مؤتمران نوويان والهدف واحد

بقلم: د. خليل حسين

بين واشنطن وطهران حكاية نووية لا تتفق شكلا ولا مضمونا مع تجارب الادارات الاميركية المتعاقبة مع الملفات المتشابه، لكن المفارقة فيها، انها الأطول والاشد تعقيدا ومرارة في آن، في الوقت الذي لا يلوح أي افق لحل يرضي أطرافه، او اطراف المجتمع الدولي المعني بهذه الحكاية وسيناريوهاتها المحتملة في المستقبل القريب. وما يلفت في هذا الملف، ان مؤتمرين دوليين كبيرين، يناقشان القضية في اسبوع واحد، اليومان الأولان منه في واشنطن والأخيرين في طهران، وكأن سباقا مع الزمن حول قضية لن يمر وقت طويل الا ويكون الآوان قد فات بالنسبة للغرب لمعالجته وفقا للرؤية التي يراها مناسبة.
في المؤتمر الأول، جمعت واشنطن 47 دولة لتدق ناقوس الخطر النووي، وعلى مسمع بعض الدول الكبرى، ومن بينها الصين وروسيا التي وقعت معها قبل ايام اتفاق "ستارت 2 "، والذي يعتبر من الناحية التقنية مدخلا لادارة الاختلاف النووي بين واشنطن وموسكو، علَّ وعسى من وجهة النظر الاميركية ان يكون هذا الاتفاق بمثابة الرشوة النووية المسبقة لموسكو بهدف حثها على المضي قُدما في طريق العقويات المشدَّدة على طهران.
والمفارقة في هذا المؤتمر ايضا، انه جاء بعد اعلان واشنطن استراتيجيتها النووية الجديدة التي تحدد طرق استعمالها، ومن بينها عدم استعمال الاسلحة النووية ضد دول لا تمتلكها واستثنت كل من ايران وكوريا، في وقت يُعقد هذا المؤتمر لثني طهران عن المضي في برامجها النووية ترغيبا او ترهيبا، فكيف يمكن الولوج في اطارات الحلول المتناقضة بخاصة انها جربت سابقا ولم تؤد الى النتائج المرجوة منها؟
ان احدى القضايا والشعارات المرفوعة في فعاليات المؤتمر، منع انتقال تقنيات او السلاح النووي الى منظمات ارهابية، فهل ان المجتمع الدولي ودوله ومنظماته بات واهن القوى فاقد القدرة لكي تتمكن المنظمات الارهابية من امتلاك اسلحة نووية؟ ام ان الاسلحة النووية باتت من المستنسخات التكنولوجية المتناهية الصغر لكي تُخبأ وتستعمل في المكان والزمان المناسبين؟ ربما شعارات من باب السيناريوهات التي يمكن ان تصح فرضياتها في اطار الخيال العلمي، لكن لا تستحق هذا الوزن الدولي للمناقشة والحشد والمتابعة، في وقت يغرق العالم بمشاكل لا تقل خطورة ولا تجد من يهتم بها.
مفارقة ثالثة في مؤتمر واشنطن تتمثل بعدم حضور رئيس الوزراء الاسرائيلي، بنيامين نتنياهو اعمال المؤتمر، رغم الحماسة الاسرائيلية المنقطعة النظير للقضاء على البرنامج النووي الايراني كيفما كان وبأي وسيلة، ذلك بتفهم اميركي واضح لعدم احراج سياسة الغموض التي تتبعها اسرائيل في برامجها التي لا تخضع في الأساس لأي رقابة ومنها رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لعدم انضمامها اليها.فكيف يمكن مناقشة انتشار الاسلحة النووية ومنها الشرق الاوسط الذي يعتبر نقطة ارتكاز واهداف المؤتمر.
في المقابل تحشد طهران ستين دولة في مؤتمرها المضاد بفاصل يومين، وكأنه رد يكتسي طابع التحدي، بعنوان جذاب "طاقة نووية للجميع.. لا أسلحة نووية لأحد"، وكأن الايرانيون يعيشون في عالم آخر؛ ملئه المثل والمبادئ والقيم، وغاب عن مسمعهم وحتى عقلهم، ان التكنولوجيا المتقدمة ومنها النووية امر صعب المنال، وهو حكر على اقلية قليلة في عالمنا، فماذا ستحقق طهران في مؤتمرها؟ هل هو أكثر من الدعاية الاعلامية في وقت يشتد خناق العقوبات الدولية التي تمكّنت ببراعة التفلت منها ماضيا وربما مستقبلا اذا ظلت منهجية التعامل هي نفسها.
مفارقة مؤتمر طهران الموقف الصيني الذي لبى حتى الآن طموح اعمال المؤتمرين، وهو بطبيعة الأمر رسالة واضحة متعددة الابعاد والأهداف، من بينها افهام طهران انها لا زالت المعاند الأول في وجه العقوبات الدولية المشددة، مع افهام واشنطن كذلك ان الحلول غير السياسية لن تجد آذانا صاغية ولو كانت باللغة الصينية وبسياسة القوة الناعمة التي تعتمدها في غير مكان من العالم.
ربما يعتبر البرنامج النووي الايراني من أكثر البرامج النووية المثيرة للجدل في عالمنا اليوم، فهو في الأساس انطلق قبل الثورة الاسلامية برعاية اميركية واضحة عبر المانيا، وتحوّل في عهد الثورة برنامجا يؤرِّق جفون الغرب وسياسته في المنطقة. وبصرف النظر عن حقيقة البرنامج، سلمي كان ام عسكري في اهدافه ومضامينه، فإن سلوك الغرب المعترض كما سلوك الايراني المدافع المنتفض، يبدوان في خانة واحدة، فمن الصعب اقتناع الغرب وغيرهم، ان دولة باتت دولة اقليمية عظمى تسعى الى تكنولوجيا نووية سلمية دون امكانية تحويلها باتجاهات أخرى في ظل بيئة جيوبوليتيكية معادية. وفي نفس الوقت من الصعب بلع وهضم السياسة الاميركية والغربية ايضا لجهة غض الطرف عن قوى نووية أخرى في الشرق الأوسط ومنها اسرائيل على سبيل المثال.
لقد فرضت واشنطن عقوبات على الهند اثر اقدامها على االتفجيرات التجريبية في سبيعينيات القرن الماضي، ثم عادت وكافأتها ادارة جورج بوش الابن بتقديم تقنيات نووية مقابل مواقفها من اجتياح افغنستان ومرونتها في ملفات كثيرة تهم واشنطن، فكيف يمكن اقناع الآخرين بجدوى سياسة الشتاء والصيف تحت سقف واحد.
لقد حدد القانون الدولي الاطر العامة لاستعمال الطاقة النووية السلمية، وابقى العسكري منها خارج قواعده التي تتحكم بها سياسات القوة ومن يمتلكها في موازين الصراعات الاقليمية والدولية، كما ان الاتفاقيات التي وقعت لجهة نزع الاسلحة والحد منها، لم تجد قبولا حتى بين الذين يملكون والذين لا يملكون، ما يعني ان من بإمكانه الحصول على اي نوعية من التكنولوجيا سوف يسخرها لقدرات قابلة للصرف السياسي والعسكري في المجتمع الدولي، وبالتالي ان سياسة امتلاك القوة والقدرة باتت من بديهيات السياسات العامة للدول وعلاقاتها وادواتها وأذرعها الخارجية.
العالم يعج بالفقر والجوع والمرض والعوز، وكل ما يخطر او لا يخطر على بال من توصيفات لواقع مرير، وفي اسبوع واحد ترتفع اصوات فعاليات مؤتمري واشنطن وطهران النوويين وكل منهما يأمل في حصد نتائج تخصه، لكن ما يجمع عقلهما الباطنيين البحث عن القوة والقدرة التي باتت في استراتيجيات الدول امتلاك التكنولوجيا العسكرية القادرة على تحطيم الآخر وسحقه لا مجرد خسارته لمعركة ما. ربما اتفاقية "ستارت 2" الموقعة بين واشنطن وموسكو شكلت مدخلا نظريا للتخلص من "الحمل النووي الزائد" في المبدأ، لكن حملت في طياتها امكانية التفلت منها لكلا الطرفين بخاصة عند التدقيق في خطب الرئيسين الاميركي والروسي. الأول رمى طعم الخضوع لمبدأ نزع الاسلحة او بالأصح التخفيف منه، فيما الثاني تقبّل أكل الطعم على أمل ايجاد الاجوبة الاميركية الواضحة للدرع الصراوخي في شرق اوروبا. وفي كلا الحالين دول تجتمع وتقرر، وآخرون يتضورون جوعا، انه عالم يعج فعلا بالتناقضات التي يصعب فهمها بسهولة! د. خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية www.drkhalilhussein.blogspot.com