لِمَ هذه الضجة يا مجلس التعاون الخليجي؟

بقلم: سمير عبيد

يقول الخبر: قال نائب وزير الخارجية الإيراني السيد منوجهر محمدي مايلي: "أن الشرق الأوسط سيبقى مركز التطورات، وأن النزاعات لن تحل، وأن الأزمة التالية يتوقع أن تشمل القسم الأعظم من الخليج، وهي أزمة شرعية الأنظمة الملكية والتقليدية، وأن هذه الأنظمة ليست قادرة على الاستمرار في بقائها".
وقال الجنرال جعفري ما يلي: "نحن قادرون على إغلاق مضيق هرمز متى ما قررنا والى أجل غير محدود.
ورد وزير الخارجية الكويتي الشيخ محمد الصباح ما يلي: "إن المسؤولين الإيرانيين من خلال تصريحهم هذا يلوحون بمعاقبة دول مجلس التعاون، فأن إغلاق مضيق هرمز هو عقاب لدول مجلس التعاون الخليجي".
ورد معه الأمين العام لمحبس التعاون الخليحي عبد الرحمن بن حمد العطية بما يلي: "نطلب من إيران توضيحا فوريا على تصريحات لمساعد وزير الخارجية الإيراني قال فيها أن الشرق الأوسط سيبقى مركزا للأزمات طالما ظلت الأنظمة الملكية قائمة في الخليج".
* * *
بعيدا عن التشنح والتكابر، وبعيدا عن العزّة بالإثم، ومزيدا من الهدوء كي نتحاجج بلا ضغائن وأحكام واتهامات مسبقة لبعضنا البعض، وبعيدا عن لغة التجريح والاتهام، دعونا نسأل ونجيب كي تتوضح الصورة للقارئ والمتابع، ومن يريد أن يُغالي ويقفز على الحقائق فهذا شأنه. وهناك من يبدو جاهلا في تفاصيل "ملف الشرق الأوسط" وما يحيط به، أو هو شوفيني يغالي بعرقه وجغرافيته، أو لعله منتميا إلى "لوبيات" من مصلحتها تدمير الدول والأنظمة التي تقف بوجه المخطط الصهيوأميركي.
أين تقع إيران؟
وأين تقع الولايات المتحدة؟
وأين تقع الدول الخليجية العربية؟
الجواب عن هذه الأسئلة هو: إيران تقع في منطقة الشرق الأوسط، وتتشاطىء مع دول الخليج العربية، وهناك وشائج بين إيران وتلك الدول تمتد إلى مئات السنين، بل أن أكثر من نصف سكان الدول الخليجية هم من أصول إيرانية "فارسية"، وهذا يعني أن هناك وشائج وعلاقة دم ونسب وتصاهر، وهناك تلاقح ثقافي وجغرافي، فحتى الطير الذي يتغذى على شواطئ بندر عباس الإيرانية يعود ليلا إلى سلطنة عمان، والطير الذي يتغذى على شواطئ الأمارات العربية يعود ليلا إلى إيران وهكذا، وهذا يعني أن من يحاول التصعيد والاعتماد على الغرباء، وعلى القادمين من وراء البحار والمحيطات ويتمترس بهم ضد جيرانه وأشقائه، فهو قطعا يمثل الفريق الذي نوى وينوي على الشر ولا يريد الاستقرار للمنطقة، وأن من قام بذلك هي الدول الخليجية وليس إيران، تلك الدول التي تحولت إلى "ست بقرات سِمان" مهمتهن إعطاء الحليب الأسود والأخضر (النفط والدولار) إلى الولايات المتحدة والغرب، كي تقوم يقتل وتشريد وسلب العرب والمسلمين، وسلب الهدوء والسكينة والسلام من مجتمعاتهم وعائلاتهم ــ وأعتقد أني لستُ كاذبا لحد الآن.
والشطر الثاني من جواب الأسئلة أعلاه فهو: أما الولايات المتحدة والدول التي جاءت معها نحو منطقة الخليج والشرق الأوسط وضمن أجندة مشتركة، فهي ضيف بل ضيوف غير مرغوب بهم، ويتحمل المسؤولية الكاملة عن وجودهم من وجه الدعوة لهم من وراء ظهر الأمة والمنطقة، و لأنهم ضيوف شر وليسو ضيوف خير، أي لا ينطبق عليهم مبدأ الضيافة والإستضياف بحكم أنهم قطاع طرق وقراصنة وأشرار وسراق، ويؤمنون بمبدأ تعميم الموت على أقل اختلاف، ومبدأ التخريب والقتل على الظن، وذلك ضمن إستراتيجية المحافظين الجُدد: "الحروب الإستباقية".
وهذا كله يعني أن الولايات المتحدة عبارة عن شرير وقاتل محترف، ويحمل حزاما ناسفا، والغريب أنه يتجول بحرية في منطقة وجغرافية لا تعرفه وترفضه، ويتجول وهو بكل هذا الإجرام والخطر في مجلس ليس مجلسه، وفي بيت ليس بيته، وفي منطقة ليست منطقته.
لذا، فأن من يساند هذا الشرير، فهو شرير مثله، وأن من يدافع عن هذا القاتل فهو قاتل مثله، بل يشترك معه في الجرائم.
والسؤال هو: كيف وصلت الولايات المتحدة إلى المنطقة، وأصبحت الآمر الناهي فيها؟
الجواب: ألم تصل الولايات المتحدة على مراحل، وكلها بدعم منقطع النظير من الدول الخليجية؟
فمن هو الذي ورط الرئيس صدام حسين في الحرب ضد إيران، وفتح الخزائن له ولثمان سنوات وبأمر أميركي.. ألم تكن الدول الخليجية نفسها؟
ومن قال لصدام حسين وبرسالة متلفزة "يا أبو عدي لا أستطيع النوم وتناول الطعام، حتى أراك باسما على الشاشة فأعرف أنكم منتصرون؟
ألم يكن هو أمير دولة الكويت الراحل جابر الصباح؟
ومن يريد تكذيبي عليه العودة إلى أرشيف التلفزيون الكويتي أبان الحرب العراقية الإيرانية، وتحديدا في عام 1986.
ومن طوق صدام حسين وأضعفه بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية 1980 ـ 1988 وأعطاه الضوء الأخضر بدخول الكويت، ألم تكن بعض الأنظمة الخليجية والعربية وأميركا؟
فهل نسيتم عندما أستدعى صدام حسين السفيرة الأميركية في بغداد قبيل الحرب على الكويت طالبا منها توضيحا للموقف الأميركي فيما لو قرر الحرب على الكويت، وعندما أعطته الضوء الأخضر، عندما قالت "سيادة الرئيس إن موقف بلدي واضح، وهو عدم التدخل، وأن هذا الأمر شأن داخلي بينكم وبين الكويت" أي فهمها صدام حسين بأنها الضوء الأخضر... وكانت هي كذلك.
وسارعت المملكة السعودية لطلب المساعدة العسكرية من الولايات المتحدة بحجة الخطر العراقي القادم نحوها وبدون مبّرر، علما لم يكن في خلد صدام حسين غزو السعودية، وأن الصور التي عُرضت على الملك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز كانت مفبركة، بأن هناك دبابات عراقية في طريقها نحو السعودية. وكانت الفبركة بعلم نائب الرئيس الحالي ووزير الدفاع في تلك الحقبة ديك تشيني وكذلك بعلم السفير السعودي السابق في الولايات المتحدة الأمير بندر بن سلطان.
وكان صدام حسين قادرا على قلب الطاولة أثناء قدوم القطعات الأميركية من الجو والبحر. وكان قادر على تغيير قواعد اللعبة، ولكن هناك ضمانات أعطيت له بأن لا حرب ضد العراق، وأن هذه القوات قادمة لتعزيز أصدقاء واشنطن والعراق من ضمنهم، وهو إجراء إستراتيجي أميركي وليس عسكري، وبلع الرئيس صدام الطعم مثلما يقولون، وبتعهد سوفيتي من الرئيس ميخائيل غورباتشوف، ولهذا فعندما ضربت العاصمة بغداد كان أول رد من صدام حسين وفي خطاب معروف هي عبارة "لقد غدر الغادرون".
ولقد كانت لعبة وبمشاركة فعالة من دول الخليج، وبدليل انه عندما تُرك مجالا كبيرا جغرافيا وعسكريا ولوجستيا من أجل خروج العائلة الكويتية الحاكمة وجميع الشخصيات النافذة والمهمة وبأوامر أميركية، وكانت لعبة دولية كبرى، ونسقت الولايات المتحدة مع بعض الأنظمة العربية والخليجية حولها.
وعندما سعت بعض الأطراف وأرادت حل المعضلة وبعد أن أخذت التعهد من صدام حسين بالانسحاب من الكويت، ووصلت الأمور إلى الحلول التوافقية، فوافق صدام على الانسحاب، ولكن رفضت بعض الأنظمة الخليجية ومعها بعض الأنظمة العربية وبأوامر أميركية، وكان الهدف تدمير القوة العسكرية والبنيّة التحتية للعراق. ولقد حصل ذلك في حرب الخليج الثانية عام 1991 وعندما اشتركت الأنظمة الخليجية وبعض الأنظمة العربية في تدمير العراق والجيش العراقي المنسحب بحجة إخراجه من الكويت، بدليل انه ما علاقة وصولهم إلى مدينة الناصرية والاستيلاء على قاعدة الأمام علي هناك، وتوزيع السلاح على الناس بقضية ما يسمى بتحرير الكويت، والتي أيضا جيّروا الانفلات والتخريب الذي حصل أثناء الانتفاضة بذقن إيران، وكانت القضية واضحة وبلعبة خليجية بأن الشيعة في العراق هم إيرانيون، وبلع الطعم مرة أخرى أي صدام حسين وشرع بمعاقبة شيعة العراق بطريقة بربرية وهمجيّة.
فلقد شاهد كاتب المقال بعينه أعدادا من المدنيين قد دقت مجموعات من الحرس الجمهوري المسامير في أكف الأيادي على الجدران وبقيت الجثث معلقة لأيام، ناهيك عن صواريخ أرض ـ أرض والتي كانت تسقط على الأحياء الآهلة بالسكان.
وبالمناسبة فأن ايران لم تشترك في تلك التحالفات ضد العراق، وعلى الرغم من أنها كانت على عداء وخصام مع نظام صدام حسين، بل أدانت قرار رفض المساعي السلمية، وأدانت قرار الحرب ضد العراق مثلما أدانت عملية دخول الكويت.
وعندما تقرر تفعيل الحصار الظالم ضد الشعب العراقي بُعيد انتهاء الحرب عام 1991، تفانت الأنظمة الخليجية في عملية تطبيقه بصرامة وشراسة، وكان الحصار ضد الشعب العراقي وليس ضد النظام الحاكم، بدليل أن بعض الأنظمة الخليجية كانت تتعامل سرا مع عائلة النظام والنافذين فيه وبمليارات الدولارات وعبر التجارة السرية وتهريب النفط والتمور والجلود والثروة الحيوانية سرا. ولهذا استقوى النظام وضعف الشعب وتدمر، بحيث قتل الحصار من الشعب العراقي وبإحصائية رسمية مليون ونصف مليون عراقي بريء وجلّهم من الأطفال، وكان الهدف إنهاء أجيال كاملة (قطع نسل) وكله بدعم وإصرار خليجي، ومعه إصرار من بعض الأنظمة العربية علما أن الأنظمة الأفريقية كانت شجاعة عندما كسرت الحظر المفروض على الشعب الليبي، ورفضت كثير من الدول الأفريقية الالتزام بالحظر ضد الشعب الليبي ولكن الأنظمة الخليجية والعربية بالغت بتنفيذ الحصار والظلم ضد الشعب العراقي.
أما عندما ساقت الإدارة الأميركية حلقات من مسلسل الكذب ضد النظام العراقي ولأجل التعجيل بالحرب والعدوان ضد العراق، فكانت الدول الخليجية مساندة لها سياسيا وإعلاميا وماليا وعسكريا. وعندما تقررت الحرب والعدوان في 20 مارس/آذار 2003 فشاهد العالم من أقصاه إلى أقصاه بأن الصواريخ والطائرات والبارجات كانت تنطلق وتطلق صوارخها وحممها من أراضي الدول الخليجية لتدمر العراق على طريقة هولاكو، ولا زالت الطائرات والسفن والبارجات التي تدمر بالعراق والعراقيين في الأراضي والمياه الخليجية.
فالحروب على العراق، والاستعمار الأميركي ما كان له أن ينجح لولا الوقفة الخليجية مع الأميركيين والغرب، فبأموال وخزائن الأشقاء العرب في الخليح تم تدمير العراق وتشريد العراقيين ولا زالت ماكينة القتل مستمرة.
وبنفس الوقت لم تشترك إيران في تنفيذ الحصار والحرب والعدوان على العراق عام 2003، بل أدانت الحرب ورفضتها، وحتى أن التقارير التي قالت بأن هناك مساعدة إيرانية قد أعطيت للأميركيين في حربهم على العراق، فيما لو أخذنا تصريحات نائب الرئيس الإيراني السابق محمد علي أبطحي عام 2004 في أبو ظبي وعندما كان حاضرا في مؤتمر "الإستراتيجيات" فهي لا تساوي 1% من المساعدات التي قدمتها ولا زالت تقدمها الدول الخليجية للولايات المتحدة وللدول الغربية في العراق وضد العراق. فلو لم يكن الدعم اللوجستي والعسكري والمالي والإستخباري الخليجي متوفرا لخسر الأميركيون المعركة في نهاية عام 2003 وهربوا من العراق.
هناك أنظمة خليجية معروفة هي التي دعمت البرامج الطائفية والتقسيمية في العراق ولحسابات مرضية. وهي التي دعمت الخلايا والعصابات التي كانت مهمتها ملاحقة وقتل العلماء والتدريسيين العراقيين. فحسب تقرير وزارة الخارجية الأميركية الأخير، فلقد قتل 350 عالما عراقي، وقتل معهم 300 أستاذا جامعيا من الاختصاصات النادرة بكواتم الموساد الإسرائيلي، وبدعم من القوات الأميركية المحتلة وبعض المسؤولين العراقيين. وهؤلاء المسؤولين العراقيين لديهم علاقات متميزة مع بعض الأنظمة الخليجية، ناهيك عن مسلسل اغتيال الضباط الكبار والطيارين والمهندسين. وكانت الأبواق العراقية والعربية تتهم إيران بأنها هي التي قتلت العلماء والأساتذة العراقيين، ولكن ها هي أميركا تعترف اليوم بأن الموساد الإسرائيلي هو الذي قتل هؤلاء من أصل 1000 أسم موجود لديهم، وكانت بمساعدة القوات الأميركية المحتلة وبعض المسؤولين العراقيين.
وحتى عندما بدأ المسلسل الطائفي، فلقد أغلقت الدول الخليجية أبوابها وحدودها وموانئها ومطاردتها بوجه العراقيين، بل سارعت بعض الدول الخليجية لإنهاء عقود العراقيين العاملين في المؤسسات الخليجية ودون أسباب مقنعة، وكأن العراقيين هم أسلحة الدمار الشامل وليس السلاح الكذبة الذي لم يجدوه، والذي من أجله تدمر العراق ونهبت ثرواته ودخل في مرحلة الاستعمار الجديد.
سوريا والتآمر الخليجي

لقد بادرت الشقيقة سوريا لقبول مليوني ونصف المليون عراقي. والأردن مجبرة لقبول حوالي 300 ألف عراقي ولحسابات خاصة بها، ومصر التي قبلت 150 ألف عراقي على مضض. فلو نظرنا إلى سوريا ألم يصرخ الإعلام الخليجي والعربي بأنها حليفة إلى إيران، وأنها توأم مع إيران، ولكن ها هي قبلت كل ذلك العدد من العراقيين على الرغم من اقتصادها الضعيف وإمكانياتها المحدودة، وعلى الرغم من الاتهامات التي يكيلها بعض المسؤولين العراقيين لها ومساندة للمسؤولين العسكريين والسياسيين الأميركيين. ولكن سوريا لم تعط دولارا واحد من خزائنها إلى أميركا وبريطانيا والغرب كي يقتلوا العراقيين، بل خلصتهم من كواتم الموت الممولة خليجيا بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وفتحت البيوت والمدارس والمعامل للعراقيين، على الرغم من وجود بعض المندسين والأشرار بينهم.
وها هي الأنظمة الخليحية تتآمر على سوريا من أجل إسقاط النظام فيها وبأوامر أميركية ويحركها في هذا، الحسد والحنق على الثبات السوري والحكمة السورية التي أجبرت الرئيس الفرنسي أن يترجل من قصره وصهوة جواده لينزل في دمشق بعد عشرين يوما أو أكثر.
لبنان والشر الخليجي
ومن هناك تدخلت بعض الأنظمة العربية والخليجية فعقدت المشكلة اللبنانية وبأوامر أميركية أيضا، فوسعت الخلافات بين الفرقاء اللبنانيين وأدخلت القضية اللبنانية في متاهات وعقد لم تكن موجودة، والهدف هو التخريب بأوامر أميركية، والتمويل إلى كل ما هو مفتت في الدول التي فيها أصوات حرة.

دول الخليج وتحركاتها ضد إيران

ومن الجانب الآخر تدعم دول الخليج الولايات المتحدة ضد إيران، ومن خلال صفقات الأسلحة التي أبرمتها مع شركات السلاح الأميركية والبريطانية والغربية، والتي كلها تصب في دعم إدارة الرئيس بوش وتقويتها ضد العراق وسوريا وإيران. فصفقات السلاح التي أبرمتها الدول الخليجية وكانت بمئات المليارات من الدولارات كانت بحجة إيران، ومعها المعاهدات لتأمين السماء والبحر والأرض من قبل أميركا وفرنسا وبريطانيا وغيرها والتي كانت هي الأخرى بعشرات المليارات من الدولارات هذا كله جاء بلعبة أن إيران تريد أن تبتلع الخليج، وهي كذبة وفرية غايتها أن تقوم الولايات المتحدة بإجبار الأنظمة الخليجية على شراء الأسلحة، وإبرام العقود والمعاهدات مع الولايات المتحدة ومع الدول المتحالفة مع واشنطن وهذا ما حصل.
أن العداء بين واشنطن وطهران لا له علاقة بالقول أن إيران تهدد الخليج، أو ان لديها نوايا توسعية، أو أن لديها إستراتيجية ما في دول الخليج. بل الأمر غير ذلك، لأن إيران هي التي تقف بوجه المخطط الأميركي "الشرق الأوسط الكبير" والذي تريده أميركا مفتوحا لها من الحدود الهندية الصينية حتى الحدود الروسية القوقازية وصولا لتركيا والى الشواطئ اللبنانية. وأن من يعيق هذا المخطط الخطير هي إيران وسوريا فقط.
هذا هو جوهر الصراع مع طهران ونيابة عن إسرائيل. وبالتالي فأن الدول الخليجية مصدر المشكلة، وممول الأحلام الإسرائيلية، لأن واشنطن تعمل لمصلحة تحقيق الشرق الأوسط الكبير وهذا يعني "إسرائيل الكبرى". ولم يكذب نائب وزير الخارجية الإيرانية منوجهر محمدي عندما قال وفي كلمة ألقاها في مراسم اختتام الملتقى العاشر لأساتذة الجامعات في مشهد: "أن الشرق الأوسط سيبقى مركز التطورات، وأن النزاعات لن تحل، وأن الأزمة التالية يتوقع أن تشمل القسم الأعظم من الخليج، وهي أزمة شرعية الأنظمة الملكية والتقليدية، وأن هذه الأنظمة ليست قادرة على الاستمرار في بقائها".
فأين الخطأ والكذب في كلام المسؤول الإيراني؟
فالرجل قال ربع الحقيقة، لأن الحقيقة أخطر وأشمل من ذلك.
لذا نعجب من المراجل العربية التي نزلت بقدرة قادر على وزير الخارجية الكويتي الشيخ محمد الصباح، وعلى الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي السيد عبد الرحمن بن حمد العطية، فان كانوا هم كذلك، فنتمنى أن يفتحوا حدودهم ودولهم لـ 700 عالم وتدريسي عراقي لا زال يطاردهم الموساد الإسرائيلي بعد أن قتل منهم 350 عالما و300 أستاذا جامعيا حسب التقرير الأميركي الصادر من وزارة الخارجية الأميركية. الم يكن هؤلاء أشقاء لهم.
ولكن هذه الصيحات وهذا الصراخ معروف مقصده، وهو ليسمعوا أصواتهم إلى خالتهم كوندليزا رايس بأن إيران تريد ابتلاعهم، ولا ندري هل هم بجاحة إلى صفقات جديدة لشراء السلاح. فالسلاح يريد رجال أشداء، فهل لدى شيوخ الخليج رجال لهذه الأسلحة؟
أنا، على المستوى الشخصي، أشكك في ذلك.
فلو أحصينا السلاح المستورد من قبل الدول الخليجية، ولعشرين عاما مضت، لكان يجب ان يكون على باب كل بيت خليجي دبابة و5 مدافع وألف رشاش، ووجدنا في كل شارع خليجي طائرة حربية ومروحية 10 دبابات. والسؤال لمن ولماذا؟
فبمجرد تصريح بسيط من مسؤول إيراني هاجت الأمعاء وحصل الاضطراب في البطون الخليجية.
فلماذا لا نتوقع أن هذا التصريح يدخل في الحرب النفسية والتحذيرية لدول الخليج، أي هو تصريح نافع كي لا يتورطوا في اللعب الأميركية وكفاهم تدمير العراق والعراقيين، ومحاولتهم في تخريب لبنان وسوريا.
فلماذا تاخذ الأنظمة الخليجية وعلى الدوام التصريحات الإيرانية على محمل الشر والتوسع؟
فأين الخلل؟
هل هو الخوف من فقدان الحكم والكراسي، أم هو الخوف من الشعوب التي تبحث عن دعم ومتنفس؟
وكذلك لماذا لا نتوقع بأن تصريح المسؤول الإيراني يدخل في حرب الاستنزاف أي تفريغ الخزائن الخليجية لأنه يعرف بأن الأنظمة الخليجية لا تكتفي بما أشترته من سلاح وعتاد، ولن تقتنع بالصفقات والمعاهدات وتريد المزيد، فلما لا نتوقع بأن هذا التصريح يدخل في خانة الاستنزاف ليس إلا؟
ولنعود إلى وزير الخارجية الكويتي الشيخ محمد الصباح، والى الأمين العام السيد العطية، وبودي أن أضع أمامهما مصحفا وأطلب منهما أن يقسما على ما يلي:
1ـــ نقسم بالمصحف الشريف وباسم الله تعالى بأننا أسرة موحدة (الدول الخليجية) وبأننا نحب بعضنا البعض كأنظمة، ولم نتجسس على بعضنا البعض، وأننا وصلنا إلى التكامل الخليجي الموحد وبنسبة 80% وأصبحنا جسدا واحدا وبكل شيء، وأن ما يحدث على مسقط ـ لا سمح الله ـ فهو يحدث على الرياض والمنامة والكويت وأبو ظبي والدوحة، ولن نقصر ثانية واحدة اتجاه العمانيين.
2- ونقسم بالله العظيم وبالمصحف الشريف بأن أنظمتنا لم تتآمر في الخفاء ضد بعضنا البعض، وضد إيران وسوريا والعراق ولبنان؟
3- ونقسم بالله العظيم وبالمصحف الشريف بأن أنظمتنا ليس لديها علاقات سرية مع الإيرانيين، وبدون علم الأنظمة الخليجية الأخرى؟
4- نقسم بالله العظيم وبالمصحف الشريف بأننا لن نتمنى أن تطلق رصاصة واحدة على إيران ونتمنى الاستقرار إلى إيران؟
5- ونقسم بالله العظيم وبالمصحف الشريف بأننا ليست لنا علاقات تجارية واقتصادية وإستخبارية وعسكرية وثقافية مع إسرائيل، وأن مطاراتنا لم تستقبل إسرائيليا واحدا؟
أتحداهما أن يقسما، وأن قسما فهما يكذبان، لأن هناك تجسس عال المستوى بين الأنظمة الخليجية نفسها، وهناك توجس وخوف وأحقاد فيما بينها، وهناك علاقات سرية وعلنية بين الأنظمة الخليجية وإسرائيل، وهناك بعض الأنظمة تنسق سرا مع إيران ودون أن تعلم شقيقاتها، بدليل أن مجلس التعاون الخليجي ما هو إلا توأم مع مجلس الجامعة العربية أي مجرد واجهات تحتوي على وظائف إلى بعض الناس كي يعيشوا تحت لعبة البيروقراطية والمحسوبية، ولن يقدم المجلس ولا حتى الجامعة العربية شيئا أو نصرا، والسبب لأن هناك غياب بل موت إلى عنصر التلاقي والثقة والمحبة.
لهذا فالأنظمة العربية وبنسبة 95% منها وبضمنها الأنظمة الخليجية مجتمعة ما هي إلا أنظمة "بوسطجية" فهم يفتحون الرسائل القادمة من الإدارة الأميركية، وينفذون التوصيات، وأحيانا ينفذون ما يمليه عليهم السفراء الأميركيون في دولهم، فهم يمثلون دور المندوب السامي في تلك الدول، وطهران تعرف ذلك تماما.
فعندما تقول أميركا إلى 95% من الأنظمة العربية وبضمنها الأنظمة الخليجية أقبلوا التقسيم، وأغلقوا الحدود، وأمسكوا فلان، واستضيفوا فلان، ولاحقوا فلان، وروجوا لفلان، وادعموا فلان ليكون رئيسا للحكومة أو وزيرا في المكان الفلاني، فالجواب دوما "نعم سيد" ودون أي تعقيب، أي تحت مبدأ "نفذ ولا تناقش"، وأن ناقشت فمصيرك الزوال.
لهذا نكرر بأن المسؤول الإيراني لم يكذب ولم يتجاوز.. بل قال ربع الحقيقة المرة.
وهذه هي الحقيقة.
وكفى تكابرا ورياء ومراوغة.

سمير عبيد، كاتب ومحلل السياسي، مركز الشرق للبحوث والدراسات ـ أوروبا