ليبيا: ليس هكذا تورد الإبل يا سيدي المقريف

بقلم: عبد الكريم رضا بن يخلف

لقد كانت ليبيا يوم الثلاثاء 11 أيلول/سبتمبر 2012 مسرحا لجريمة نكراء، واغتيال فظيع لأربعة دبلوماسيين أميركيين من بينهم السفير السيد كريس ستيفنز. للتذكير، دبلوماسيون لم يدخلوا إلى ليبيا خلسة من النوافذ، أو عنوة من الأبواب، لقد نزلوا ضيوفا على الشعب الليبي، وقد أعطاهم الأمان، فهل هكذا يعامل الضيف اليوم في خيم العرب؟ نحن نعتز بكل "مجاهد حقيقي" يحارب ضد من سلبه أرضه، ومجده، وسرق حريته، وسلبه إنسانيته، يعرف حدود الله فلا يتعداها، ولا يخلط بين مزاجه الأرعن وبين الغضبة لله.

حقيقة أن ما سببه ذاك الفيلم الهابط، وذاك المشروع الساقط من إساءة للإسلام وسيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، من مشاعر الغضب والتنديد لدى كافة الأمة العربية والإسلامية وحتى الأمم الأخرى المحبة للإنسانية والسلام والعيش المشترك، ولا أشك لحظة أن السفير كان واحدا ممن آلمه ما حدث، ونتساءل كيف لسنوات من محاولات بناء الثقة وتشييد الأواصر تستطيع أياد عابثة وألسن ناقمة أن تفسدها وترميها في أدراج الرياح؟

لقد سارعت الإدارة الأميركية رغم الفاجعة، على عدم تحميل الشعب الليبي أو حكومته الجديدة المسؤولية على الاغتيالات الجبانة، فلقد صرح الرئيس أوباما ملء فيه: "الهجوم الدموي الذي استهدف القنصلية الأميركية في بنغازي لا يمثل منحى الشعب الليبي تجاه أميركا ". ونحن جميعا نشاطرهم الرأي أن الليبيين من الضيافة والكرم والشهامة والرزانة، ما لا يمكن بحال أن ترتكب جرائم مثل هذه باسمه، كما أنه من الغباء السياسي، والحيف الخلقي تحميل حكومة فتية جديدة في أجواء غير ملائمة على عملها، المسؤولية في ما وقع.

لسنا نحمل الحكومة الليبية المسؤولية، لأننا نلتمس لها الأعذار، فنحن مأمورون أن نلتمس لإخواننا سبعين عذرا أو يزيدون، وبينما نحن كذلك، فوجئنا بتصريح للسيد المقريف لشبكة سي بي سي الأميركية يقول فيه: "إن العملية الإجرامية، خطط لها بالتأكيد، وخطط لها أجانب وأشخاص دخلوا البلاد قبل بضعة أشهر، وخططوا لهذا العمل الإجرامي منذ وصولهم للبلاد، ويتعلق الأمر بعناصر دخلت من الجزائر وأخرى من مالي ومن مناطق أخرى، مع مساعدة بعض الليبيين لهم". هل ليبيا صارت بمنأى عن التطرف؟ هل الليبيون قد اخترعوا لقاحا ضد التطرف يطعمون به أطفالهم، نحن والعالم نجهله؟ هل "الليبي المتطرف" وصف لشيء انقرض لا يمكن تواجده، فيؤتى "بالمتطرف الجزائري" و"المتطرف المالي"؟ نحن نقدر كلمات الشكر والحمد للإدارة الأميركية على "المجهودات الجبارة" التي قدمتها للشعب الليبي في سبيل حريته، كما أننا نتفهم نوعا من البرودة في العلاقات بين ليبيا والجزائر لأسباب حقيقية، أو إلى سوء تفاهمات أو تقدير، الذي لا نفهمه أو نقدره، هو هذا الإستغباء السياسي، والعمى التحليلي، والبلادة الإستقرائية.

لا شك أن التطرف ليس له بلد، ولا جنس ولا دين، والحمق والبلادة أيضا، ولم نرَ أكثر جواب منطقي، وأفقه تحليل للوضع مثلما قالته سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى الأمم المتحدة، السيدة سوزان رايس: "المعلومات الأولية تشير إلى أن الهجوم على القنصلية لم يكن مدبرا...لا شك أنه مثلما شهدناه في أشياء مثل آيات شيطانية، والرسوم المسيئة للنبي محمد، تكون هناك أمور تثير مشاعر الحنق والغضب، وقد كان هذا هو السبب التقريبي لما وقع".

قبل 11 أيلول شهد الصديق قبل العدو، وأهل البيت قبل الأجنبي كيف أن ليبيا صارت تتحكم فيها ميليشيات مسلحة، وتنظيمات عسكرية موازية، شهدوا كيف هدمت مساجد وزوايا وانتهكت مقابر ودوست حرمات وقتل أبرياء، كيف صار كل بيت ليبي يزخر بالسلاح، وصارت غلمان مسلحة تهين كبرياء الليبيين تارة باسم الثورة وتارة باسم الإسلام، اللهم إلا إن طلع علينا السيد المقريفي أن هذه المجموعات الليبية تقودها وتسيرها عقول جزائرية، أو سعودية، أو مالية.

إن بداية حل الإشكال الليبي، هو وجود المشخص الماهر، والتشخيص الصائب لمعرفة سبب الداء، فيبحث عن الدواء، وإلا الأمر لن يتعدى أن يكون سلوكا لطريق مسدود، ومضيعة للوقت، وتمديدا للأزمة. حفظ الله ليبيا من أصدقائها قبل أعدائها.

عبد الكريم رضا بن يخلف

كاتب صحفي

Amidz29@yahoo.fr