مؤتمر المعرفة الأول وتحدي النقص في المعرفة

بقلم: ماجد كيالي

شكلت مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم (نائب رئيس دولة الإمارات، وحاكم دبي)، والتي تم الإعلان عنها في "مؤتمر المعرفة الأول" (دبي 28ـ29/10)، المتمثلة بتأسيس مؤسسة خاصة، تعنى بتنمية الثقافة والمعرفة في العالم العربي، أهمية كبيرة، من زوايا عدّة، أهمها:
أولا، كونها تشكّل سابقة فريدة من نوعها، فتلك المرة الأولى التي يتجه فيها حاكم عربي نحو تنمية المعرفة والثقافة والتعليم، في المجتمعات العربية، بدلا من هدر الامكانيات والثروات، في غير مكان مناسب، وبدلا من تركيز الإنفاق على التسلح، وأجهزة الأمن، كما على الملاعب الرياضية الباذخة ودور التسلية والترفيه، دون التبصر بأولويات التطور وحاجات الناس والمجتمعات.
ثانيا، أكدت المبادرة أهمية تنمية الموارد البشرية، أو الرأسمال البشري، في التنمية الاقتصادية، بإعادة الاعتبار للبعد الاجتماعي في هذه التنمية، عبر الاهتمام بتنمية المعرفة والثقافة والعلوم، بعد أن بات العلم المولد الأساسي للثروة والمحفز للتطور، وبعد أن بات العلم مرتبطا بالعمل وبالعملية الإنتاجية، ما يعنيه ذلك من التكامل والترابط الوثيق بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومعلوم أن قوة الدول في عصر الثورة العلمية ـ التكنولوجية، لم تعد تقدر بقوتها العسكرية أو بمساحتها وعدد سكانها، بقدر ما باتت تقدر بمستوى الحياة والتعليم والثقافة والاتصال والمشاركة فيها، وهي العناصر المحددة لمعايير التنمية البشرية.
ثالثا، لم تكن مبادرة سمو الشيخ مجرد "ظاهرة صوتية"، على ما عودتنا الخطابات العربية السائدة، فقد كان للمبادرة جسدا وروحا، تمثلا في قيام "مؤسسة الشيخ محمد بن راشد"، وبرصد مبلغ قدره عشرة مليارات دولار (37 مليار درهم إماراتي)، لتمويل هذا المشروع الريادي، وتأمين ديمومته، وبوضع خطة عمل تقضي بإطلاق 25 مبادرة، ضمنها: السعي لترجمة ونشر ألف كتاب جديد سنويا (منها كتب مترجمة)، وإطلاق «تقرير المعرفة العربي» بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ووضع برنامج لتحسين جودة التعليم العالي، وتأسيس «شبكة للأبحاث العربية» وأخرى لمعلمي المدارس، وشبكة تعليم طلاب الجامعات الباحثين عن فرص التعليم العملي، وشبكة الشركات العربية الباحثة عن الخريجين الواعدين، كما تضمنت المبادرات برنامج الماجستير الإلكتروني للنساء.
رابعا، هذه المبادرة هي إضافة غنية للجهود الرامية لتعزيز مكانة دبي كعاصمة ثقافية في العالم العربي، بعد أن باتت بمثابة عاصمة اقتصادية وإعلامية، وفي هذا مكسب لدبي، ولدولة الإمارات العربية المتحدة، وللعالم العربي.
الواقع فإن الإنجاز المتمثل بقيام "مؤسسة الشيخ محمد بن راشد" للثقافة والمعرفة، هو بمثابة قفزة نوعية كبيرة، طال انتظارها، للانتقال نحو إقامة مجتمع المعرفة، الذي تحدث عنه تقرير التنمية الإنسانية العربية (العدد الثاني 2003). وكان تقرير التنمية الإنسانية العربية، في عدده الأول (2002) تحدث عن ثلاثة نواقص تعاني منها المجتمعات العربية، وهي النقص في الحرية، والنقص في المعرفة، والنقص في تمكين المرأة.
وقد لخّص د. محمد القرقاوي (رئيس مجلس إدارة "مؤسسة محمد بن راشد") محور عمل المؤسسة في استهلال حوار عربي -عربي جديد بجمع نخبة من رموز الفكر في المنطقة تحت سقف واحد وتمكينهم من فتح قنوات جديدة للنقاش وتبادل الأفكار، إيذانا بمولد جهد عربي مشترك ستعمل المؤسسة على السهر على تقويته وتعزيزه.
هكذا فإن قيام المؤسسة يستهدف سدّ النقص في المعرفة، في العالم العربي، الذي تحدث عنه باستفاضة العدد الثاني من تقرير التنمية الإنسانية العربية، كما قدمنا، انطلاقا من واقع أن تطور البشرية في العصر الراهن بات يتوقف على مستوى المعرفة، باعتبارها محركاً للتحولات الاقتصادية والاجتماعية، بغاياتها الإنسانية المتأسسة على الحرية والعدالة والكرامة. وبحسب التقرير المذكور فإن النقص في المعرفة في العالم العربي، يؤدي إلى اختلالات وفجوات داخلية وخارجية، ويضعف من قدرة الدول والمجتمعات في الأقطار العربية على التطور ومواجهة التحديات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما يضعف من قدرتها على سد الفجوة بين واقعها والتطورات الحاصلة على الصعيد الدولي.
وقد رصد هذا التقرير واقعا قاتما لقياس مستويات المعرفة في المجتمعات العربية، فمتوسط الكتب المترجمة لكل مليون شخص في السنوات الخمس الأولى من الثمانينات بلغ 4.4 كتاب (أقل من كتاب واحد في السنة لكل مليون من السكان) بينما بلغ 519 في المجر و920 في أسبانيا، لكل مليون من السكان. أما الكتب المنتجة في العالم العربي فلم تتجاوز 1.1% من الإنتاج العالمي، رغم أن العرب يشكلون نحو 5% من سكان العالم. وقد أنتجت البلدان العربية 5600 كتاب عام 1991 مقابل 102000 كتاب في أميركا الشمالية، و42000 في أميركا اللاتينية ودول الكاريبي. وبحسب التقرير الأول فمجموع ما يترجمه العرب لا يزيد عن 330 كتاباً سنوياً، أي خُمس ما تترجمه اليونان، وخلال الألف سنة الماضية، ترجم العرب من الكتب بقدر ما ترجمته أسبانيا في سنة واحدة‍.
كما حذر التقرير من ظاهرة هجرة الأدمغة حيث أنه بحلول العام 1976 غادر البلدان العربية نحو 23% من المهندسين و50% من الأطباء و15% من جميع حملة الشهادة الجامعية الأولى إلى المهجر. وأكد التقرير ضآلة ما تنفقه الدول العربية على البحث العلمي الذي يبلغ 0.5% من ناتجها المحلي السنوي، وهو بالكاد يصل إلى 3 مليار دولار، وتبلغ حصة الفرد منه 8 دولارات سنويا، في حين أنها تبلغ حوالي 250 دولارا للفرد في الدول المتقدمة (إسرائيل تنفق 2 ـ 3 من ناتجها المحلي أي حوالي 5 مليارات من الدولارات). وبالنسبة للإنفاق على التعليم، فالوضع ليس أفضل، إذ أن متوسط حصة الفرد في العالم العربي تبلغ 110 دولارا، في حين أنها لا تقل عن حوالي 1500 دولارا في العالم المتقدم.
ويستنتج من كل ذلك أن النهوض العربي يستلزم بالضرورة الربط بين الإصلاح التعليمي والتحديث الثقافي، وأن النهوض في مجالات المعرفة والتعليم والثقافة، هو مقدمة ضرورية للنهوض الاقتصادي.
على أية حال فإن الخطوة التي خطاها سمو الشيخ، في إطلاق النهضة الثقافية والتعليمية والمعرفية، تحتاج إلى تضافر الجهود العربية، على مستوى الحكومات والمجتمعات والمجتمع المدني، وأساسا فهي تحتاج إلى دعامات ثلاث، أولها، دعم ومؤازرة الحكومات، عبقر إطلاقها مناخ الحريات والمشاركة، إذ لا يمكن قيام نهضة في مجال الثقافة والمعرفة في إطار الانغلاق ومصادرة التعددية وعدم احترام الرأي الأخر. وثانيها، جهود المفكرين والمثقفين والباحثين، فهؤلاء معنيون بتحسين جودة الإنتاج الثقافي والفكري وفتح أبواب جديدة فيه، بما يتجاوب مع حاجات وتطلعات وأولويات المجتمعات والبلدان العربية. وثالثا، فهي بحاجة إلى احتضان القطاع الخاص، فهذا القطاع اتجه كثيرا نحو قطاعات السياحة والترفية والاستهلاك، ولم يعط اهتماما مناسبا لتنمية الثقافة والتعليم والمعرفة، على غرار البلدان الأخرى، بحكم ميله للربح السريع، في حين أن التنمية في الثقافة والمعرفة والتعليم يمكن أن تفتح مجالات كبيرة وواعدة ومستديمة أمام تنمية القطاع الخاص لأعماله، على الصعيد المستقبلي.
طبعا ثمة تحديات كبيرة أمام نهوض الثقافة والمعرفة والتعليم في البلدان العربية، ضمنها مسألة الحرية وإطلاق حرية البحث العلمي في كل المجالات، وإيجاد البني المؤسسية، والتخطيط ومراعاة الأولويات والحاجات، ومسألة الجدوى أو علاقة مراكز البحث والتفكير بمراكز صنع القرار في العالم العربي، وعلاقة العلم بالحياة وعلاقة الجامعة بالمجتمع وبقطاعات الإنتاج، وفتح الأسواق وتنمية القدرة على الاستهلاك في مجال المعرفة والتعلم والثقافة.
ويمكن أن نضيف لهذه التحديات، ولمشاريع "مؤسسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم"، دعوة للمبادرة لإطلاق قناة تلفزيونية عربية للمعرفة، بعد أن ربحت قناة "الجزيرة" سبق المبادرة لإطلاق قناة سياسية عربية. فإطلاق قناة لتنمية الثقافة والمعرفة في العالم العربي، يمكن أن تشكل إضافة، وسابقة فريدة من نوعها، ضمن قائمة مشاريع المؤسسة. وفي ذلك فهي تساهم في تعميم الثقافة والمعرفة، بحيث تصل إلى الجمهور العربي في بيته، ومن خلالها يمكن التعريف على المفكرين والمثقفين والباحثين، والتعريف بنتاجهم وأفكارهم ومشاريعهم، بدلا من هذا الاسفاف، الذي يكاد يستهلك الفضاء التلفزيوني العربي.

ماجد كيالي