لِمَ لا يمتد الخط المستقيم من دمشق وبغداد نحو الرياض؟

بقلم: سمير عبيد

دعونا نتكلم بصراحة متناهية، وكفى مجاملة ومداهنة، وكفى حرصا على سياسة وضع الرؤوس في الرمال، فالعراق بلد عربي وبامتياز، وسيكون ضعيفا وغريبا ويتيما عندما يبتعد عن عائلته العربية، ولقد ثبت ما ذهبنا إليه سابقا، عندما أكدنا لبعض السياسيين والمُنظرين العراقيين الذي ركبوا موجة الطائفية والغلو المذهبي والفكري، ونظّروا لمشروع إبعاد العراق عن محيطه العربي، وعندما طرحوا خططا وخرائط وتقسيمات وسيناريوهات الغاية منها سلخ العراق، وإعطائه هوية لا تمت للواقع والتاريخ بصلة، ومحاولة التحكّم باتجاه سيره نحو محطات حلموا بإيصال العراق نحوها ليحصلوا على ملك الري الموعود، وعندما ظنوا بأنهم أكملوا عملية الهيمنة و الاستيلاء على المركب العراقي وبوصلته، ولكنهم تفاجئوا عندما وجدوا أن خرائط السير باللغة العربية التي لا يجيدونها!
وفي آخر المطاف فشلوا،وفشلت أحلامهم وسيناريوهاتهم لأنها ضد العقل والتاريخ والمنطق، وهذا ما أكدناه لهم ولغيرهم وطيلة الفترة التي تلت إسقاط النظام في العراق، لذا هي فرصة للمراجعة بالنسبة لهؤلاء الذي آلموا العراق والعراقيين بأن يبادروا للاعتراف بالأخطاء، والعمل على تضميد جراح ضحاياهم من العراقيين!
فالخطوط المستقيمة هي الخطوط الأمينة، لأنها تخلو من المنعطفات والمخاطر، ولهذا نجح الخط المستقيم بين دمشق وبغداد، وبيسر وسلاسة وتوج باللقاء التاريخي بين العاصمتين، فربما سيقول قائل "ولكن الخطوط المستقيمة لن تلتقي!" نجيب السائل "ولكنها تُجسّر بسهولة!" وعلى العكس من الخطوط المنحنية، والتي عادة ما تكون مليئة بالمخاطر، وحتى أن عملية تجسيرها مكلفة وصعبة وتحتاج إلى جهود جبارة.
فلقد سعدنا، وسعد الخيرون معنا، ونحن نشاهد ونراقب اللقاء التاريخي بين دمشق وبغداد، والذي قذف بقطيعة دامت لثلاثين عاما، وكانت سببا بالعذابات التي مرت على الشعبين والبلدين، وعلى دول وشعوب الأمة العربية كلها، فلو كانت هناك علاقة إستراتيجية وأخوية ومصيرية بين بغداد ودمشق لما حصل ما حصل في العراق والمنطقة، ولما بقيت فلسطين تحت الاحتلال، ولكن لعبة الأمم وعلى ما يبدو كانت حاضرة، ومنذ أكثر من ثلاثين عاما، وكان لها دور بارز بالطلاق بين العاصمتين العربيتين.
فنعم طال الفراق، ولكن تحقق اللقاء، وللأسف في ظروف استثنائية وحرجة للغاية بسبب ظروف العراق القاهرة كونه بلدا محتلا وشبه ممزق، ناهيك عن ظروف الأمة العربية والمنطقة كلها، والتي تقف على فوهة بركان مدمر!
ولكن ستبقى السعادة التي غمرتنا ناقصة إن لم يمتد الخط المستقيم، خط الانفتاح والتلاقي الذي أنطلق من دمشق ومر وحلّ ببغداد ليصل نحو الرياض، فلن يهدأ العراق إلا بالتصالح والتلاقي مع أشقائه المقربين وبمقدمتهم المملكة العربية السعودية، ومن ثم أشقائه الذين أبعدتهم الجغرافيا،والتي لن تقف عائقا أمام التلاقي والتلاحم معهم.
ولكن علينا قولها جهارا وبصراحة ودون تردد:
سيبقى التوجس قائما وماثلا لدى شرائح واسعة من العراقيين والسعوديين بالدرجة الأولى، ولدى الشارع العربي بالدرجة الثانية أن لم يستمر خط التلاقي والاتفاق نحو الرياض، وأن سبب هذا التوجس هو العلاقة الخاصة والإستراتيجية (وشبه التكاملية) بين دمشق وطهران، لأن هناك من حلّل وترجم الحالة العراقية ـ السورية الأخيرة بأن ورائها طهران، وتصب في خانة الإيرانيين، وبصراحة فلو حمل الأشقاء السوريين المصاحف، ووضعوها في جيوبهم فهناك من لا يصدقهم وللأسف الشديد، والسبب هي السياسات الإيرانية في العراق،علما أننا واثقون بأن لدى السوريين نوايا طيبة تجاه العراق، وليست بالضرورة بعلم طهران أو تمر عليها!
لذا على بغداد ودمشق الانفتاح على الرياض، وبنفس الدرجة والنيّة الصادقة من أجل إزالة هذا التوجس الذي علق ولا زال عالقا عند بعض العراقيين والسعوديين والعرب، وأن هكذا انفتاح سوف يُلجم الذين سوف يحللون ويضيفون ويحشرون طهران في هذه العلاقة التي تحققت بين بغداد ودمشق!
ونحن جاهزون للمساعدة، ومثلما ساعدنا ومهدنا (دون ضجة وأسوة بغيرنا) لعملية التلاقي بين بغداد ودمشق، فعلى كل مواطن عراقي الاستفادة من علاقاته لتكون محركا ومساعدا في عملية تنقية الأجواء العربية مع بغداد، ولقد فعلناها بخصوص دمشق والقاهرة ولا زلنا، ونسعى باتجاه الرياض، وهنيئا لمن يسعى ويحقق النتائج ولمصلحة العراق، ولا دخل لنا بالمسئول الفلاني والحزب الفلاني، فأن هذا العمل خيّر ومبارك و من أجل العراق فقط لأن هناك من يعمل ليل نهار من أجل تقطيع أوصال العراق، والعمل على ربط العراق بمحطات إقليمية من أجل مسح الهوية العربية للعراق، ومن منطلق عنصري ضد العراقيين و العرب والأمة العربية!
وفي نفس الوقت هي فرصة للساسة في إيران ليبادروا بتشجيع دمشق وبغداد بالتحرك نحو الرياض ليكتمل الخط المستقيم، وفي نفس الوقت يبادروا لسحب خلاياهم الإستخبارية والتنظيمية والسياسية والتثقيفية والعقائدية من العراق، ويقرروا علنا عدم التدخل في الشؤون العراقية، ليتركوا الشعب العراقي هو من يقرر مصيره ومصير بلده بمفرده.
فهي فرصة بالفعل للإيرانيين لينقذوا بلدهم وشعبهم من أيام قادمة تحمل لهم ما لا يشتهون.
وفي نفس الوقت يهدئون من غليان الشارع العربي والإسلامي ضدهم هذه الأيام، ونتيجة سياساتهم التي تؤمن بتصدير المشروع الإيراني نحو دول المنطقة، والذي ضحيته الأولى هم الشيعة العرب عامة، والشيعة العرب العراقيين خاصة، أما الضحية الثانية فهو التشيّع العربي (العلوي) الذي أصله من وفي العراق، وهو التشيّع الذي لا يؤمن بالتصدير والتبشير والتخريب والمذهبية، ولا حتى بالسياسة وأحابيلها.
وختاما....
فلن تكون هناك نهاية لمأساة العراق أن لم يتعلم ساسته التعامل مع الواقع الحقيقي، والابتعاد عن الواقع المزور، والقادم من فضاء الأحلام الطوباوية!
سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي Sa.obeid@gmail.com