ليبيا تتسلم 'صندوق أسرار' القذافي من موريتانيا

ماهو المقابل؟

نواكشوط ـ أعلن مساعد النائب العام في ليبيا ان رئيس جهاز الاستخبارات الليبي السابق عبد الله السنوسي الملاحق من المحكمة الجنائية الدولية، سلم الاربعاء إلى مكتب النائب العام في طرابلس.

وقال مساعد النائب العام الليبي طه بعرة "نؤكد انه تم تسليم عبد الله السنوسي الى ليبيا. وقبل دقائق تم تسليمه الى مكتب النائب العام. وستجرى له فحوص طبية روتينية يبدأ بعدها استجوابه مباشرة. وسنقرر لاحقا مصيره".

وكانت موريتانيا قد سلمت عبد الله السنوسي إلى السلطات الليبية في وقت متأخر الثلاثاء. وقالت إذاعة موريتانيا إن السلطات الموريتانية سلمت السنوسي إلى الحكومة الليبية إلى وفد ليبي خاص على رأسه وزيرا العدل والداخلية، كان قد وصل إلى العاصمة نواكشوط الثلاثاء.

وأفادت مصادر مطلعة أن طائرة خاصة ليبية نقلت السنوسي والوفد الذي تسلمه من العاصمة نواكشوط إلى العاصمة الليبية طرابلس.

وصرح مسؤول موريتاني الاربعاء أن عبد الله السنوسي "غادر فعلا موريتانيا". وقال هذا المسؤول الذي طلب عدم كشف هويته "لقد غادر فعلا موريتانيا"، مؤكدا إن "كل الاجراءات القانونية المتعلقة بتسليمه احترمت وكل الضمانات المطلوبة اعطيت من الحكومة الليبية".

واعتقلت موريتانيا السنوسي في مارس/ آذار الماضي بعد أن حاول دخول الأراضي الموريتانية بجواز سفر مالي مزور قادما من الأراضي المغربية.

ويعتبر عبدالله السنوسي ثاني أقوى شخصية في نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي تتسلمها السلطات الليبية من بين عدد كبير من الرموز الليبية التي فرت من البلاد غداة الثورة الليبية التي أسقطت القذافي في 2011 بمعاونة حلف شمال الأطلسي.

وكان السنوسي احد أعمدة نظام معمر القذافي واحد ابرز منفذي سياسته القمعية اثناء الانتفاضة الشعبية ضده في 2011.

والعقيد عبد الله السنوسي (62 عاما) زوج اخت صفية فركاش الزوجة الثانية للزعيم الليبي الراحل، كان ضمن الدائرة المقربة جدا من القذافي وادار لفترة طويلة جدا الاستخبارات العسكرية الليبية "احد اجهزة النظام القمعية الاكثر قوة وفاعلية"، بحسب تعبير المحكمة الجنائية الدولية.

وقبل أسابيع من بداية الثورة على القذافي في شباط/فبراير 2011، أعلنت حركة التمرد إقالة السنوسي غير أنه لم يتم تاكيد الخبر من النظام حينها.

ولم تعرف تحركاته بين ظهوره العلني الاخير في 21 آب/اغسطس 2011 يوم دخول الثوار العاصمة الليبية بعيد قصف مقر اقامته في طرابلس في غارة للحلف الأطلسي، واعتقاله في موريتانيا في آذار/مارس 2012.

ففي 21 آب/اغسطس 2011، قدم السنوسي للتحدث الى الصحافيين الأجانب في فندق ريكسوس واتهم حينها "المخابرات الغربية والحلف الأطلسي بالعمل جنبا إلى جنب مع تنظيم القاعدة لتدمير ليبيا" مؤكدا ان "ليبيا لن تحكمها عصابات إرهابية".

أما ما قام به بعد ذلك فيبقى غير مؤكد. ففي تشرين الاول/اكتوبر قالت مصادر أمنية نيجرية ومالية إنه دخل من النيجر إلى مالي مع عدد قليل من رجاله.

وفي تشرين الثاني/ اعلنت السلطات الليبية اعتقاله في منطقة سبها جنوب ليبيا حيث معقل قبيلة المقارحة النافذة. غير أنها تراجعت عن هذا الإعلان لاحقا.

لكن المؤكد حسب مصادر موريتانية عدة انه دخل الى موريتانيا بجواز سفر مالي وهوية مزورة واعتقل ليل 16 الى 17 آذار/مارس في مطار نواكشوط عند وصوله من المغرب.

والسنوسي موضع مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية منذ 27 حزيران/يونيو 2011 بتهمة القيام "من خلال جهاز الدولة الليبية وقوات الامن الليبية" بارتكاب "مجازر وعمليات تنكيل بحق مدنيين تشكل جرائم ضد الانسانية" منذ بداية الثورة وخصوصا في طرابلس وبنغازي ومصراته اكبر مدن ليبيا.

وجاء في مذكرة التوقيف "هناك اسباب معقولة للاعتقاد انه بين 15 شباط/فبراير 2011 و20 شباط/فبراير 2011 على الاقل وخصوصا في بنغازي، كان الأهالي المدنيون ضحية اعمال لا انسانية ارتكبتها قوات الامن بامرة عبد الله السنوسي".

وطالبت فرنسا بدورها السلطات الموريتانية بتسليمها السنوسي لمحاكمته بتهم تتعلق بتفجير طائرة فرنسية في نيجيريا سنة 1989 أسفر عن مقتل 170 شخصا، بينهم 54 فرنسيا.

وكان السنوسي اختفى منذ سقوط طرابلس في أغسطس 2011، وخرج من ليبيا في رحلة قادته إلى دول أفريقية عديدة متخفيا بجواز سفر مالي مزور إلى أن ألقي عليه القبض في موريتانيا.

وذكرت مصادر مطلعة اثناء القبض عليه، ان السنوسي وقع في فخ موريتانس فرنسي قاده إلى هناك قبل ان يقبض عليه.

وقالت المصادر عن السنوسي الذي كان يحتفظ بعلاقة قوية مع مسؤولين موريتانيين منذ الأزمة التي عاشتها موريتانيا بعد الإطاحة بنظام سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، وتدخل القذافي كوسيط في حلها، اتصل بشخصية موريتانية كانت تشغل منصبا حساسا، طالبا منها مساعدته لاسترجاع ودائع أسرة القذافي الموجودة في موريتانيا.

وأكدت المصادر أن هذه الشخصية ساعدت على استدراج السنوسي، وقدمت له كافة الضمانات والتطمينات بشأن عدم اعتقاله في موريتانيا، كما شجعه على السفر إلى هناك أن النظام في نواكشوط كان مساندا لنظام القذافي حتى سقوط طرابلس.

وحسب مصادر متطابقة فإن السلطات الموريتانية أبلغت نظيرتها الفرنسية عن اتصال السنوسي بها، فشجعتها على استدراجه، وأعلن مكتب الرئيس الفرنسي ساركوزي، أن اعتقال السنوسي جاء نتيجة لجهود مشتركة بين السلطات الفرنسية والموريتانية، مؤكدا أن السلطات الليبية كانت على علم بتلك الجهود.

ويطرح تسليم السلطات الموريتانية أكثر من سؤال بخصوص الدوافع التي جعلت السلطات الموريتانية تسلم السنوسي إلى طرابلس دون غيره. وهل إن نواكشوط استسلمت في النهاية لضغوطات ليبية من أي نوع؟

ومنذ توقيفه، تطالب ليبيا باسترداده وتعد بتأمين محاكمة عادلة له امام القضاء الليبي. الا ان السلطات الموريتانية اكدت حتى تسليمه الاربعاء، انه سيحاكم امام قضائها قبل اي اصدار اي قرار بتسليمه.

وصرح الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز في السادس من آب/اغسطس انه "ينبغي محاكمته في موريتانيا" قبل اتخاذ قرار حول امكانية ترحيله.

وقال ان "السنوسي لديه مشاكل مع القضاء في موريتانيا، وينبغي محاكمته لدخوله البلاد بهوية مزورة". وأضاف "جواز السفر الذي دخل به السنوسي الى موريتانيا ليس مزورا لكنه يذكر انه مالي الجنسية مع اسم مزيف، لذلك ينبغي ان يحاكمه القضاء الموريتاني". لكن كل ذلك لم يحصل قبل تسليمه لسلطات بلاده.

وكانت ليبيا قد تسلمت البغدادي المحمودي من السلطات التونسية. وتزامن ذلك مع تسريبات عن تسلم تونس لعائدات مالية ضخمة مقابل تسليمه واتفاقات بتعاون اقتصادي كبير، بل إن وزير المالية التونسي المستقيل حسين الديماسي قال إن تسليم المحمودي تم في إطار صفقة بين البلدين.

وتلقت نواكشوط دعما سخيا من نظام القذافي خاصة في سنوات حكمه الأخيرة ووقعت ليبيا القذافي مع موريتانيا اتفاقات تشمل استثمارات تقوم بها الشركة الليبية للاستثمارات الإفريقية، على مدى 12 سنة قابلة للتجديد في عدة مجالات من بينها، الزراعة والصيد والعقارات والتعليم. كما تضمن الاتفاق استصلاح مائة ألف هكتار للزراعة على ضفة نهر السنغال وبناء مصنع للألبان تكلفته 6 ملايين دولار وإقامة مسلخة عصرية في نواكشوط.

ويقول مراقبون إن أمل نواكشوط في إحياء هذه الاتفاقات قد يكون وراء تسليم السنوسي إلى طرابلس.

وحذرت ليبيا مرارا، من أن مستقبل علاقاتها مع موريتانيا مرهون بقرار نواكشوط المتعلق بتسليم المسؤول السابق في نظام معمر القذافي عبد الله السنوسي المعتقل لديها منذ آذار/ مارس الماضي.

وفي مايو/ ايار الماضي، قال مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي الذي كان حكم ليبيا ما بعد القذافي وإلى حدود تنظيم الانتخابات البرلمانية في يوليو/ حزيران الماضي، "ما قد يتخده الأخوة في موريتانيا من قرار تجاه عبدالله السنوسي سيكون أساسا لعلاقات مستقبلية بين ليبيا وموريتانيا".

وتتهم طرابلس رئيس جهاز الاستخبارات الليبي سابقا بالوقوف وراء مجزرة سجن بوسليم في طرابلس في 1996 والتي قتل فيها اكثر من 1200 سجين. وتقول إن "الأدلة والشواهد كلها الموجودة لدينا تشير إلى أنه من نفذها".