مأزق قانون التظاهر

الناظر إلى مصر يشعر أنها تعوم في بحور من التوترات. فكل يوم تقريبا لا تخلو الشوارع والميادين الرئيسية في القاهرة وغيرها من المحافظات، من مظاهرات واحتجاجات تنطوي على أعمال عنف أحيانا، مؤيدة للإخوان أو معارضة لهم، مطالبة بعودة مرسي أو تنشد السيسي رئيسا، محتجة على أعمال الإرهاب أو محتفلة بذكرى حادث أليم أو أولتراس يعترض على اعتقال عدد من أعضائه.. وهكذا، حتى بدا لكثير من المتابعين أن مصر تصحو وتنام، تأكل وتشرب وتتنفس مظاهرات، وأن هذا البلد العجيب استطاع أن يتعايش معها لما يقرب من ثلاثة أعوام متصلة، كأنها جزء من حياته اليومية. لكن في الآونة الأخيرة بدأت هذه العادة تتسبب في كثير من المتاعب للسلطات الرسمية، ما دفعها للتفكير في ضرورة سن قانون جديد ينظم المظاهرات، التي انفلت عقالها وأصبح من الصعوبة ضبطها.

الحكومة الحالية، التي يرأسها الدكتور حازم الببلاوي، لم تضيع وقتا كبيرا في التفكير، ونجحت في وقت قياسي في طرح مشروع قانون "تنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية في المواكب العامة". ومنذ أن أعلنت بنود هذا المشروع وكأن طوفانا سياسيا انفجر في سماء القاهرة، وتبارت جميع القوى في رفضه، كلية أو جزئيا، من بينها قوى لعبت دورا مهما في ثورة 30 يونيو – حزيران، وأخرى محسوبة أو قريبة من جهات رسمية، فضلا عن غالبية المنظمات الحقوقية. وبالطبع أضف إلى هؤلاء وهؤلاء جماعة الإخوان المسلمين، التي سبق أن أعدت قانونا مماثلا وأخفقت في تمريره إبان الرئيس المعزول محمد مرسي. وقد اختلط الحابل بالنابل في التقديرات. وتراوحت المواقف بين رفض كلي لفكرة المشروع، وتحفظات على عدد من بنوده التي رأى البعض أنها تمس جوهر حقوق الإنسان. وهناك من اعتبره إشارة أو بشارة لعودة الدولة البوليسية، لأنه منح رجل الشرطة صلاحيات كبيرة في إلغاء أي مظاهرة، حتى لو حصلت على إذن مسبق، كما أعطى الأمن فرصة استخدام الأدوات المختلفة وبصورة متدرجة لفض المظاهرة. ناهيك عن الكلام المتواتر حول اصداره لقصقصة أجنحة أولتراس أهلاوي وزملكاوي في الشارع، وقطع أذرع وأيادي الإخوان في الشوارع والجامعات، والحد من التوسع في تجمعات بعض اليساريين الرافضين لأي دور للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية.

الواقع أن الحكومة عندما طرحت مشروعها واجهت مأزقا شديدا، حيث لم تتوقع أن يقابل بكل هذا الرفض، الذي وصل إلى درجة حدوث خلاف بين عدد من أعضائها حول بعض بنوده، وسمعنا عن مشادات ومناوشات بهذا الشأن، أكثرها شيوعا ما جرى بين وزير الداخلية محمد إبراهيم ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية الدكتور زياد بهاء الدين. وفي النهاية وجدت الحكومة نفسها في موقف لا تحسد عليه. فمشروع القانون الذي أرسلته إلى رئيس الجمهورية المؤقت المستشار عدلي منصور لم يتوافر له إجماع شعبي مناسب يهيئ الأجواء المناسبة لتطبيقه، والمظاهرات تزداد يوما بعد آخر، ووصلت إلى حد أنها أضحت عبئا على كاهل الحكومة، وجعلتها كأن يدها مشلولة أو مغلولة في التعامل مع الخارجين عن القوانين. لذلك اهتدت السلطات الحاكمة إلى منح مشروع القانون المزيد من التفكير، واستمرار الحذر والتريث قبل إقراره، وتردد أن الرئيس المؤقت سيدخل عليه تعديلات يمكن أن تحقق درجة عالية من التوافق السياسي.

الظاهر حتى الآن أن المشكلة في القانون ذاته، وليس في بنوده ومحتوياته، والخلاف حول نقطة هنا أو هناك، وما يسببه صدوره وعدم صدوره من احراج لأطراف عدة. فالصدور يعني أن الحكومة متماسكة وقادرة على ضبط الأمور، وحققت نجاحات، وتريد أن تستكملها بمنع الانفلات الذي يحدث في بعض الأحيان، من جراء المظاهرات التي تتحول إلى عنف وإرهاب على أيدي أنصار الإخوان. كما أن الجماعة تستثمر عدم وجود قانون للمظاهرات في إشاعة الفوضى، وشل حركة المرور في الشوارع، ومحاولة تحويل حياة المواطنين إلى حجيم، يدفعهم إلى صب اللعنات على الحكومة، وبالتالي إصابتها بارتباكات جديدة تلهيها عن الوفاء باستحقاقات خريطة الطريق. ويريد الدكتور الببلاوي قطع الطريق على هذه الأفكار من خلال هذا المشروع، الذي كان من الواضح أنه منح رجال الأمن صلاحيات واسعة، بغرض حمايتهم من التعرض للمحاكمات من قبل منظمات حقوق الإنسان، كاعتراف بتضحياتهم خلال الفترة الماضية، واعادة اعتبار لدورهم في جلب الأمن والاستقرار، والحفاظ على مؤسسات الدولة وابعادها عن الاستهداف. لكن البعض فهم ذلك على أنه مقدمة لتصفية الحسابات مع بعض القوى السياسية، وتمهيد لمنع المظاهرات نهائيا، بعد تكبيلها بسلسلة من القيود. وبين ثنايا الجدل المشتعل في مصر تبرز نقطتان غاية في الخطورة.

الأولى، أن مراجعة مشروع القانون، ثم صدوره بطريقة متوازنة ترفع الممانعات والحواجز الصلفة من طريقه، يضع الحكومة أمام اختبار قوى بشأن قدرتها على تطبيقه، خاصة أن فرص تحديه واردة، والضرب ببنوده عرض الحائط متوقع، فإذا فشلت في تطبيقه، يعني أن الحكومة تحولت من مرتعشة إلى عاجزة. وتتعزز هذه الرؤية في ظل وجود قانون الطوارئ الذي لم تستخدمه الحكومة في حالات كثيرة، أبسطها أن هذا القانون منحها سلطة إلقاء القبض على المتظاهرين في أي لحظة، ومع ذلك منعتها القيود السياسية من توظيفه، خشية حدوث المزيد من الاشتعال، الذي تسعى إليه جماعة الإخوان. بمعنى آخر غير مستبعد تكرار المشهد مع قانون حق التظاهر، لأن العبرة ليس في القوانين، بل في اختيار التوقيت المناسب للصدور، وفي امتلاك قدرة وإرادة على التطبيق.

الملاحظة الثانية، تتعلق بوجود هواجس لدى دوائر كثيرة بخصوص سعي جهات رسمية لإطالة أمد المعركة الأمنية مع الإخوان، لتحقيق مصالح سياسية، وتمكين السلطات الأمنية من استعادة بريقها وتكريس دورها الحيوي في منظومة الدولة. فصدور القانون وتطبيقه، سيجلب معه استفزازات جديدة من جانب الإخوان، وتتصاعد حدة المواجهات مع سلطات الأمن، وهو ما تستغله الجماعة للتشهير بالحكومة ومنهجها البوليسي، وتستغله الشرطة في كشف حجم التحديات والمخاطر التي تواجهها وتهدد أفرادها، ما يجلب لها تعاطفا شعبيا كبيرا، ويضاعف حدة الغضب ضد قيادات الإخوان وأنصارهم.

من هنا أدى طرح مشروع قانون التظاهر إلى مأزق عميق لجميع أطرافه. الحكومة لم تتمكن من إصداره بالطريقة التي وافقت عليها في البداية، وإن تمكنت في النهاية ستكون هناك شكوك في التطبيق. وجماعة الإخوان، ينتظرها تضييق الخناق حول حركتها في السياسة، فإما أن تستجيب لمتطلباته وتفقد ورقة جعلت لها صوتا في الشارع، أو تتحداه وتتحمل تكاليف أمنية ومادية مضاعفة. والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني، تريد الحفاظ عن مصالحها الشخصية، وتطالب بقانون على مقاسها في دولة تعاني من مشكلات معقدة. وسوف يظل الدوران في حلقة مفرغة إلى يتم علاج الموقف بطريقة سياسية، قبل رفع الشعارات الأمنية.