقوس المسيحية لم تكن بالصورة التي نشاهد فيها طقوس عاشوراء، التي تنطلق فيها مواكب التطبير والزنجيل، واستخدام الشوارع والطرقات وسماعات الصوت للاجهار بالطقوس، وهو مما يفهم منه تنفير السكان الأصليين، مما يضطرون إلى بيع منازلهم إلى جانب الاغراءات التي تُقدم إليهم.

لم تعد برطلة كما كانت في السابق، فقد تحولت طرقاتها إلى مكابات للتفايات، وصار سكانها الأصليون، أي البقية الباقية منهم، يتجنبوا البحوح بطقوسهم، بعد أن طغى الجانب الإسلامي على أجوائها.

هناك معلومات مؤكدة عن الزيارات التي يقوم بها القنصل الإيراني في أربيل إلى ناحية برطلة، بحجة الوقوف على احتياجات الشبك هناك، أو لتخليص المعاملات الخاصة بالفيزة إلى زيارة العتبات المقدسة في إيران، لكن ما يخشى منه أن تسعى إيران إلى تشكيل جيوب سياسية من أولئك الشبك، المغلوب على أمرهم بعد تعرضهم لهجمات الإرهابيين في الموصل، على شاكلة أحزاب الله التي تنشرها إيران حيث استطاعت إلى ذلك سبيلا.

هذا ومازال المؤتمر مستمرا في انعقاده وسيتحول إلى برطلة للإتمام فقرات برنامجه التضامني مع الوجود المسيحي الذي إذا ما استمرت الهجرة والتغيير الطوبغرافي سينتهي في العراق مثلما خلت البلاد من قبل من الوجود اليهودي. قمت مداخلتان واحدة بالشأن القانوني قدمها القاضي زهير كاظم عبود والأخرى بشأن الوجود المسيحي في العراق تحت عنوان "عشرون قرنا من المسيحية بالعراق" قدمها الباحث العراقي رشيد الخيون. بعدها اختتم المؤتمر يوه الأول بفتح المداخلات، ومنها مداخلة مطران الموصل للسريان الأرثذوكس داوود متي شرف، الذي دعا إلى عودة الشبك الشيعة إلى مناطقهم، وأن مواطنيهم المسيحيين على استعداد للمساعدة في بناء دورهم وتأهيل مناطقهم، وذلك يشمل ما الساكنين في برطلة منهم من بعد 2003.