ليس مهماً مَن يُسقط نظام الأسد

يبدو الاتفاق الاميركي في شأن سوريا متعثراً، بل منسياً. هل كان ذلك الاتفاق جزءاً من صفقة أخل الروس ببعض بنودها؟ ضعفت حماسة واشنطن للذهاب إلى جنيف. هناك من يتحدث عن محاولات تُبذل لاعادة ميزان القوى إلى ما كان عليه قبل "القصير" أي إلى التوازن وهناك من يجد أن قوى كثيرة معنية بالصراع وفي مقدمتها الادارة الاميركية صارت تميل إلى الحسم العسكري بشكل نهائي.

بعد ما جرى في حمص، حيث استعادت القوات الرسمية زمام المبادرة انحدرت معنويات المعارضة السورية إلى الحضيض، وهو ما عده الكثيرون مؤشرا على انحسار قدراتها القتالية على الأرض، صار الحديث عن السلاح النوعي هو محور لقاءات الاطراف التي كانت ولا تزال لا تجد مخرجاً من الازمة سوى باسقاط نظام الاسد وهي الاطراف نفسها التي عبرت في أوقات سابقة عن خشيتها من أن تقع الاسلحة المتطورة في أيدي مقاتلين ينتمون إلى الجماهات الدينية المتشددة.

بين هزيمة شاملة متوقعة يمكن أن تُلحق بقوات المعارضة وتنهي الثورة السورية وبين إمكانية الاعتماد على شراسة ومهارة واستبسال مقاتلي الجماعات الدينية في القتال حتى الموت اختارت تلك الاطراف أن تراهن على الخيار الثاني في مغامرة تلغي كل مخاوفها السابقة. ولسان حالها يقول "ليذهب السلاح إلى من يعرف كيف يستعمله بطريقة أفضل".

وهو ما لم تخفه تقارير المراسلين من جبهات القتال، حيث صار الحديث عن انتصارات يحققها مقاتلون اسلاميون، من غير الاشارة إلى مقاتلي الجيش السوري الحر إلا في ما ندر.

هناك تغير واضح في الموقف الدولي، قد يكون سببه انتقال رعاية قوى المعارضة السورية المسلحة من راع إلى راع جديد.

بالنسبة للقوى الدولية التي كانت إلى وقت قريب تسعى إلى تحجيم نشاط الجماعات الدينية المسلحة وعدم افساح المجال لها لكي تحتل مكاناً في المستقبل السوري، فهي لم تعد متشددة في شأن الهوية العقائدية للقوى التي تساهم في اسقاط النظام.

صار مهما لديها اليوم أن يسقط النظام، لتحقق من خلال ذلك السقوط انتصاراً على القوى الدولية التي ساندت النظام ووقفت معه.

لم يعد الخوف على مستقبل سوريا ليقف عائقا دون اعتراف الغرب الضمني بانحيازه إلى الجماعات الدينية المسلحة التي كان في وقت سابق قد اتخذ من وجودها ذريعة لامتناعه عن تسليح الجيش السوري الحر بالسلاح. وصار واضحاً ان وجود تلك الجماعات يشكل رصيداً مضموناً يمكن اللجوء إليه في اللحظات الحرجة.

ولقد قرر الغرب أن واحدة من أعظم تلك اللحظات الحرجة قد حلت بعد الهزيمة التي حلت بقوات المعارضة في حمص. لذلك تم السماح للجماعات الدينية المسلحة بالتمدد لتصل إلى مدن الساحل السوري التي كانت إلى وقت قريب تنعم بالاستقرار.

لم تعد هناك خطوط حمراء. فلم يعد مسعى الجماعات المتطرفة للتطهير الطائفي ليقف حائلاً دون اسنادها. وما يجري الحديث عنه في شأن اعادة التوازن إلى ميزان القوى ما هو إلا محاولة لتكريس الامر الواقع الذي صارت تلك الجماعات تفرضه على الأرض، وهو واقع سيؤدي بالنتيجة إلى تدمير الهدف الاساس الذي كان السوريون قد انتفضوا من أجله، إلا وهو قيام دولة مدنية تحترم حقوق الإنسان.

ما شهدته المناطق السورية التي وقعت في ايدي افراد تلك الجماعات وهي مناطق شاسعة المساحة يؤكد بما لا يقبل النقاش أن سوريا ستكون إلى الأبد بلادا تنعق في فضائها غربان الظلام إذا ما أتيحت لتلك الجماعات فرصة الوصول إلى المدن السورية الاساسية والسيطرة عليها بقوة السلاح.

غير أن ما يخشاه السوريون لن يشكل عائقاً يحول بين القوى الدولية وبين رهانها على اسقاط نظام الاسد والذي صار اليوم هدفاً لذاته بغض النظر عن صورة سوريا في مستقبلها الذي ستصنعه القوى التي تسيطر على الأرض.