ليس بـ 'العياط' وحده نحارب الفساد!

كانت من بين الشعارات المتداولة في الستينات والسبعينات أيام الأحزاب الثورية للماركسيين والقوميين العرب على حد سواء "ليس بالخبز وحده يحيا الانسان" و"شعار الكرامة أغلى من الخبز" للتدليل على أن الكرامة لدى الانسان تحتل أعلى مراتب القيم، ثم يأتي توفير الخبز والأمن والتعايش السلمي في مرحلة لاحقة. أما الشعار الذي يصلح للعراق الديمقراطي الان، وبعد تفشي الفساد في العراق الى درجات مرعبة، فهو: ليس بـ"العياط" وحده نحارب الفساد. و"العياط" لفظة عراقية تعني الصراخ بقصد لفت الانظار.

لم يشهد تأريخ العراق تدهورا وانحدارا في مهاوي الفساد، مثلما شهدناه في عهد ديمقراطية الفساد التي بشرنا بها المرشد الأعلى وحاكم أميركا بوش الكبير عام 2003، ولم نحصد من عهود الديمقراطية سوى خيبات الأمل وضياع مستقبل البلد وإغراقه بفساد اداري ومالي، نهبت خلاله أموال البلد وهي بمئات المليارات! ولو اقتصر خراب البلد على اغراقه بثالوث الفساد لكان أهون لكن الذي خرب مع كل هذا النفوس والعباد.

ويرى المهتمون بعلوم السياسة إن اللجوء الى استخدام إسلوب العياط والصياح والتهديد والوعيد وبهذه الطريقة، يعني ان من يريد محاربة الفساد هو فارغ القوى ومحطم الإمكانات وليس لديه القدرة على حل رجل دجاجة كما يقال.

ويرى مهتمون بالشأن السياسي العراقي أن باشوات الفساد وسلاطين النهب هم في قمة السعادة الان، وهم يتصدرون المشهد السياسي، وهم إخطبوط رهيب يجثم على صدور العراقيين في مملكة الفساد أو جمهورية النهب والسلب، وهم قد ايقنوا أن العياط بهذه الطريقة يعني ان الدروب سالكة لهم، وبمقدور من في بطنه سخلة أن يهرب أو يشرد، واعتقد أن الكلمة الاخيرة هي الأصح لأن الهروب تعني ان يهرب بجلده أما الشرود فتعني ان يأخذ معه ما يشاء من مليارات ومستلزمات معيشة وعلى راحته، بل أن العياط والصراخ هما رسالة تطمين من أن رموز الفساد لن يطالهم العقاب، وإن الأمر مجرد زوبعة في فنجان كما يقال.

أما الدليل فهو كما يقول الفنان المصري الشهير عادل إمام: ألولو. أي انهم اخبروا من سيطالهم العقاب بضرورة السفر والإفلات في أقرب وقت. وهناك دول مجاورة قد وفرت لهم ملاذات آمنة لأن لديهم معها آلاف المشاريع وبالمليارات، ومن هناك سيقودون مهمة تخريب ثروات العراق، ونهب ما تبقى، وتسليم مقدرات البلد، لمن كانت لهم الغلبة في أن يتحكموا بمصيرنا، فهم من أصبحوا ولاة أمرنا وهم من يعقد عليهم الفاسدون الكبار الآمال في خراب بقية الديار.

لكن المشكلة أن شيوع لغة العياط والصراخ راحت تدوخ عقول العراقيين وتصدع رؤوسهم بكل هذا الصياح الصاخب، حتى ينطبق على هؤلاء مقولة "اسمه في الحصاد ومنجله مكسور". بل أن سيوفهم التي يشهرونها كل يوم ضد الفساد والفاسدين أصبحت صدئة وهي لا تعدو ان تكون سوى سيوفا من خشب.

وما علينا، بعد كل الذي جرى، وبعد إن عم اليأس والقنوط من محاربة الفساد والفاسدين، وبعد إن هدرت كرامة الاوطان إلا أن نردد: ليس بالعياط وحده يحيا الانسان!