مأسسة التسامح في عمان: توازن دقيق بين الإسلام والآخر

بقلم: د. حسين شحادة
'ديننا فوق كل اعتبار'

"الاسلام بصورته الصافية الأولى البعيدة عن التشنج والتطرف والاستغلال السياسي المناقض لجوهر الدين ورسالة السماء السمحاء الهادفة الى اقامة مجتمع الحرية والعدالة والمساواة والوحدة الايمانية التي هي الأساس المكين لوحدة المواطنين ومسيرتهم وراء القيادة المعتنقة لتلك الصورة الصافية والمؤمنة بها وسيلة لتطوير البلاد ونموها".
السلطان قابوس بن سعيد

التسامح سمة أصيلة ومميزة للمجتمع العماني منذ قرون عديدة، وقد تجسد ذلك سواء في علاقات الترابط والتكافل والتماسك بين أبناء المجتمع العماني والذي يشكل ركيزة أساسية للتقدم والرخاء، أو في علاقات السلطنة مع الشعوب الأخرى والتي ارتكزت على الحوار والصداقة واحترام حرية العقيدة.
ومن ثم مارست عمان حواراً حضارياً مع كثير من الشعوب والحضارات الأخرى منذ قرون عديدة عبر التجارة والتفاعل الحضاري الذي لا تزال آثاره باقية إلى اليوم.

وانطلاقاً من التسامح والرصيد الحضاري العريق ترفض السلطنة كل صور التعصب والتطرف وتدعو دوماً الى التفاهم وحرية الفكر والمعتقد، وبالتالي يشكل التسامح الديني سمة مميزة لمسيرة النهضة العصرية، وفي حين يكفل النظام الأساسي للدولة الحريات الشخصية وضمان ممارستها في حدود القانون فإنه نص في المادة 28 منه على أن "حرية القيام بالشعائر الدينية طبقاً للعادات المرعية مصونة على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب".
ومن المعروف ان المقيمين على أرض السلطنة من أصحاب الديانات الأخرى يتمتعون بحرية ممارسة شعائرهم الدينية في دور العبادة الخاصة بهم، كما يكفل لهم قانون الأحوال الشخصية العماني تطبيق الأحكام الخاصة بهم بما لا يتنافى مع التقاليد المعنية (المادة 282 من القانون).
ويؤكد قابوس بن سعيد سلطان عمان منذ سنوات عديدة على أهمية وضرورة "مواكبة العصر بفكر اسلامي متجدد متطور قائم على اجتهاد عصري ملتزم بمبادئ الدين، قادر على أن يقدم الحل الصحيح المناسب لمشاكل العصر التي تؤرق المجتمعات الاسلامية وأن يظهر للعالم أجمع حقيقة الاسلام وجوهر شريعته الخالدة".
وفي هذا الاطار تقوم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية باعتماد رؤية وسطية المأخذ واضحة الهدف من أجل فهم صحيح للدين.
ويسهم جامع السلطان قابوس الأكبر الذي يضم عدداً من المرافق من أبرزها "مركز السلطان قابوس للثقافة الاسلامية" بنصيب وافر ليس فقط في ابراز القيم الحضارية للأمة الإسلامية وتحديث أساليب معالجتها لشؤونها وقضاياها، ولكن أيضاً في تعزيز الحوار الحضاري مع الحضارات والشعوب الأخرى من خلال استضافة العديد من الخبراء والمتخصصين من مختلف مناطق العالم ضمن برامج المركز وأنشطته المختلفة ومنها:

- نشر الثقافة الاسلامية وتنمية المعرفة الدينية بين أفراد المجتمع والعمل على مواكبة العصر بفكر اسلامي متجدد قائم على اجتهاد عصري ملتزم بمبادئ الدين الحنيف وقادر على ايجاد الحلول الصحيحة المناسبة للمسائل التي تستجد في حياة المجتمع.
- تدريس العلوم الاسلامية ومواد التعليم العام من أجل بناء جيل ملتزم بقيمه الاسلامية ومرتبط بثقافة أمته وحضارتها وموروثها التاريخي ومواكب لمناهج العصر.
- إعداد وتوفير أئمة وخطباء للجوامع والمساجد التابعة للمركز مؤهلين بثقافة إسلامية تعين على شرح رسالة الاسلام والتعريف بأحكامه ومناهجه.
- رفع مستوى الأداء والكفاءة للأئمة والخطباء وموظفي المركز عن طريق البرامج التعليمية والتدريبية والاشراف على معاهد العلوم الاسلامية والمدارس التابعة للمركز والارتقاء بها والاشراف على الجوامع والمساجد التابعة للمركز وادارة شؤون أوقافها ورعاية مصالحها وتنمية مواردها.
وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف فإن المركز يمارس صلاحيات عديدة منها على سبيل المثال:
- إعداد الدراسات والبحوث العلمية في مجالات اختصاصات المركز واعداد المناهج الدراسية والخطط التعليمية ووضع البرامج التدريبية والتأهيلية. كما يتم وضع شروط القبول للمعاهد والمدارس التابعة للمركز، ووضع التقويم السنوي الذي ينظم العمل بها.

- تطوير نظم التعليم والمناهج الدراسية للمعاهد والمدارس واتباع أحدث النظم في هذا الشأن، وتنظيم الامتحانات والتقييم بالتنسيق مع الجهات المختصة بالدولة واختيار أعضاء هيئة التدريس والادارة للوحدات التعليمية.
- إنشاء مكتبات متخصصة وعامة واتاحتها أمام القراء وتزويدها بصورة مستمرة، واقامة الأنشطة الثقافية من ندوات ومحاضرات ومؤتمرات بهدف إحياء تراث الفكر الاسلامي.
- توثيق الروابط وأوجه التعاون مع المراكز الثقافية المماثلة في الدول الأخرى وإصدار المطبوعات والدوريات المتعلقة باختصاصات المركز. في سبيل ذلك يعمل المركز على التأصيل لوسطية الطرح الاسلامي عملاً بمقتضى قوله تبارك وتعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً"، بحيث يستلهم الدروس والمواقف التي يتربى تحت ظلها المسلم بعيداً عن اللغو والتطرف في الدين وتأكيداً لما وجه به الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم "ان هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق".
وكل ذلك من شأنه أن يقدم للحياة إنساناً مؤمناً صالحاً يتقرب الى الله تعالى بعمارة الكون واعلاء قيم الحق والخير والعدل والفضيلة ومحاربة الجور والظلم والتسلط الفكري وكل ما من شأنه إثارة الفتن والضغائن والأحقاد بين الناس.
ولا يتأتى ذلك في الواقع إلا بتقديم الفكر الاسلامي الصافي ونشره من خلال المقررات الدراسية والأنشطة الثقافية والاصدارات المختلفة.

ويعتقد الملاحظون من اعلاميين وأكاديميين بأن السلطنة تمكنت وبشكل مميز من التوفيق بين الأسس والمبادئ الاسلامية والتواصل مع الحضارات والمعتقدات الأخرى نظر لأن ذلك من مميزات الدولة والمجتمع العماني الحديث.
وقد أدرك الآخرون ذلك قبل أن ندرك نحن مدى النجاح الذي تحقق في هذه الموازنة الدقيقة التي ضمنت للمجتمع تحديثاً وتنمية دون توترات أو قلق على الهوية، وكان من السهل على الدولة العمانية الحديثة أن تقلد مناهج التنمية والتحديث الأخرى، ولكن ربما كان لهذا الأمر تأثير سلبي لذلك كان الاصرار واضحاً على تقديم نموذج متميز ومتوازن.
إن السر في هذا الأمر وفي هذا النجاح ليس التنظير أو الشعارات المثالية بل في التطبيق وفي اعتماده سياسة ملتزم بها من قبل الكافة "ان الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن".
إذن فقد كانت متابعة التفاصيل المتعلقة بهذا الأمر تتضافر جميعاً لتشكيل صورة متناسقة ومتوازنة، فمن هذه التفاصيل الصغيرة في طراز المعمار واللباس الوطني وتمكين اللغة العربية وتقاليد العمل الاداري والمراسم الاجتماعية والابقاء على المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية كـ"السبلة" و"الفلج" و"الفنون الشعبية" والاهتمام بالتراث العلمي والمعماري الضخم الذي ورثه المجتمع العماني.
من كل هذه الجزئيات وغيرها تشكلت الصورة التي تمزج الأصالة بالمعاصرة وتحولها من شعار الى تطبيق، وهي الصورة التي نحترمها ويحترمها العالم اليوم، إلى جانب أن التحديث يفرض نفسه تلقائياً ولا سبيل الى إغلاق المجتمعات ولكن علينا ألا نسمح لهذا التحديث بإحداث الفوضى وتدمير القيم لأن ذلك أيضاً سيحدث ردات فعل متطرفة في المقابل.
ومما ساعد المجتمع العماني على تبني هذا المنهج الى جانب الرؤية السياسية الواضحة أن المجتمع بطبيعته معتدل ومتسامح ومنفتح تاريخياً على المجتمعات الأخرى.
هذه الحالة المتوازنة هي التي ستصنع الاطمئنان أمام حالة الانفتاح القادمة، واعتقد أن التحدي القادم فيما يتعلق بهذه الناحية هو في الحفاظ على هذا التوازن والاستمرار على هذا المنهج الذي كان النجاح فيه باهراً.
علينا أن نتذكر أن ضغوط العولمة تتطلب منا مزيداً من الانتباه والحرص على بقاء التوازن. كما يقوم المركز حالياً بالتعاون والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة بوضع مقرر شامل للثقافة الاسلامية سيتم تدريسه في المرحلة الجامعية وهو يمثل الرؤية المثالية في الثقافة والتي تعتبر انعكاساً لمختلف التجارب الناضجة في المجالات التربوية والتعليمية.

ويمثل الاعلام الديني وجهاً من وجوه الصحافة الثقافية التي تتناول الأمور الثقافية والعمل على تقديم الحلول الاسلامية لمختلف القضايا الاجتماعية التي تبرز في حياة الناس، فهو اعلام رسالي ذو رسالة دينية تعمل على ربط المسلم بتراثه الخالد الزاخر بالقيم النبيلة والمثل العليا والأخلاق الفاضلة التي تكفل الحياة الكريمة المعافاة لكل من يتمثلها أو يتعامل على وفقها.
ومن ثم يقدم نموذجاً صالحا وطوق نجاة لهذه الانسانية الحائرة التي ضلت طريقها في عالم يموج بالتيارات الثقافية المتلاطمة التي لم تقدم للبشرية غير الشقاء والمعاناة والهلاك.
والملاحظ أن وحدة التصور العقائدي بين القيادة والمجتمع كان لها أثرها الكبير في تمتين العلاقة بين الطرفين، فالقيادة العمانية لا تعتبر منجزاتها على أساس الجهد البشري فحسب بل هي توفيق من الله، وهذه صفة من صفات الايمان وصفة من صفات التواضع التي عرف بها العمانيون قديماً وحديثاً.
وهنا يتم التمازج الخلاق بين أطراف العملية النهضوية العمانية بوحدة العقيدة ووحدة السلوك، والانطلاق من تلك العقيدة وذلك السلوك في مسيرة رصينة مدروسة الخطوات بدقة.
ويظهر لقارئ كلمات السلطان قابوس أن القيادة العمانية قد جسدت تلك المتبنيات عقيدة وقناعة وسلوك حين يقول "اننا شعب مسلم يعتز باسلامه وايمانه، ولذا نضع ديننا فوق كل اعتبار ونستلهم من رسالة المسجد ما ينير طريق حياتنا ويضيء درب تقدمنا. ان الشؤون الاسلامية هي النبراس الوضاء الذي نحرص كل الحرص ان تشرق انواره في جوانب انفسنا".
ويضيف قائلا "وعلينا في كل وقت ان نستمد من ديننا الحنيف وتراثنا العظيم وقيمنا العمانية الاصيلة ما ينير لنا الطريق ويقوي من عزائمنا لنؤدي واجبنا نحو بلدنا وامتنا والانسانية جمعاء". د. حسين شحادة- مسقط