لِمَ الكذب.. العربيّ لا يحبّ العربيّ

بقلم: محمد أبوعبيد

نحن، العرب، أكثر الأمم شعارات، وأقلها عملاً بالوفرة الشعاراتية التي أنعمْنا بها على أنفسنا بأنفسنا. ولأننا قوم بلاغة وصياغة،أكثر من كوننا قوماً عملانيا، فلا عجب ولا عجاب أن نرى أجمل العبارات الموزونة والمسجوعة، المكتوبة والمسموعة. وإذا ما جد الجد، مزقنا الشعارات، وطبّقنا ما عكس مضمونها، والأدلة والقرائن تكاد لا تنحصر، لقطع شك الشكاكين بيقين المتيقنين.
فلنترك جانباً الحكومات حيث للسياسة طرقها وطرائقها وطارقوها، ولنبحث في السلوك الفردي العربي الذي ينبئ أن ما نتعلمه في المدارس عن عروبتنا المتسمة بالوحدة والإخاء والتسامح، ما هو إلا شعارات ضمن مناهج دراسية مقررة، ينتهي مفعوله من لحظة مغادرة صفوف المدرسة أو في أحسن الأحوال ساعة انتهاء السنة الدراسية، تماماً مثلما نتعلم اللغة العربية عن فِعلها وفاعلها ومفعولها وتصريفها، ولاحقا تنصرف هذه القواعد عن أذهاننا كما لو أنها لم تفعل فعلها فينا، فترى الكوارث اللغوية في ما بعد.
من باب الخصر لا الحصر، يرى المرء حال المشجعين العرب وهم يتابعون، مثلاً، البرامج الفنية التي يتنافس فيها الموهوبون على أفضل صوت، أو على لقب الأكثر "خفة دم"، وما إلى ذلك من الألقاب التي يعج ويضج بها الفضاء العربي، حيث تنحرف هتافات التشجيع عن أصوله ولباقته، وتتحول إلى تظاهرات تقودها الجنسيات العربية ضد بعضها، فكل إناء عربي ينضح بما يكنه ضد الآخر، فتشعر كأن الروم يهتفون ضد الفرس، لكن من أجل ماذا..! من أجل مشروع مطرب، أو"فنان شامل"، وإذ بالشعارات التي تعلمناها، وما زلنا نرددها، باتت هباء منثوراً، فانقطعت العُرى وانفصمت الوشائج.
ولا يقف الأمر عند هذا المثل حين الأمثلة وفيرة، فالمواقع الإلكترونية التي تتيح لزوارها ترك تعليقاتهم على مقال منشور، تصبح "باروميتر" ليس فقط لقياس مستوى التفكير لدى القارئ العربي، بل أيضاً لقياس منسوب مشاعره، والتي تُظهر حقيقة ما يبطنه إما تجاه من هم ليسوا مواطنيه، أو نحو مواطنيه ممن لا يتفق مع نهجهم ومنهجهم. فإذا كان الكاتب من تلك الجنسية العربية، وهو في الواقع لا يمثل فكر جنسيته التي ينتمي إليها إنما ذاتَه، تنهمر تعليقات من الجنسيات "الشقيقة" كما من جنسيته، و لا تحمل في مضمونها محاججة للرأي، إنما الشتيمة لجنسيته التي أنجبته، وخلْط نهج قادته وساسته وحكومته مع مضمون مقال هو ليس مدعاة للخلط. وإنْ كان الأصل القاعدي أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، فإن الأساس الديني "ولا تزر وازرة وزر أخرى". أما القاعدة اليعربية، فإن الاختلاف في الرأي، يفسد صلاح شعاراتنا، وهو تبادل للصواريخ الكلامية التي تحمل على رؤوسها شتم جنسية لشقيقتها.
ليس مدحاً للغرب بقدْر ما هو استحضار للواقع، فأنك قد ترى قارئاً أميركياً يعلق على كاتب فرنسي من دون شتم عموم الأمة الفرنسية ومن أنجبتهم، ولا شتْم الكاتب، وليس هناك ما يوحدهما،فلا ينحرف التعليق عن الطريق. وعندنا، في غالب الأحيان، تُظهر التعليقات كم نحن مُتخمون بالضغينة تجاه بعضنا البعض، وأننا نتقن التجريح والهجوم الكلامي، لكننا لا نجيد فنّ النقاش وأصول المحاججة. محمد ابوعبيد mohammad.abuobeid@mbc.com