مأزق إيران أمام احتمال ضربة اسرائيلية

بقلم: أسعد حيدر

تتصاعد اصوات طبول الحرب بين إيران من جهة والغرب واسرائيل من جهة اخرى، الى درجة انها اذا كانت جدية فمعنى ذلك ان الحرب واقعة اليوم قبل الغد. الاسرائيليون يهددون، وواشنطن تهدئ لكن تذكّر دائما ان يدها على الزناد ولذلك فان كافة الخيارات مفتوحة. التهديد واضح وهو اللجوء الى الخيار العسكري. لا شك ان الملف النووي هو الاساس، خصوصا بعد تقرير الوكالة الدولية للطاقة النووية الاخير الذي حول الشبهات حول توجه إيراني لتصنيع السلاح النووي الى احتمال قائم. الإيرانيون سارعوا الى الرد على التهديد بالتهديد ومن العيار الثقيل. الجنرال سيد يحي صفوي المستشار الاعلى للقائد العام للقوات المسلحة اية الله علي خامنئي قال: "ان إيران قوة اقليمية كبرى، وردنا على بادئي الحرب ضدنا سيكون مدمرا يجعلهم يشعرون بالندم". اما قائد القوة الجوية الفضائية التابعة للحرس الثوري العميد امير على حجي زاده فقد ذهب بعيدا في تهديداته حتى وصل الى درجة التهديد بضرب الدرع الصاروخية للحلف الاطلسي في تركيا مما استدعى تصويبا سياسيا من وزير الخارجية علي اكبر صالحي الذي اكد ان "أفق العلاقات بين بلاده وتركيا مشرقة".

حتى اسابيع قليلة كان ابرز المتابعين للوضع الإيراني ومنهم من هو معارض للنظام، يعتقدون ان الحرب مستحيلة وانه تكفي الحربين المشتعلتين اصلا وهما:

* "حرب الظلام" اي حرب المخابرات على مساحة العالم والتي بعضها معلوم وأكثرها مجهول.

* حرب المعلوماتية او الحرب الالكترونية، والتي كان من ابرز نتائجها الاختراق للاجهزة الالكترونية الإيرانية وادخال الفيروس في البرامج الإيرانية خصوصا النووية منها مما الحق اضرارا بالغة بالبرنامج النووي الإيراني.

لكن هؤلاء المتابعين يأخذون اليوم بالراي القائل ان "الحرب لم تعد مستحيلة لا بل انها اصبحت قائمة، وان العد العكسي للحرب قد بدأ، وانه ما لم تحصل تطورات مفاجئة جدا خصوصا من الجانب الإيراني فانه من الصعب جدا توقف ساعة الرمل".

السؤال الكبير هو كيف ولماذا حصل هذا الانقلاب في الموقف والمواقف؟

يرى المتابعون للوضع ممن يعتقدون بوقوع الحرب، ان "الإسرائيليين مؤمنين بانه يجب توجيه ضربة جوية اليوم وليس غدا الى المشروع النووي الإيراني وان الهدف ليس تدمير كل المنشات النووية لان ذلك غير ممكن دون مشاركة مباشرة من الولايات المتحدة الاميركية التي ما زالت متمنعة "، كما ان الاسرائيليين يعرفون جيدا ان العملية لن تكون اكثر من "جز للحشيش الذي سيعود وينمو". وما يؤكد ذلك ان الحرب البرية مستحيلة لان الاسرائيليين والاميركيين معا يعرفون جيدا ان مثل هذه الحرب تتطلب اكثر من نصف مليون جندي عدا الكلفة المالية الباهظة جدا وغير المتوافرة بعد الحربين في العراق وافغانستان الى جانب استمرار الازمة الاقتصادية العالمية.

اذا لماذا هذا التصميم على هكذا عملية تحمل هذه المخاطرة؟

من بين ابرز الدوافع والاسباب كما يقول المتابعون:

* ان اسرائيل صعدت من حملتها ضد المشروع النووي الإيراني الى درجة جعلت منه خطرا مصيريا ضدها، لان الإيرانيين على قاب قوسين من تصنيع السلاح النووي، ومن المعروف تاريخيا ان جميع الحكومات الاسرائلية شنت حروبا ضد العرب بهذه الحجة رغم انها لم تكن بخطر.

* ان الاوضاع في المنطقة تسمح باستفزاز إيران دون احتمال ردود فعل شاملة. ذلك ان سوريا منشغلة بالمواجهات اليومية الدامية ضد الثورة في الداخل، و"حماس" تعمل على اعادة ترتيب "بيتها" وعلاقاتها مع محيطها خصوصا مصر. اما "حزب الله" فانه مستعد للوقوف الى جانب إيران لكن دون الوصول الى "الانتحار" ونحر الجنوبيين معه. اما التهديد باقفال مضيق هرمز فانه سلاح ذو حدين لا يمكن استخدامه الا في حالة اليأس لان نتيجة الاقفال ستكون توقف إيران اولا عن تصدير نفطها.

* ان الممرات الجوية التي كانت مقفلة لم تعد كذلك. فالانسحاب الاميركي من العراق فتح الاجواء العراقية امام الطيران الاسرائيلي لان الجيش العراقي لا يملك منظومة دفاع جوية، وان سوريا سماؤها مكشوفة وقد اثبتت ذلك عملية تدمير الاسرائليين لما قيل انه مشروع سوري لبناء مفاعل نووي. ايضا يعتقد الاسرائيليون ان دول الخليج مستعدة لغض الطرف عن اي اختراق جوي لاجوائها وقصف اهداف في إيران وذلك بسبب المواقف الإيرانية منها واخرها ما قيل عن محاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن.

* ان الحربين الحرب الناعمة وحرب الظلام قد حققتا اصابات مباشرة في المرمى الإيراني. في الاولى النتيجة معروفة من خلال المواجهات في اكثر من نقطة على الحدود وسقوط العديد من قوات الحرس الثوري، اما في الحرب الثانية فأن خمسة من العلماء الإيرانيين قتلوا وجرح آخرون في وضح النهار من جهة، ومن جهة ثانية فان اختراق البرامج الالكترونية الإيرانية بفيروس ادى الى تعطيل استمر لايام طويلة في مركز بوشهر النووي وغيره من المراكز.

يبقى، وهو الاهم، ان الانفجار الذي وقع على بعد 6 كلم من طهران والذي الحق خسائر فادحة بالجسمين العسكري والعلمي الإيراني شكل جزءا اساسيا ناجحا من الحرب الالكترونية ضد إيران. ذلك ان الانفجار في مركز صناعة الصواريخ لم يكن صدفة، فقد كان سلاح الصواريخ، وبوجود قائد هذا السلاح الجنرال مقدم، يجري تجربة نهائية لتصنيع صاروخ عابر للقارات بوقود صلب. وقد اعترف الجنرال محمد طهراني مقدم، بعد حوالي ثلاثة اسابيع، ان شقيقه الذي قتل خلال التجربة "كان يعمل على صاروخ عابر للقارات تم تصنيعه في مرحلته النهائية".

الاخطر من كل ذلك هي الطريقة التي نفذ بها الانفجار الذي يشبه قوة انفجار نووي صغير كما اظهرته صور الاقمار الاصطناعية. واستنادا الى مصادر مطلعة فأنه جرى قطع التيار الكهربائي عن الدائرة المتضمنة مركز التجارب ومستودعات الصواريخ قبل لحظات من بدء التجربة وفي الوقت ذاته جرى التشويش على كامل اجهزة المعلوماتية في الثكنة التي تبعد حوالي 6 كلم عن طهران، مما يؤشر الى حصول اختراق امني عميق تم من خلاله كشف التاريخ والموعد الدقيقين للتجربة. في جميع الاحوال فأن نجاح العملية بهذه الطريقة يؤكد الى اي مدى اصبحت الحرب الالكترونية متقدمة ومنتجة.

الانفجار وصف في الاوساط الإيرانية بالكارثي رغم محاولة العض على الجراح حتى لا يشمت الاخرون بهذا الفشل الكبير، يكفي لتقدير مدى الكارثة التي وقعت بانه لاول مرة منذ الثورة الغيت الاحتفالات الرسمية لعيد الغدير ولم يلق المرشد السيد علي خامنئي خطابه المعتاد.

المأزق الذي يعيشه النظام الإيراني امام هذه الهجمة هو احتمال الضربة العسكرية الجوية حتى ولو كانت محدودة ان الرد عليها بقوة سيؤدي الى ردود غير محدودة المخاطر، والسكوت عن اي هجوم اسرائيلي يقع سيجعل من إيران "نمر من ورق". في الحالتين الوضع دقيق وخطير.

أسعد حيدر