'ليل الجنوب' مسرحية تستعيد قهر الصعيديات

خشبة المسرح تحتمل كشف المسكوت عنه

القاهرة ـ لم يتساءل نقاد المسرح فى مصر عن السبب الذى دفع المخرج المسرحي ناصر عبدالمنعم عرض "ليل الجنوب " الآن.

فالنص الذي كتبه شاذلي فرح يطرح رؤية شديدة الخصوصية للعادات والتقاليد التي تحكم صعيد مصر من خلال ما يمكن أن يسمى السيرة الذاتية، ويعرض مشاهداته وذكرياته في الصعيد في مرحلة الطفولة.

وتساءل نقاد مسرحيون عقب الانتهاء من العرض عن ضرورة طرح هذه العادات والتقاليد الجنوبية الان، لكن الاجابة التي ظهرت على ملامح الحضور هي" نعم" .

وعلى خشبة المسرح نساء مقهورات وعشق وخيانة وثأر وأغان من الفولكلور ومواويل ..انه عرض مسرحي يطرح بعض التساؤلات حول حرية الإنسان وحقه في الحب، حقه في الحياة.

وتبدو الحكاية قديمة لمن يتابع المسرح المصري خاصة في العقدين الأخيرين، فقد تناولت عروض عديدة وضع المرأة في جنوب مصر، ولكن الكاتب شاذلي فرح قدم حكاية خاصة، بل تبدو نقلاً لطفولة المؤلف أو هكذا أوهم الجمهور.

ويستخدم الكاتب تقنية استعارها من أسلوب تيار الوعي الذي عرفته الرواية العالمية في منتصف القرن الماضي، إذ تدور أحداث المسرحية خلال ساعة ونصف يجلس فيها المؤلف إلى جهاز الكمبيوتر يكتب ويتذكر وتخرج من مخيلته الشخصيات وتدور الأحداث ليروي أحداث سنوات طويلة، وهو ما عرف بتيار الوعي.

وصمم المخرج ناصر عبدالمنعم فضاء مسرحياً راعى فيه الزمن المركب للأحداث، فخارج حيز اللعب يجلس الكاتب إلى مكتب صغير وجهاز كمبيوتر، لبلغ المشاهد أنه يعيش في بلد آخر خارج مصر.

وفي غربته هذه يتذكر ويكتب، وفي فضاء العرض عدة مستويات تدور فيها الأحداث ولكل مستوى خصوصية ما، فثمة ماكيت لقرية في هذا الفضاء، أقرب إلى معنى القرية.

وفي مقدمة المسرح مساحة فارغة تدور فيها الأحداث وتخرج إليها الشخصيات من رأس المؤلف الذي يجلس وحيداً في زمان ومكان مختلفين عن زمن ومكان اللعب المسرحي.

وخلف هذه المساحة ثمة غرف بدون أبواب تخرج النساء منها وتعود إليها لتختفي، وعلى اليمين واليسار درج يؤدي إلى فضاء آخر تدور فيه أحداث، إلى حد ما مجردة وربما أحلام، أو أحداث خارج نطاق القرية.

وفي هذه المساحة يوجد صانع حبال سوف يكون له دور كبير في البنية العميقة للعرض، والذي يشبه كثيراً آلهة الأقدار في التراث الإغريقي، فالرجل يفتل حباله في إشارة لصناعة المصائر التي تعيشها هذه الشخصيات.

وبعد تقديم كل امرأة من الأربعة وبعد أن تعرض مصيرها المحتوم، تنتشر الحبال من أعلى إلى مقدمة المسرح وتحييها، كأنها تنهي حياة هذه الشخصية؟

يبدو في هذا التصميم لعمارة الفضاء المسرحي حرفية ناصر عبدالمنعم كمخرج مسرحي وخبرته الكبيرة في وضع هذا المنظر المسرحي مع د. محمود سامي، وبالفعل هذا المنظر المسرحي الصامت دون حوار يدل المشاهد على أحداث العرض.

وتبدأ أحداث ليل الجنوب، واختيار الليل له دلالة قوية في العنوان .. وتخرج الشخصيات من حيز الفكر واللغة إلى حيز اللعب تتحدث اللهجة الصعيدية التقليدية.

وبينما يفكر الكاتب ويستحضر الشخصيات نشاهده طفلاً في حيز اللعب، يشارك الكاتب أفكاره .. يشاركه في شبابه في أداء دور الراوي، وكأن الكاتب لم يغادر هذا المكان (قريته).

ويحاول العرض استعادة أجواء هذه القرية من جنوب مصر ليس فقط من خلال المنظر المسرحي بكل مفرداته، ولكن أيضاً من خلال مفردات الحياة الاجتماعية والثقافية المتمثلة في العادات والتقاليد وفنون هذه البلاد من مواويل وغناء وموسيقى وفنون التحطيب.

اجواء تجعل المشاهد يشعر أنه في حالة تماهي مع هذا العالم ، اندماج تام على الطريقة الأرسطية، ناهيك عن أن المؤلف قدم مجموعة من الشخصيات الغرائبية، فشخصيات المسرحية غير تقليدية وأفعالها غريبة، فهناك من تقتل ابنها حتى لا يقتله الآخرون طلباً للثأر وتتحول إلى رجل ليل ترتدي ملابس الرجال وتمارس القتل.

وهناك من تمنع من الزواج بمن تحب ويتم ختانها وهي كبيرة جداً ، وهناك من يسافر زوجها ويتأخر طويلاً ولا تفلح رسائلها في عودته، ولا تحتمل هذه الحياة فتستسلم لابن عمه، لتعيش حياتها تشعر بالذنب.

تنتهي حياة جميع الشخصيات بشكل مأساوي، وصانع الحبال في المستوى الأعلى يلقي بحباله، بالمصائر لتغطي فضاء اللعب.

ويقدم ناصر عبدالمنعم هذه الأجواء من صعيد مصر وما هو مسكوت عنه في الثقافة المصرية من خلال عرضين مع الراحل حازم شحاتة (ناس النهر ونوبة دوت كوم) وقد أهدى ناصر هذا العمل لروح حازم شحاتة.

وجاء الأداء التمثيلي خاصة لمجموعة النساء، وفاء الحكيم، شريهان شاهين، دعاء طعيمة، وسامية عاطف، مؤثرا في متعة المشاهد وهذا لا يدل فقط على موهبتة وتمكن ورغبة في التميز .