مؤتمرات تكافِح الفساد بما ينمِّيه!

بقلم: جواد البشيتي

إنَّ أحداً من الراسخين في "عِلْم الفساد"، ومن الباحثين الجادين في ظواهره المختلفة، لا يُصدِّق أنَّ عقد مزيدٍ من المؤتمرات (الرسمية) الدولية والإقليمية، كالمؤتمر الإقليمي (الأوَّل) لـ "تعزيز التعاون بين هيئات مكافحة الفساد"، ولـ "تطوير وتحسين سُبُل الوقاية منه"، يمكن أن يأتي بنتائج (عملية) يُعْتَدُّ بها في مجال مكافحته، فمزيدٌ من الفساد هو ما يتمخَّض عنه عقد مزيدٍ من "المؤتمرات الرسمية"، وبذل مزيدٍ من الجهود (الرسمية) لمكافحته، التي بفكرتها ومنطقها ووسائلها وأساليبها، وبشخوصها أيضاً، تؤكِّد وتُظْهِر أنَّ النفاق هو المداد الذي به يُكْتَب "خطاب الحرب على الفساد".
"الفساد"، لجهة استشرائه واستفحاله، على ما نرى ونعاني الآن على وجه الخصوص، إنَّما هو "العولمة"، بوصفها القوَّة التي حرَّرت "الميكيافلية" من كل قَيْد، أي جعلتها "ميكيافلية خالصة حرَّة"، فالجدل (الفلسفي والأخلاقي والسياسي) في أمر العلاقة بين "الغاية" و"الوسيلة" انتهى، في "العولمة"، وبها، إلى وَزْن "الوسيلة" بميزان واحد فحسب هو صلاحيتها لبلوغ "الغاية"، التي على اختلاف وتنوُّع صورها وأوجهها يظلُّ "المال"، لجهة اكتسابه وزيادته وتنميته، هو أهمُّ صورها وأوجهها.
في المنطق الميكيافلي كل وسيلة يمكنها أن تُوْصِل صاحبها إلى غايته هي وسيلة "مشروعة"؛ أمَّا في المنطق المضاد للميكيافلية فإنَّ الغاية هي التي تختار ما يناسبها من الوسائل، فليست كل وسيلة مشروعة.
من قبل، أي قبل أن يَدْخُل النظام الرأسمالي طور "العولمة"، كان المال "الشرعي" يُكْتَسَب إمَّا من طريق "الربح" وإمَّا من طريق "الأجر"؛ أمَّا "الطريق الثالثة"، أي "الفساد"، فكانت ثانوية، فرعية. و"المنصب الحكومي"، على وجه الخصوص، لم يكن بالأهمية التي هو عليها الآن في "عالَم الفساد"، الذي كان صغيراً، أو في طور الطفولة.
الآن، حيث "العولمة" رفعت منسوب الوحشية في النظام الرأسمالي، أصبحت "البيروقراطية الحكومية"، المُمْعِنَة في انفصالها عن المجتمع، هي مَصْدَر الفساد الأوَّل والأعظم، قومياً وعالمياً، فالبيروقراطيون الحكوميون، من أصغرهم حتى أكبرهم، يملكون الآن من سلطة الوظيفة ما يجعل هذه الوظيفة دجاجةً تبيض لهم ذهباً.
الريح الاقتصادية القوية لـ "العولمة" دَفَعَت، وتَدْفَع، الشركات الكبرى والعملاقة في دول المركز من النظام الرأسمالي العالمي إلى التوسُّع في استثمار رؤوس أموالها في أسواق دول المحيط، فتهيَّأ المناخ الملائم لشيوع واستفحال ظاهرة "الراشي والمرتشي والرائش"، والتي قوامها شراكة في المصالح بين تلك الشركات وكبار البيروقراطيين الحكوميين (في دول المحيط) المنظَّمين جيِّداً (وكأنَّهم حزب سِرِّي) بقوَّة "قانون المصلحة" في حُلَّته الميكيافلية. ولم تكن تلك "الشراكة"، وعلى وجه العموم، لتَنْزِل برداً وسلاماً على الشعوب والمجتمعات والاقتصاد في دول المحيط، وكأنَّ تلك الدول هي خير سلعة يَتَّجِر بها البيروقراطيون الحكوميون مع شركات الغزو الاقتصادي الأجنبية.
ولقد عرفوا كيف يؤسِّسون للفساد (بأوجهه كافة) بنية تحتية في الجهاز البيروقراطي الحكومي، فصغار الموظَّفين البيروقراطيين جعلوا لهم "معاشاً" هو "الممات" بعينه، فـ "الإفقار"، في معناه الاقتصادي، هو الذي يُنْتِج، إنْ عاجلاً أو آجلاَ، الفقر، في معناه الروحي والأخلاقي، فكلَّما تضاءل راتب الموظَّف (الحكومي) بالغلاء والتضخم، نَمَت فيه "النفس الأمَّارة بالسوء"، فأصبح للفساد "جيشاً" بعدما اسْتَحْدَث له "قيادة".
والمواطن "الذكي" هو الذي يَعْرِف أن لا سبيل إلى إنجاز معاملة له (تُعَقَّدُ عن عمد وقصد) إلاَّ "الرشوة"، أو أخواتها، فَتَرْكُ "المعاملة" تسير في مسارها الطبيعي (والقويم أخلاقياً وقانونياً) إنَّما هو التجربة التي ستعلُّمه طول هذا المسار، ودائريته، فبعد جهد جهيد، ووقت طويل، يرى معاملته وقد عادت إلى يديه، "مزيَّنة" بكثيرٍ من "النواقِص" و"الشروط غير المستوفاة"!
كل "الحقوق" تتعطَّل، وتُعطَّل، حتى يصبح ممكناً توظيف الوظيفة البيروقراطية الحكومية في خدمة المصلحة الشخصية لصاحبها، الذي ما أن يملك سلطة بيروقراطية، ولو كانت في منتهى الضآلة، ويعي أهميتها، حتى يصبح ميكيافلياً بالغريزة.
حتى ما يُطْلَق بين الفينة والفينة من حملات للإصلاح الإداري، ولمكافحة الفساد، تلقى المصير نفسه الذي تلقاه "معاملة" المواطن، فالبيروقراطيون الحكوميون، كباراً وصغاراً، يُعَقِّدون، عن عمد وقصد، هذه "المعاملة"، أي "الحملة"، فتعود إلى مطلقيها، و"كأنَّك يا بو زيد ما غزيت".
لقد ألَّهوا "المال" حتى استعبدهم، فلا رادع يردع مؤلِّه المال عن اتِّخاذ الفساد وجرائمه طريقاً إلى اكتساب المال وزيادته وتنميته. حتى أولئكَ الذين يزاولون "المِهَن الإنسانية" شرعوا يسيرون في درب الفساد؛ واسألوا المرضى إذا ما أردتم دليلاً على ذلك. إذا مرضتم فإيَّاكم اللجوء إلى طبيب، فلقد ولَّى ذلك الزمن.. زمن الطبيب الواحد للمريض الواحد، فاليوم يتضافر جَمْعٌ من الأطباء والمراكز الطبية على معاجلة مريض واحد، ولو كان مرضه الزكام، الذي قد تجرى لمعالجته "عمليات جراحية"!
وعلى المريض (الذي تجرى له عملية جراحية) أن يصحب معه إلى غرفة العمليات مراقبين من أهله وذويه حتى يطمئن إلى أنَّ بعضاً من أعضائه لن تذهب إلى السوق!
وإيَّاكم والمطاعم، فهي اليوم، حيث الغلاء والتضخم يُطْلِقان وحش الفساد، أقصر الطرق إلى المستشفيات أو المقابر، فما دام "الربح" هو معبودهم ومُسْتَعْبِدهم في آن فَلِمَ لا يتَّجرون حتى بالفاسِد من الطعام؟!
ولِمَ لا يواظبون على هذه التجارة ما دامت "العقوبة" تُشجِّع ولا تردع؟!
وإيَّاكم والاستخذاء لمؤثِّرات "الإعلان التجاري"، فأصحابه من أصحاب الشركات لا يتورَّعون عن أن يدوسوا بأرْجُل مصالحهم كل المحرَّمات في سبيل إنشاء وتوسيع سوق للبضاعة التي يشتمل عليها هذا الإعلان. إنَّ بعض شركات الأدوية لا تتورَّع عن غرس بعض الأمراض في سبيل تسويق ما تنتجه من دواء. وإنَّ كثيراً من الشركات لا تتورَّع عن فعل أي شيء في سبيل أن تصطنع في المُسْتَهْلِك حاجة إلى شراء سلعتها، وإلى الإدمان على استعمالها.
ومع ذلك، لم نرَ حتى الآن جهداً حقيقياً يُبْذَل من أجل مكافحة الفساد في خواص السلعة التي تَظْهَر في "الإعلان التجاري"، فـ "المُعْلِن" ما زال حُرَّاً في أن يُظْهِر السلعة في إعلانه التجاري بخواص لا تمتُّ إليها بصلة، وكأنَّ الغشَّ والتزوير في خواص المُنْتَج ليسا من جرائم الفساد التي تستحق المحارَبة!
الفساد اليوم، وفي عالميته، ليس سوى الخاصية الجوهرية للنظام الرأسمالي في مرحلة "العولمة"، فالذي يسعى في مكافحته ضارباً صفحاً عن هذه الحقيقة إنَّما هو كمثل مَنْ يحاول نَزْع الجوانب السلبية من شيء ليحتفظ بجوانبه الإيجابية فحسب.. كمثل مَنْ يريد سباحةً بلا بلل! جواد البشيتي