ليبيا تستقبل العام القادم على وقع الأزمات

مشهد يومي في كبرى المدن

طرابلس ـ يودع الليبيون عام 2014 على وقع أزمة هي الأسوأ منذ الاطاحة بنظام معمر القذافي في عام 2011.

وبعد أكثر منذ ثلاث سنوات على سقوط حكم دام 42 عاما ، باتت ليبيا أكثر انقساما بين حكومتين وبرلمانين يتنازعان على الشرعية ما يهدد البلاد بالانزلاق في حرب أهلية دون أن تلوح في الأفق بوادر حلول او انفراج.

وتواجه ليبيا منذ ثلاث سنوات دوامة من الفوضى والانفلات الأمني رغم العمليات الانتخابية التي شهدتها البلاد على أمل ترسيخ مؤسسات دولة جديدة تقطع مع حكم الفرد الواحد.

ويرى محللون ان الأزمات باتت تعصف بليبيا في غياب عقل سياسي يخلص ليبيا من مستنقع الفوضى الذي علقت فيه.

وطالت الازمات المواطن الليبي رغم الثروات النفطية التي يمكن ان توفر العيش الكريم لكافة الشعب كا يمكنها ان تحقق الازدهار للبلاد في ظل استقرار سياسي وامني.

وحرم الاقتتال بين الميليشيات والتنازع على السلطة الى حرمان الشعب الليبي من حلم كان يراودهم ابان الثورة بان تصبح بلادهم الغنية بالنفط بمنزلة دبي جديدة، وصاروا اليوم يتمنون بعض الاستقرار حتى لا تصبح ليبيا "صومال" المغرب العربي.

وبات هاجس الخوف من امكانية تكرار سيناريو الصومال أو العراق يسيطر على الليبيين.

وبعد رحيل القذافي، كلفت السلطات الانتقالية الثوار السابقين الذين شاركوا في اسقاط النظام القديم بتامين الأمن والاستقرار.

وشكل هؤلاء عشرات الميليشيات على أسس قبلية، ولم يتردد هؤلاء في مواجهة الدولة حين حاولت ان تمس مصالحهم، ما اوقع البلاد في بؤرة توتر ومواجهات عطلت بناء المؤسسات في البلاد وتأهيل الجيش والشرطة.

ورغم ان المنطقة الشرقية تعتبر الأكثر اضطرابا وخاصة بنغازي انتقل الاشتباكات قبل ايام الى المنطقة الغربية على الحدود التونسية الليبية قرب بوابة راس جدير.

وتبدو السلطات عاجزة حتى الآن على مقاومة تنامي الجماعات المتطرفة والحد من موجة اغتيالات العناصر أمنية والجيش والاعتداءات على مصالح وممثليات دبلوماسية غربية ومحلية.

وسيطرت الميليشيات الاسلامية بينها متشددون في جماعة (أنصار الشريعة) التي وضعها مجلس الأمن على لائحته السوداء الخاصة بالإرهاب على بنغازي التي هجرها التمثيل الديبلوماسي.

وأمام هشاشة الحكومة الانتقالية، حاول اللواء خليفة حفتر استعادة المنطقة الشرقية، وشن هجوما في مايو/ايار على الميليشيات الإسلامية، واتهمته السلطات الانتقالية حينها بمحاولة "انقلاب" لكنها غيرت موقفها لاسيما بعد أن نال تأييد عدة وحدات من الجيش ومواطنين.

وفي طرابلس ، تفرض مجموعة من المليشيات وخصوصا الإسلامية منها المنحدرة أغلبها من مدينة مصراتة سيطرتها على العاصمة العاصمة منذ اغسطس/اب.

واضطرت حكومة عبدالله الثني والبرلمان اللذان تعترف بهما الأسرة الدولية إلى الانتقال إلى أقصى الشرق الليبي الخاضع لسيطرة قوات حفتر، وسط منازعات سياسية وغياب خارطة طريق واضحة زادت من عدم الاستقرار.

ويتخذ مجلس النواب الذي تعترف به المجموعة الدولية ويهيمن عليه النواب الرافضون للتيارات الاسلامية، من طبرق في اقصى شرق ليبيا مقرا له.

واتهم نواب إسلاميون قاطعوا مجلس النواب، البرلمان الجديد بتجاوز صلاحياته من خلال الدعوة في أغسطس/اب الى تدخل أجنبي لحماية المدنيين بعد سيطرة تحالف "فجر ليبيا" على العاصمة.

ويؤيد معظم النواب الذين قاطعوا مجلس النواب "فجر ليبيا" الذي شكل حكومة موازية متعاطفة مع الاسلاميين برئاسة عمر الحاسي ، وأعاد إحياء المؤتمر الوطني العام الذي انتهت ولايته من حيث المبدأ مع انتخاب مجلس نواب جديد في ثاني انتخابات حرة بعد القذافي.

وقضت المحكمة الدستورية مطلع شهر نوفمبر/تشرين الثاني ببطلان تعديل دستوري أدى لانتخاب البرلمان المعترف به من الأسرة الدولية، ما زاد من تعميق المشكلة ووضع المجتمع الدولي في حرج ، كما وضع البلد أمام حكومتين وبرلمانين يتنازعان الشرعية على السلطة.

وحصد القتال الدائر في ليبيا منذ مطلع العام الى ازهاق أرواح أكثر من ألف شخص، فيما تسبب المشهد المتردي في نزوح أكثر من 100 ألف من بيوته، واجلاء الدول الغربية رعاياها وإغلاق سفاراتها ما تسبب بتفاقم عزلة البلاد الغارقة في الفوضى.

واعتبر المحلل سالم العقوري ان مدينة مصراتة رغم الدور الذي لعبته خلال ثورة 2011 على القذافي كونها كانت الشوكة التي علقت في حلق النظام وحالت دون تقسيم البلد، إلا أن ثلة من أبنائها غير الأسوياء يمارسون الآن دورا من شأنه أن يمزق ليبيا إلى دويلات ويدخلها في أتون حرب أهلية طويلة.

وأشار العقوري إلى أن محسوبين على هذه المدينة وإن كانوا كثرة، يمارسون دور "شرطي ليبيا" وكأنهم الوحيدون الأحق بالبلد وثرواتها ومن ثم يحق لهم وحدهم دون غيرهم حكم الليبيين بعيدا عن التداول السلمي للسلطة.

ولفت إلى أن هؤلاء سرعان ما يقذفون خصومهم بتهمة مناصرة النظام السابق ويهاجمونه بالترسانة التي تحصلوا عليها خلال الحرب على القذافي.

وضمن المشهد الليبي المضطرب، شكل الجنوب مسرحا لاشتباكات قبلية تدور بانتظام، كجزء من الصراع على السلطة والحرب من أجل السيطرة على التهريب في الصحراء، إضافة إلى تصفية حسابات قديمة.

وفي خضم الازمة المتفاقمة ، تبددت آمال الازدهار الاقتصادي والتحول الديموقراطي السلمي في هذا البلد الغني بالنفط، حيث يتم تدمير ما تبقى من مؤسسات هشة وبنى تحية متهالكة أصلا بسبب القتال.

ومع استمرار الفوضى والصراع ، تنتاب بعض الليبيين نظرة تشاؤمية حيال تحسن الأوضاع في بلدهم لدرجة جعلتهم يشعرون بالحنين لأيام النظام السابق.

ويقول الخبراء ان الأمر الأصعب على البلاد ، هو ان تنظيم "الدولة الاسلامية" ذا الايدولوجية المتطرفة بات يجتذب العديد من المؤيدين وخصوصا الشباب، إذ اصبحت مدينة درنة 'شرق' التي تحولت الى "امارة اسلامية" اول موطىء قدم له في ليبيا ومعقلا لانصاره.

ويزداد خطر ميليشيات "فجر ليبيا" المتطرفة بعد اعلان جماعات اسلامية في المنطقة تأييدها لتنظيم "الدولة الاسلامية" من بينها جماعة "جند الخلافة" في الجزائر و"انصار بيت المقدس" في مصر.