ليلة القبض على القمص بولس باسيلي

بقلم: فرانسوا باسيلي
فترة لا تزال آثارها المدمرة تنهش روح مصر

تمر هذا الشهر ثلاثون عاماً علي ليلة القبض علي والدي القمص بولس باسيلي في الثالث من سبتمبر/أيلول 1981. وقد رحل والدي عن عالمنا إلى عالم السماء في العام الماضي 2010 وأعيد بهذه المناسبه نشر هذا المقال الذي نشر في حياته. ومن الملفت أن الأسلوب الذي اتبعه القمص باسيلي في كتابة مذكراته عن فترة السجن العصيبة أسلوب ساخر به الكثير من المرح الذي هو علامة مسجلة للشخصية المصرية الأصيلة التي لا تتخلي عن المرح حتي وهي في احلك اللحظات.

فى الثالث من سبتمبر/أيلول 1981 أمر الرئيس السادات باعتقال ثلاثة آلاف من رموز مصر السياسية والدينية والثقافية، فكان هذا حدثا فريدا في تاريخ مصر، اذ لم يحدث ان قام حاكم مصرى منذ الفرعون مينا موحد القطرين مرورا بكل من تعاقب على حكم مصر من فراعنة ثم من غزاة وطغاة، باعتقال مثل هذا العدد الهائل من رموز مصر في كافة المجالات ومن كافة مناحي المجتمع المصري في ليلة واحدة. ولعل الحادث الوحيد الاقرب الى هذا هو حادثة "مذبحة المماليك" التي قام فيها محمد على بدعوة أمراء المماليك الى القلعة حيث أغلق عليهم أبوابها وقتلهم عن بكرة أبيهم في ليلة واحدة عام 1811.

وكان والدي القمص بولس باسيلي من بين من اعتقلهم السادات في تلك الليلة الكالحة من تاريخ مصر - وكان في الخامسة والستين من عمره - ولم يشفع له أن ‏سجله‏‏ كان‏ ‏حافلا‏ ‏بالإنجازات‏ ‏الوطنية‏ ‏ومنها‏:‏

انتخب‏ ‏عضوا‏ ‏بمجلس‏ ‏الشعب‏ ‏عن‏ ‏دائرة‏ ‏شبرا‏ ‏وكان‏ ‏أول‏ ‏كاهن‏ ‏يدخل‏ ‏البرلمان‏ 1971.‏

في‏ 1971 ‏وأثناء‏ ‏حرب‏ ‏الاستنزاف‏ ‏أذاع‏ ‏نداء‏ ‏إلى‏ ‏قواتنا‏ ‏المسلحة‏ ‏على‏ ‏خط‏ ‏النار‏ ‏بتكليف‏ ‏خاص‏ ‏من‏ ‏قيادة‏ ‏الجيش‏ ‏العليا‏ ‏ونظرا‏ ‏لإسهاماته‏ ‏الوطنية‏ ‏المتعددة‏ ‏منحه‏ ‏رئيس‏ ‏الجمهورية‏ ‏نوط‏ ‏الامتياز‏ ‏من‏ ‏الطبقة‏ ‏الأولى‏ 1971, و‏في‏ 1972 ‏عين‏ ‏أمينا‏ ‏عاما‏ ‏مساعدا‏ ‏للدعوة‏ ‏والفكر‏ ‏باللجنة‏ ‏المركزية‏ ‏العليا‏، ‏وفي‏ ‏العام‏ نفسه ‏أوفده‏ ‏مجلس‏ ‏الشعب‏ ‏للتفاوض‏ ‏مع‏ ‏رئيس‏ ‏جمهورية‏ ‏إيطاليا‏ ‏لمناصرة‏ ‏القضية‏ ‏الفلسطينية‏ ‏والعربية‏, ‏و‏اختاره‏ ‏مجلس‏ ‏الشعب‏ ‏لتسليم‏ ‏نجمة‏ ‏سيناء‏ ‏لأحد‏ ‏أبطال‏ ‏العبور‏ 1973.

ذكريات ليلة القبض على ابونا بولس باسيلى لن تضيع لانه سجلها في عدد من كتبه، وله اكثر من أربعين كتابا منشورا في مصر، ومن المفيد ان نستعيد دروس ومواجع وطرائف تلك الليلة الهامة في تاريخ مصر، والتى بلا شك كانت الدافع وراء حادثة اغتيال السادات التي وقعت بعدها بحوالى شهر واحد.

ومن اللافت أن في الإسكندرية، وقبل اعتقال والدي بساعتين، تم اعتقال الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل وكان هو رقم 9 في عمليات تلك الليلة، وكان ذلك في الثانية والنصف بعد منتصف الليل، وبعد ذلك بحوالى ساعة ونصف أي في الرابعة فجرا وصلت حملة الاعتقال بضباطها وجنودها المسلحين الى ابوقير التي تبعد حوالى ساعة عن الإسكندريةلاعتقال القمص بولس باسيلى حيث كان يصطاف بها.

ومن مشاهير السياسيين الذين اعتقلوا في تلك الليلة فؤاد باشا سراج الدين زعيم حزب الوفد، وفتحي رضوان وقيادات الاحزاب الاخرى مثل الدكتور حلمى مراد (حزب العمل) والعديد من اعضاء اللجنة المركزية لحزب التجمع والعديد من النواب المستقلين، ومنهم أحمد فرغلي، ومعظم اعضاء مجلس نقابة المحامين وفي مقدمتهم النقيب عبدالعزيز الشوربجي، وعدد من اساتذة الجامعات مثل د. ميلاد حنا ود. كمال الابراشى والكثير من المثقفين البارزين مثل د. عصمت سيف الدولة، صلاح عيسى وحسين عبد الرازق وصابر بسيوني وحمدين صباحي. هذا بالإضافة الى شخصيات إسلامية شهيرة مثل الاستاذ عمر التلمساني والشيخ كشك والشيخ المحلاوى. ولم يخل الامر من النساء فاعتقلت قيادات نسائية بينهن د. نوال السعداوى ود. لطيفة الزيات، الى جانب عدد من القيادات القبطية من رجال الدين ومن مطارنة وكهنة مع قرار السادات بعزل البابا شنودة عن منصبه الديني واحتجازه في الدير "كمتحفظ عليه" وتعيين لجنة خماسية لتولي شئون الكنيسة على رأسها الانبا صمويل والذي توفى في حادث المنصة لإصابته برصاص الرشاشات التي قتلت السادات.

وأنشر هنا تفاصيل حادثة القبض على أبونا بولس باسيلي وذكرياته في السجن كما نشرها فى كتابه "الاقباط: وطنية وتاريخ". مع التنويه بأن ما يسمى بالفتنة الطائفية في مصر والتي كانت أحد أسباب الاعتقالات في تلك الليلة لا تزال تطل برأسها سواء قبل الثورة أو بعدها دون أدنى محاولة لإصلاح الأمور بشكل جذري ودائم.

ذكرياتى بين المرج ووداي النطرون

في الساعة الرابعة بعد منتصف الليل وكنت وقتها في مصيف ابوقير (على بعد حوالي ساعة من الإسكندرية) دق على بابي "زائر الفجر" وكنت اظن أن زوار الفجر قد انقضوا من زمان، فقمت من نومي وفتحت الباب فإذا بي امام "جيش عرمرم" ضباط وعساكر ومخبرين ورجال مباحث، وعلى كل درجة سلم في منزلي جندي شاكي السلاح، وتقدم ضابطان بثيابهما البيضاء واشهد انهما كانا في غاية الادب والخجل فهما يعرفانني من مجلس الشعب ويفهمان اني لست مجرما او تاجر مخدرات او سارقا او متهما في جناية قتل لكنهما مأموران ان يفعلا هذا فاستأذنني الضابطان في ان ارتدي ملابسى وانزل معهما.. الى اين؟ "والله مانعرفش" هكذا كانت إجابتهما! وارتديت ملابسي بسرعة واخذت حقيبة صغيرة فيها بعض ملابسي الخفيفة وذهبت الى مديرية أمن الإسكندرية، وهناك انتظرت اربع ساعات حتى اشرقت الشمس واعدوا لي "سيارة جيب" لم يكن فيها كرسي واحد، وعندما هبطت درجات سلم المديرية تقدم عسكري مني ووضع في يدي "الكلابش الحديد" فانتهرته فتشفع لي الضابطان وحرماني التشبه "ببولس الرسول" الذي وضعت في يديه السلاسل.

وفي الساعة العاشرة بدأنا مع العسكر رحلتنا فقلت الى اين ياجماعة؟ ولكن السؤال بلا جواب. ودخلنا مشارف القاهرة تتقدمني سيارة "بوليس النجدة" وورائي سيارة امن مركزي، وكأنى الملك فاروق في زمانه لا تنقصني سوى المتوسكلات والهتافات! وكل قليل اسأل رفقائي العسكر "على فين ياجماعة؟! ولا جواب! وأخيرا قال لى أحدهم بصوت هامس "ياعم ده مش انت بس.. ده ودينا كتير زيك امبارح والنهاردة" واشار الى لحيته، ففهمت أن كثيرين من ذوي اللحى الكهنة سبقوني وعندما وصلنا "المرج" لمحت لافتة كبيرة على الباب: سجن المرج.

وعند الباب لمحني رجل عملاق فابتسم ابتسامة شماتة وقال لي في صوته الاجش: "اهلا.. هو انت شرفت؟" ووضع ذراعه القوي يتأبط ذراعي الضعيف وتوجه بي نحو غرفة "المأمور"، وهناك فتشني ولاول مرة ادخل السجن وافهم التفتيش، حيث خلعوا "جوربى" من حذائي فظننت أنهم "سيمدوني علقة" على رجلي ولكنهم قصدوا مجرد التفتيش لئلا أكون قد أخفيت مطواة أو "قرن غزال" شأن المجرمين فحكمت على نفسى بالغباوة لاني لم أعرف نظام السجون!

زنزانة رقم 11

وبعد التفتيش والذي منه سمعت صوت العملاق الأجش يصرخ ويقول "يالله زنزانة 11" وسمعت أسماء أساقفة وكهنة كان بعضهم قد سبقني والبعض الآخر لحق بي الى السجن.. واشهد انني طوال دراستي للتاريخ الكنسي لم اعثر على حدث مثل هذا، وكانت الكاتبة "صافيناز كاظم" قد نشرت مقالاً في إحدى الصحف سجلت فيه أن ما حدث للبابا وللأساقفة وللكهنة لم يحدث منذ 1400 سنة.

وهكذا نرى المطارنة والاساقفة والكهنة وكبار الشعب يساقون الى السجون والزنازين وكأنهم من المجرمين الخطرين!

رأينا "الانبا بنيامين" أسقف المنوفية وهو "بلديات" الرئيس وكم حسدناه على أنه "هيئة سياسية" -وهذا الانبا بيمن اسقف ملوي الراحل وقد كان دائما في مقدمة الاصدقاء لرجال الدولة وهذا "الانبا بيشوى" اسقف دمياط وكان اسقفا مرموقا لأنه الابن البكر لقداسة البابا، وهذا "الانبا فام" اسقف طما ولم يكن قد مضى على رسامته شهور، وهذا "الانبا ويصا" اسقف البلينا - وهذا "الانبا امونيوس" اسقف الاقصر وهذا "الانبا بموا" اسقف الاديرة القبلية، الرجل الذى لم يكن له في السياسة ناقة ولا جمل والذي عقدت حوله الروايات والحكايات - واخر زبون يشرف الزنازين كان "الانبا تادرس" اسقف بورسعيد وقد كان في تلك الفترة في قبرص، وهناك علم بأمر القبض عليه وحاول ابناؤه ابقاءه في قبرص او رحيله الى اميركا التي كان يعمل فيها لسنوات ولكنه ابى الهروب مفضلاً بالاحرى ان يذل مع شعب الله على ان يكون له تمتع وقتي في قبرص او في اميركا، وهذه رواية قصها علينا الاب المحبوب القمص بيشوى غبريال راعي لوس انجيلوس.

ومن الطرائف أيضا أن أحد العلمانيين الذين كانوا معنا الصحفي "سمير تادرس"، وكان قد اختار موقعه في رأس الزنازين بالقرب من باب السجن ليتخاطب من "شرفة" زنزانته" (الزنزانة رقم 1) وتقع على مدخل السجن مع الزنزانة رقم 8 وهي الخاصة بـ د. ميلاد حنا، المناضل الشجاع الذي ادخلوه معنا على سبيل الخطأ لأنه أحد رجال السياسة، ولكن نظروا اليه كقبطي فقط، لم يفطنوا الى موقعه السياسي ولو انهم تنبهوا الى ذلك بعد حين! فخسرنا صحبته الجميلة مدة من الزمان!

برج المراقبه والاذاعة

كان سمير تادرس في موقع "برج المراقبة" وهو سجين مخضرم له "سوابق كثيرة" في السجون ولكننا نحن "مساجين كورك" أي "طاظة" حديثي العهد بالسجون فكان "سمير" كل حين يذيع الاخبار علينا من شرفة زنزانته، ولا يظن القارئ ان الزنزانة لها شرفة! كلا يا أخي فشرفة الزنزانه اقصد بها "النافذة"، ولا تظن أيضا ان للزنزانة نافذة كنافذة الحجرات في بيوتنا كلا انها "فتحة" مساحتها 10 x 10 سنتمتر مربع هي كل متنفس الحجرة وزنزانتي بهذه المناسبة كانت محظوظة لأن رفيقي فيها كان الزميل "القمص باسليوس سدراك" كاهن المنيا وهو طويل عملاق فاتفقنا معه على ان يشتم لنا الهواء من "الفتحة" العالية" اما انا فيمكنني ان اتنفس من "عقب الباب" فكنت انبطح على الأرض واتلقى الهواء العليل من ذلك المكان الجميل!

تعارف مع مأمور السجن

وبمناسبة الطول والقصر فهناك فصل طريف وهو مرور محمود الجميل مأمور السجن مع بعض الضباط علينا للتعارف فى اول اسبوع فوقف كل سجين امام باب زنزانته لاستقبال هؤلاء فعندما وصل المأمور ورفاقه الينا قدمت نفسى "القمص بولس باسيلى" قالوا: "أهلا وسهلا.. عضو مجلس الشعب؟" قلت نعم واما زميلي العملاق فقد قدم نفسه باسمه وبلدته "المنيا" فقال المأمور "يعنى تبع الانبا بيمن؟" قال له: "لا مطران تاني وهو الانبا ارسانيوس" فقال المأمور: "وده مجاش ليه معاكم؟" فقال ابونا: "اصله يا افندم مطراننا قصير وانا اطول منه مرتين.. وهمه بياخدوا بالطول"، فضحك المأمور واخذ يحكي هذه القصه على كل الضباط للتفكهه والترفيه وكان لهذا الجواب مغزى أي مغزى! (اذ لم يعرف الكثيرون سببا لاعتقالهم).

معاملة طيبة حقا

وبالمناسة فلا ننسى ان نسجل كلمة شكر وإشادة بمعاملة العميد محمود الجميل مأمور السجن فقد كان لطيفا معنا يحس احساسنا ويتفهم ظروفنا وموقفنا، وقد اكتشفنا اخيراً أن السيدة حرمه وهي طبيبة فاضلة كان لها زميلات طبيبات مسيحيات.

أما طبيب السجن الدكتور مجدي فقد كان لطيفا وكان قد اتفق معي سرا أن يعطيني فرصة أطول من الربع ساعة في طابور الصباح بل اكثر من ذلك سمح لي بطابور آخر في المساء مع بعض المرضى أمثالي ولكنه على سبيل الخطأ غير المقصود بالطبع كان قد اعطاني "علبة اشرطة اختبار" اقيس بها درجة السكري عندي ولكنها غير فعالة، فكنت اطمئن ولا اتعاطى أدوية السكر الى أن فاجأنى السكر بغيبوبة خطيرة سقطت على اثرها في السجن مغشيا على وقد بلغت درجته في الدم عندي 520 بحسب التقرير الطبى وامتلأ جسدى بالاسيتون حتى ان نيافة الانبا بشوى اسقف دمياط قال لي بعد ذلك: "لقد كنت اشتم رائحة الاسيتون تتصاعد من فمك!"، وحملت بسرعة الى مستشفى القصر العيني "عنبر 14" الخاص بالمقبوض عليهم –عفوا - المتحفظ عليهم! وبعد حملي الى المستشفى علمت أن الزملاء جميعا وقفوا يصلون فى ساحة السجن من اجلي والدموع تطفر من عيونهم ظانين انهم قد لايرون وجهي بعد!

دخلت الانعاش واستمريت فيه نحو العشرة أيام اعالج واصارع الموت وكانت "مباحث امن الدولة" تسأل عني تليفونياً يومياً وتتوقع الموت لي بين الساعة والاخرى وتخشى من ذلك لئلا يفسر هذا وخصوصا بالنسبة لي تفسيرات لا ترضاها سيما وانه قد مات في السجن منذ ايام الوزير السابق عبدالعظيم ابو العطا.

ذكرياتي في السجن

لقد تحول السجن الى كنيسة فالصلوات السبع اليومية تتم في مواقيتها تماما "وطابور الصباح" للرياضة يقوم به أحد ابنائنا المعتقلين معنا وكان مدرسا للالعاب الرياضية، وكان الأخ د. ميلاد حنا بين الحين والحين يقدم لنا استعراضات لعضلاته، وينوب عن المدرس المذكور في بعض الأوقات!

وانقلب السجن ايضا الى كلية اكليريكية فأقوم شخصيا بالوعظ يوميا ويقدم المتنيح الانبا بيمن تفسيراته لرسائل بولس، الرسائل التي كتبها في السجن والانبا بيشوى يدرس الكتاب المقدس في العهد القديم مع القمص تادرس يعقوب والانبا فام بتدريس التسبحة والالحان والقمص ابراهيم عبده بتعليم الترانيم.

ومن العجيب اننا قمنا بصلوات قداسات ليلة الميلاد وليلة الغطاس وكانت هذه آخر ليلة اشارك فيها وافارق بعدها "سجن المرج" الى "القصر العيني"، وهكذا كانت قداسات تاريخية تحدث لاول مرة في تاريخ الكنيسة ويصلى فيها 8 اساقفة و42 كاهناً والباقى من العلمانيين اشتركوا كشمامسة واما "الشعب" فكانوا المساجين المسيحيين الذين عليهم أحكام وعقوبات مختلفة فقد استأذنا مأمور السجن في أن نستدعيهم ليعيدوا معنا ليالي الاعياد ويعترفوا بذنوبهم ويتناولوا من الاسرار المقدسة.

وايضا رسمنا شمامسة في السجن الدكتور نبيل طبيب من سوهاج والاستاذ عبد المسيح مدرس من بنها نالا درجات شماسيه، بل وفي السجن ايضا تلقينا أنباء عن "حادث سعيد" للقمص صموئيل ثابت واخر للقمص إبراهيم عبده حيث وضعت زوجة كل منهما ولدا وهما فى السجن فتلقينا هذه الانباء السعيدة مع صور المولودين السعيدين، وأقمنا لهما حفل "السبوع" واشعلنا بعض الشموع التي استحضرها لنا الابن الشهم الاستاذ جرجس مندوب أسقفية الخدمات الذي تعب كثيرا معنا وهون كثيرا علينا!

الطاولة .. والشطرنج

وكما قال الكتاب المقدس "افعلوا هذا ولاتتركوا تلك" فإلى جانب الصلوات والتأملات المنتظمة لم ينس الانبا ويصا "لعبة الشطرنج" المفضلة عنده والتي كان "الشامبيون" فيها مع جميع الذين لعبوها معه فى السجن بلا منازع! وأما الطاولة فكان استاذنا بلا منافس القمص لوقا سيداروس واشهد انه اتعبني كثيرا وحيرني في هذه اللعبة التي انتصر فيها كثيرا علي وعلى كثيرين امثال القمص ابراهيم عبده والقمص صرابمون عبده، فمع القمص لوقا لافائدة من الاجتهاد والمحاولات حتى انني حسبته محترفا فيها!

ترقية من السجن الى الليمان!

وعندما نقلنا من سجن المرج الى "ليمان وادى النطرون" - والحقيقة كانت هذه "ترقية" لنا.. فالليمان اعظم مركزاً من السجن، ونحن كنا قد انهينا حوالى شهر ونصف في المرج وخشيت الحكومة أن يهجم علينا أحد فيقتلنا جميعاً كما حدث فى الهجوم على الامن المركزى بأسيوط لذلك نقلونا الى مركز أعظم حراسة من المرج وفي ساعة متأخرة من الليل ركبنا "لوري" المساجين المحكم الغلق الى أين لا نعلم ولا مأمور السجن يعلم - كما أقسم لنا - الله وحده هو الذى يعلم. واخذت السيارة تنهب بنا الارض نهبا فى جنح الظلام الى ان رست عند لافتة كبيرة تقول "ليمان وادى النطرون"، ونشهد أن الحال هناك كان أفضل بكثير مما كنا عليه فبدل "البرش" والاسفلت ارتقينا على أسرة من حديد كل سرير له ثلاثة ادوار، وكان الدور الذي في وسط السرير فوقه أسقف وتحته أسقف وانا بين اسقفين واحمد الله اننى لم اكن بين نارين ففي السجن لم يكن هناك فارق بين اسقف او قس او علماني، فالحق ان الاساقفة الثمانية كانوا على قدر كبير من التفهم والوعى فهم يقدرون ظروفنا جميعا ويتعاملون معنا الند بالند "ومفيش حد احسن من حد!".

كبير الضباط يرحب بنا

وبعد ثلاثة أيام ونحن في الليمان فوجئنا بكبير ضباط مصلحة السجون جاء يزورنا ويطمئن علينا فعندما وصل الى العنبر رآنا نصلي فانتظر في المكتب الى أن انتهينا من الصلاة ثم تقدم ليحينا "اهلا.. اهلا.. شرفتوا المكان.. أي خدمة .. احنا كلنا في خدمتكم.. اي استفسار او اي شكوى!".

وهنا سأل أحد العلمانيين سيادة اللواء "لو سمحت سعادتك عاوزين نعرف امتى الإفراج؟"

اجاب المدير "والنبى يا سيد انا نفسي ما اعرفش" ولا اي حد يعرف.. ومع ذلك انا جيت لقيتكم بتصلوا.. صلوا.. يا تقلبوها زي ما قلبتوها، يا تعدلوها! وكان هذا الكلام ذا مغزى لأن السادات كان منذ أيام قليلة قد مات (برصاص مغتاليه).

من المآمور.. الى البواب!

ومن ذكرياتي التى لن تنسى اننا منذ دخلنا "المرج" ونحن نصلى كل صباح ونسجد 400 سجدة بصوت منتظم يدوي بين رحبات الزنازين ونحن نقول: "كيرياليصون كيرياليصون" فكانت الصرخات تزعزع اعمدة السجن بشهادة مأمور السجن الذي جاءنا يوما يقول: "إيه اللى بتقولوه ده؟ ايه يعني سون سون؟!" فقلنا له هذه كلمات يونانية معناها "يا رب ارحم" وهنا شهد الشهادة التاريخية "انا باحس ان السجن بيزلزل.. على مهلكم شويه يا جماعة" والمأمور الواعي يعلم ان صرخة الإنسان المظلوم كالصاروخ تصل الى علياء السماء تصرخ من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان - وبعد حادث المنصة جاءنا يتبسط في الحديث ويقول "والنبي انا خايف على روحي انا كمان! يا جماعة ان كان حد سمع مني كلمة وحشه يقوللي! أبدا يا سيادة العميد. ونشهد مرة اخرى أن معاملة السيد المأمور وجميع اجهزة السجن كانت معاملة طيبة، فالحراس يقولون لنا "احنا عمرنا مشفناش زباين زيكم ابدا" وكانوا كلما يصدر قرار بالإفراج عن اثنين ثلاثة يتألمون لأنهم كانوا يريدوننا محبوسين (تأبيدة) وصدق من قال "مصائب قوم عند قوم فوائد".

أربعة كتب فى السجن

ورغم أن دخول الأوراق والأقلام الى المساجين ممنوعة الا انها كانت تدخل الينا ومراقبو السجن كانوا يتجاوزون عن القوانين ويسمحون لنا بها ولذلك استطعت بنعمة الله ان استغل أوقات فراغي في السجن واضع النقاط الرئيسية لأربعة مؤلفات قمت بطبعها بمجرد الإفراج عني وومارسة نشاطى الروحي والاجتماعي والثقافي (من بين هذه الكتب كتاب "الاقباط وطنية وتاريخ" وكتاب "انت أخي وانا احبك" عن المحبة وعلاقات الود التي يجب توفرها بين أبناء الوطن الواحد والإنسانية جمعاء.)

***

كانت هذه بعض ذكريات القمص بولس باسيلي عن تلك الفترة المؤلمة في تاريخ مصر الحديث وهي فترة لا تزال آثارها المدمرة تنهش روح مصر إلى اليوم حيث تنفجر بين الحين والحين أحداث يطلق عليها صفة "الفتنة الطائفية" لم تعالج حتى اليوم علاجا جذريا يحفظ أمن مصر ووحدتها الداخلية ويجنبها أخطار الانقسام الداخلي والاطماع الخارجية. إذ كانت التهمة الموجهة للقمص باسيلي والتي ألقي بموجبها في السجن دون محاكمة هي الرد على الاتهامات والتهجمات المتلاحقة التي كان يوجهها الشيخ الشعراوي للأقباط ومعتقداتهم في تلفزيون الدولة والتي كانت تثير غضب الأقباط وشعورهم بالاضطهاد في وطنهم. وللأسف استمر هذا الوضع بعد السادات مع زيادة التشدد الديني للمجتمع المصري بما يقرب من حالة الهوس الجماعي.

وفي مقدمة ديواني الشعرى "تهليلات ايزيس" كتبت عن زيارتى لوالدي في السجن ما يلى:

ويدخل الشاعر من باب سجن إلى باب سجن ليصل في النهاية الى حجرة صغيرة يرقد فيها والده المسن طريح الفراش فيرى الرجل الذي علمه الوطنية راقداً، بينما يجلس بجواره حارس مسلح يطل المسدس من جرابه، وكأن والده الذي طالما دافع عن الوطن ووحدته الوطنية، كأنه أخطر الخطرين وأشقى الأشقياء، فيتمزق قلب الشاعر حزناً على وطن لا يعرف عدوه من صديقه، يبطش بالحبيب والقريب، فيما هو عاجز أمام العدو والغريب، ويتأبط الشاعر ذراع والده المنهك بعد أن سمح لهما الحارس بالتجوال المحدود تحت عينه المراقبة فيشعر وكأنه يتأبط ذراع وطنه المتعب المتهالك الذي وصل أمر تخبطه وقتها إلى حد وضع كثير من أبنائه المخلصين في السجون.

فرانسوا باسيلي ـ كاتب ومهندس من مصر يقيم في نيويورك