ليبيا: مسلسل التعويضات بين الداخل والخارج

بقلم: غيداء التواتي

لا شك إن المتتبع لسلسلة التعويضات التي دفعتها ليبيا ولا زالت تدفعها لدول الغرب بمناسبة وبدون مناسبة يشعر بالحنق، حيث إن استنزاف أموال هذا البلد في هكذا أمور، بينما يعاني جُل مواطنيه من نقص حاد في أبسط مقومات الحياة الكريمة. وببحث سريع عن كمية التعويضات التي دفعتها ليبيا للغرب، نجد إن الدولة الليبية دفعت تعويضات تعتبر هائلة لضحايا طائرة البانام الأميركية بالرغم من إنكار ليبيا مسؤوليتها عن هذه الحادثة وإنها ليست لها علاقة بها، وإنها دفعت هذه التعويضات بدون أحكام قضائية صدرت ضدها، ومن طائرة البانام إلى تعويضات ضحايا عمليات الجيش الجمهوري الأيرلندي والتي صرح السيد سيف الإسلام سابقا إنه "لا تعويضات لهؤلاء الضحايا" ولا نعرف ما لذي جد على الساحة السياسية الدولية لتذعن ليبيا لمطالب الضحايا لدفع التعويضات بالكامل والتي يقال إنها وصلت لبلايين الدولارات.
رددت ليبيا دائما عبر قنواتها الرسمية إنها لا تتحمل المسؤولية القانونية، ولكنها تفعل ذلك كبادرة حسن نية للمجتمع الدولي، لن أتحدث عن تعويضات تفجيرات ملهى "لابيل" ببرلين عام 1986 التي بلغت 35 مليون دولار، ولن أتحدث عن التعويضات التي دفعت لضحايا الطائرة الفرنسية اوتا، أما الشرطية الانجليزية فلتشر فلازالت قضيتها تتداول عبر المحاكم، ولربما كان ثمنها يعادل ثمن 1000 مواطن ليبي!
ولن أتحدث عن أصوات أخرى تطالب بتعويضات حتى دأب بعض رسامي الكاريكاتير على التندر بمطالب التعويضات التي تلاحق ليبيا عبر سنوات طويلة برسومات أقل ما يقال عنها إنه مهينة في حق هذا ليبيا وقيادتها وشعبها، وما فاجئني منذ أيام هو ذاك الخبر من اليمن السعيد الذي يطالب بتعويضات عن 12 مليون لغم يُقال إن ليبيا زرعتها في اليمن إبان الصراع بين الشمال والجنوب، مما ينذر بالعديد من المطالبات لاحقا، وهنا تكمن إشكالية إذعان ليبيا لكل من يطالب بتعويض عن ضرر واستجابتها له وهذا والحق يقال يسبب استنزاف في ثروة الشعب الليبي والتي صارت تشكل عبء على المواطنين الذين يعانون من تأخر في المرتبات واستهانة بأبسط حقوقهم في معاش يتلاءم مع الغلاء الذي كسر ظهره وعجزه عن توفير الكثير من الضروريات.
لربما هذه سياسة ليبيا الخارجية التي بدأت بتغييرها منذ فترة حتى تندمج في المجتمع الدولي، ولكي تزال من قائمة الدول الإرهابية أو الداعمة للإرهاب، ولكن بالتوازي مع هذه السياسة لم يكن نهجها بالداخل عما هو عليه في الخارج، فأهالي ضحايا 1200 شاب ليبي قضوا بداخل سجن أبوسليم إبان اعتراضهم على سوء المعاملة والذين لا ينفكون عن التظاهر بداية كل أسبوع والتي تتفاوض معهم مؤسسة القذافي منذ زمن طويل دون أدنى تجاوب لمطالبهم المشروعة أو محاولة رفع سقف التعويضات لتوازي تعويضات ضحايا لوكربي مثلا.
فبمعادلة بسيطة نجد ان ثمن المواطن الليبي لا يساوي عُشر ثمن المواطن الأميركي أو الانجليزي، وتزايد تجاهل الدولة لمواطنيها في قضية أثارها العديد من الصحفيين ألا وهي قضية عائلة فرج احميد حيث قضى رب هذه الأسرة ما يقارب 23 عاما في السجن بسبب قضية لم يحظ فيها بمحاكمة عادلة، ويردد دائما إنه قد ظُلم وسجن جورا وعسفا، وطالب مرارا بإعادة فتح التحقيق وتقديم الجناة الحقيقيين للمحاكمة، ولم تنفك هذه الأسرة عن المطالبة بحقوقها كأسرة ليبية تعرضت لانتهاك حقوقها وحرق منزلهم وتعدي على أفراد الأسرة، بسبب عزمهم على المشاركة في اعتصام سلمي، فيما يعرف بقضية ميدان الشهداء.
الجدير بالذكر إنه حتى اللحظة لم تحظ هذه العائلة باعتذار من الأجهزة الأمنية أو تعويض عادل مما حذا بهم للمطالبة بسحب الجنسية الليبية منهم، تعبيرا عن شعورهم بالاضطهاد والظلم، ومن عائلة فرج احميد إلى مشاريع ليبيا الغد التي ضجت بها المدن مما حتم على السلطات إزالة بعض المباني ومسح مناطق سكنية بالكامل نال أصحابها تعويضا بخس لا يوازي ثمن سكن لائق لهم ينتقلون إليه، ولا تزال قضية سوق الثلاثاء تتداول أيضا حيث شُرد العديد من أصحاب الحرف والتجار من هذا السوق الذي أزيل بدون إيجاد أي بديل ورفضت الدولة تعويض المتضررين تعويضا عادلا، ومن ثم جاءت تداعيات قضية سوق الثلاثاء لتفرز قضية مصادرة أراضي في عين زارة للمنفعة العامة لغرض تعويض المتضررين من إزالة سوق الثلاثاء.
هكذا دأبت الدولة على تطبيق المثل الليبي الشهير "نحي من اللحية وحط في الشارب" والتي رفض أصحاب هذه الأراضي التخلي عنها بدون تعويض مناسب،ولا يخفى على الجميع مدى الانتهاكات التي تحدث على الأرض والتي أحيانا يضطر أصحابها للصمت وعدم المطالبة بحقوقهم خوفا من ملاحقتهم من قبل الأجهزة الأمنية.
و لن أتحدث عن مشاريع أقيمت على أنقاض منازل عُوض أصحابها تعويضات غير عادلة، ولن أتحدث عن قضية حقن أطفال بنغازي بالايدز والتي برأيي لم يتحصل فيها المتضررين عن تعويضات عادلة بمفهوم التعويض المتعارف عليه دوليا.
ولن أتحدث عن التعويضات الهزيلة والثمن البخس الذي دفع لأسر ضحايا الطائرة الليبية المنكوبة البونيغ 727 (ل-ن – 1103).
ولن أتحدث عن فاجعة ليبيا في طائرة الرحلة 114 في 21 فبراير 1973 والتي كان على متنها الشهيد صالج البويصير والتي أسقطت بصواريخ إسرائيلية والتي لم تطالب الدولة الليبية بفتح تحقيق دولي بخصوصها حتى هذه اللحظة مما يجعل العديد من الأسئلة المريبة تلوح في الأفق.
لن نتحدث عن الحصار وكم عانى هذا الشعب،وتحمل عبئا على كاهله بدون وجه حق، وكيف إن الدولة لم تقم بواجبها نحو مواطنيها وصمتت ولم ترفع قضايا تعويضات كبرى عما لحق بهم من فقر وجوع ومرض إبان تلك الفترة.
لقد لاحقت ليبيا ايطاليا لسنوات لدفع تعويضات، ولاحقت سويسرا لدفع تعويضات لكن لماذا لم تقم هي بواجبها نحو مواطنيها وتعوضهم عن أي أذى لحق بهم وتسوي ملفاتها الداخلية؟ ولماذا دائما كان المدفوع لليبيا أقل مما تعطيه؟ ولماذا كان ثمن المواطن الليبي بخسا لهذه الدرجة؟ ولماذا تتجاهل الدولة أصوات المطالبين بالتعويضات في الداخل؟ وهي تعي تماما شعورهم بالظلم والغبن والذي سوف يزداد يوما بعد يوم ويتوارث لأجيال، مما ينذر بانفجار الوضع الداخلي يوما ما، كل هذه التساؤلات تحتاج إلى إجابة بالتأكيد ليست مني أو منكم بل من ولاة الأمر في الجماهيرية السعيدة، وحتى ذاك الوقت احتفظ لنفسي بمطالبتي بتعويضات سوف أطالب به يوما ما عن أضرار نفسية لحقت بي لأسباب قد أكشف عنها يوما ما، وتعويضات عن ملاحقة أحد أفراد أسرتي ظلما بسبب صلاته فجرا ببيوت الله.
حتى ذاك الوقت ليس لنا سوى القول إن على الدولة الليبية ان تضع حدا لمهازل مطالبات التعويضات التي تخرج علينا بها وسائل الغرب بين يوم وآخر، حتى بتنا مضربا للمثل في الإعلام الدولي تهكما وسخرية،و علي الدولة الليبية إن حقا كما تتدعي إن السلطة في يد الشعب أن لا تصرف دولارا واحدا إلا بتوقيع 6 مليون ليبي، والتوقف عن التصرف اللا مسئول بأموال الشعب، لأنها ليست ملكا لهم وحدهم، وأن تلتفت لأوضاع البلد الداخلية المزرية من تدني مستويات المعيشة والفقر والدعارة والبطالة التي أصبحت وباء لا ينكره أحدا يتابع الوضع عن كثب في نهاية مقالي هذا لا يسعني سوى القول وباللهجة الليبية الصرفة "يعوض علينا الله" يا ليبيا. غيداء التواتي