ليبيا بين صراع الديادوخا والمطالبة بسن دستور

بقلم: د. عامر رمضان أبوضاوية

Claqueur كلمة عرفها الغرب قبل أن يعرفها العرب وتعني هتافاً مستأجراً.
هذه الكلمة تلاشت واندثرت من الفكر السياسي الغربي، بينما عندنا نحن العرب مازالت متداولة ولها دلالات أبعد Claque وتعني البطانة الساعية إلى تمديد عمر النظم السياسية العربية القائمة.
معنى هتاف لا يقتصر فقط على من يصفق ويردد العبارات المؤيدة للحاكم بقدر ما يعني سلوكاً انتهازياً لمجموعة من المتملقين النفعيين، كالمجموعة التي ذكرها البارئ سبحانه وتعالى في قوله: "فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى"، والذين أسرو النجوى هم سحرة فرعون، ممن يسوغون سلوكهم الانتفاعي بقول القائل "للضرورة أحكام". هذا الصنف من السحرة، أي الهتافين، ينطبق على كثير من أساتذة العلوم السياسية في الوطن العربي، الذين يحللون "مضامين الحياة السياسية" في البلاد العربية على منهجية "خطب الجمعة" الموجهة من قبل الحكومات العربية.

الدراسة والبحث وفي ليبيا بالذات يجري الآن هذا النوع من التحليل السياسي المعروف بتحليل المضمون، كتحليل مضمـون خطـاب العقيـد معمـر القـذافي فـي لقـاءه بأمناء اللجان الشعبية للجامعات الليبية (وزارة التعليم العالي) بتاريخ 14/3/2008.
هذا الخطاب لم يكن خطاباً روتينياً في مناسبة وطنية أو لقاء عادياً بالقيادات الأكاديمية في ليبيا، وإنما كان محض حدث، أي باللغة السياسية: "فعل سياسي" ومن ثم يجدر به أن يكون محل تحليل، والفعل السياسي يشترط أولا تحليل دوافعه.
يوم 2 مارس حصل م احصل في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الشعب العام وقال العقيد كلمته المتلفزة والتي مفادها:
الاعتراف الواضح والصريح بالفشل الكامل في إدارة البلاد من قبل القائمين على أدوات السلطة الشعبية.
ثم توجه فيما بعد إلى القائمين على إدارة الجامعات الليبية... هذه خطوة ترميزية، هذه رسالة مفادها: الآن مطلوب دور أهل الرؤية الواضحة، الذين لا يدافعون عن امتيازاتهم بقدر ما يدافعون عن مواقفهم.
ومن ثم نتساءل ما الذي دفع العقيد معمر القذافي إلى اتخاذ هذا الموقف؟ وفي هذا الوقت بالذات؟
أولاً من حيث المُّتلقي للخطاب:
فاستبدال جمهرة المعينين لإدارة الجامعات الليبية بجمهرة المصعدين في مؤتمر الشعب العام لم تكن عملية موفقة، لماذا؟
لأن كليهما إفراز بوتقة واحدة، ألا وهي بوتقة الفرز الفئوي الانتفاعي والتصنيف غير الموضوعي للقائمين على مكتب الاتصال باللجان الثورية.
أما من حيث الدوافع، فدوافع العقيد معمر القذافي لهذه الوقفة الجادة فتتمثل في الدعوة إلى إعادة النظر في مفهوم الجماعة.
الجمـاعة الحـرة التـي تخـلق أفراداً أحراراً، سلوكاً وفكراً ووجداناً، وهي الجماعة التي يدعو لها العقيد معمر القذافي على الدوام.
وإذا ما انطلقنا من هذه الرؤية فيجب علينا أن نحدد الحالة النفسية التي وصلت إليها الجماعة الليبية، بمعنى الشعب الليبي.
وهنا يبرز السؤال: من المسئول عن الحالة المتدهورة التي وصلنا إليها؟
في تقديري المسئولية تقع على عاتق الجماعة الحاكمة في ليبيا والتي لم يعد يروق لها ما يطرحه العقيد معمر القذافي.
فوجهة النظر الثورية للعقيد معمر القذافي في مفهوم الديمقراطية السياسية قائمة على أمرين:
الأمر الأول:
• إذابة الحواجز السياسية تبعاً لإزالة أسباب التصادم الاجتماعي.
الأمر الثاني:
• التحالف السياسي تبعاً لتحالف القوى الاجتماعية، كبديل للتصادم الطبقي المؤدي إلى التصادم السياسي.
إذاً المرتكز الفكري لهذه الوقفة (أي الخطاب) من قبل العقيد معمر القذافي يتمثل في إعادة النظر في مفهوم "التحالف السياسي الجماهيري" بديلاً لتحالف ما قبل الثورة، الذي استأثر بالسلطة السياسية وسخرها لمصالحه على حساب الجماهير.
فالجماعة الحاكمة في ليبيا اليوم استأثرت بالسلطة السياسية مجدداً وسخرتها لمصالحها على حساب الجماهير.
هذا الواقع لم يكشف عنه من قبل الثوريين ولا من قبل فرق القوافل الثورية ولا من قبل أهل الثقة ولا من قبل أهل الحظوة وإنما من قبل مؤثر خارجي.
من قبل مايكل بورتر ودانيل يورقن في تقريرهما عن التنافسية الاقتصادية الهابطة في ليبيا، التقرير الذي كُشف فيه عن وجود مليون فقير في بلد نفطي صغير.
ثم لحق بهما فرانسيس فاكوياما وتوني قدنز واستمر تدفق هؤلاء ومن على شاكلتهم بهدف إحداث حالة من الميول النفسية التنازلية في موقف العقيد معمر القافي.
وهذا يذكرنا بعملية جلب صنف آخر من المفكرين أمثال نديم البيطار، الذي شَّرع للجماعة الثورية العنف الثوري، وشرعت هذه الجماعة في ممارسة مهامها الثورية إلى أن أصبحت جماعة حاكمة.
جاء هذا التشريع الثوري في النص القائل: بأن هناك علاقة وثيقة وأحياناً شرطية بين الثورات من ناحية والقتل من ناحية أخرى لكي تغير الثورة الأوضاع السائدة.
طبعاً في علم الثورات وما جاء في أدبيات الفقه الثوري وأخص بالذكر كتابات حنا آرنت نجد إن هذه الفرضية مزورة.
هناك علاقة وثيقة وأحياناً شرطية بين الثورات من ناحية والحروب من الناحية الثانية (وليس القتل) أي تأتي الثورة لكي تغير الأوضاع السائدة وتسبب خلق اضطرابات سياسية واسعة وتشكل في سياق بروزها وتطورها تهديدات عسكرية وعقائدية للعديد من الدول وخاصة القريبة والمجاورة كالثورة الفرنسية والثورة الأمريكية والثورة الروسية والثورة الصينية والثورة الإيرانية.
وها نحن نعيش الاضطرابات السياسية الواسعة التي خلقتها الثورة الإيرانية وردود الأفعال المتباينة وما تشكله من تهديدات حقيقية لكل الدول المجاورة وحتى غير المجاورة.
هذا فيما يخص نجاح الثورات الكبرى أما فيما يخص فشل الثورات بشكل عام فمرده إلى احتكار مقومات القوة الدافعة للثورة.
وقياساً على ذلك بالثورة الليبية، نجد أن القوة الدافعة للثورة الليبية تمثلت في عنصرين:
العنصر الأول: وطنية مُفجري ثورة الفاتح: الضباط الوحدويين الأحرار قوة وطنية دافعة.
والعنصر الثاني: إقتناع كل الليبيين بضرورة التغيير (عدا شريحة قليلة كانت مستفيدة من الفساد الإداري للنظام الملكي المباد).
لذا سُمي تحرك الضباط الوحدويين الأحرار بالشرارة الأولى، الشرارة التي سرعان ما تحولت إلى ثورة شعبية عفوية وحقيقية، حققت الإجماع ومثلت القوة القاعدية الشاملة.
وهنا، تجدر الإشارة إلى انه لم يخطر ببال الجيل الثائر في ذلك الوقت - الجيل الذي أخذ على عاتقه تحريض الشعب الليبي ضد مفاسد النظام الملكي- الاستفسار عن مجيء هؤلاء الضباط الوحدويين الأحرار لأنه لم يكن من كان يركز منهم على (إنه قحصي أو إنه جنزوري أو إنه صرماني أوإنه غرباوي أو إنه شرقاوي).
هـذه القـوة الوطنية القيادية الدافعة وهذه القوة القاعدية الشاملة تراخت عُراها نتيجة بزوغ معاول هدم:
أهل الثقة، وأهل الحظوة، والمتنفذون في تنظيم حركة اللجان الثورية، والمستفيدون من ما يعرف بالثورة الطلابية والرفاق ومواليد 1969.
هذه معاول هدم ساهمت في احتكار مقومات القوة المعنوية الدافعة للثورة الليبية والتي سرعان ما فُرغ محتواها وتحولت إلى مقومات مادية إستدراجية لتقوية مواقف القوى المتصارعة على السلطة السياسية بداية بالصراع بين شكلين من تفسير الأشياء المتمثل في المنهج الأسطوري عند المحافظين والفكر التحليلي عند الإصلاحيين كاختلاف رؤى الضباط الوحدويين الأحرار في تنفيذ المهام الوظيفية بعد قيام الثورة الليبية، والصراع بين الجيل الثائر والجيل المثور الذي نتج عنه إحلال التلاحم المحلي للقبيلة بدل التلاحم الوطني وأخيراً صراع الديادوخا (Diadoche) المعروف بصراع خَلَف الاسكندر وكلها صراعات منبثقة عن اللهث وراء بؤرة السلطة السياسية (أداة الحكم).
وبناءً عليه نرى ان خطاب العقيد معمر يأتي في شكل دعوى لذوي المواقف الواضحة ومحاولة لاستبعاد رموز شبح الخوف، حتى يتحول الشعب الليبي من حالة الخوف إلى حالة اللاخوف، كشرط أساسي لقيام الجماعة الحرة.
الجماعة الحاكمة التي ستدافع وبكل شراسة على مواقعها المتقدمة من خلال الاستمرار في تكريس عامل الخوف في الداخل، وقد أعلنت إحدى لجانها المشكلة بأنها أفرغت من إعداد هيكلية جهاز الدولة!
مصدقاً لقوله تعالى في كتابه العزيز "فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى".
ياله من تشابه في المواقف بين سحرة فرعون وائتلاف المنتفعين بأمانة مؤتمر الشعب العام وأعضاء اللجنة الشعبية العامة (الوزراء) حيث أعلن هذا الائتلاف الانتفاعي في عجالة عن ولادة جهاز دولة!
أي جهاز؟ جهاز دولتهم هم؟ أم جهاز دولة الشعب الليبي؟
إن تنظيم الأجهزة الإدارية له مرجعيات ونظريات معتمدة من قبل علماء الإدارة والسياسة، وعلماء القانون، والاجتماع ونظريات كلاسيكية وأخرى متطورة من منطلق المفهوم الحديث للتنظيم وأخص بالذكر هنا نظريات التطوير الإداري، كالنظرية التجميعية التي تنسب إلى جيمس تومبسون أستاذ الإدارة والاجتماع بجامعة انديانا بالولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتبر خلاصة لجهد كبير وعلى مدى زمني طويل قام به لتجميع وتشكيل نظرية في التنظيم تستفيد من كل ما سبقه من أفكار ونظريات.
أهم عناصر هذه النظرية (لها خمسة عناصر)
العُقلانية الرشد التنظيمي Rationality
المُتقلبية الإنسان المتغير (variable ) Variability
ولا ننسى نظريات الحقوق والحريات العامة في الأنظمة السياسية المعاصرة التي وضعت من قبل فقهاء القانون الدستوري مثل ديجي وأسمان في فرنسا وآخرون في ألمانيا وبريطانيا.
وأخيراً هذا التوقيت لهذا الخطاب له دلالات نفسية.
فالعقيد معمر القذافي لم يكن ألمعياً أو فولاذياً أكثر من نيلسون مانديلا أو فيديل كاسترو.
فالأول، نيلسون مانديلا والذي أعتـرف فـي الوقت المنـاسب بانحـدار القدرة الريادية الفردية والطاقة الاحتمالية للمسئولية السياسية العامة.
والثاني فيديل كاسترو والذي كاد أن يتحول إلى مثار للجدل، فتارة كان يغمي عليه أثناء خطاباته الطويلة وتارة يتهاوى ويقع أرضاً أمام مؤيديه.
وبناءاً عليه لا مانع وبكل وفاء وبكل احترام من أن نتحاور ونتشاور حول مصير بلادنا ليبيا وبحضور العقيد معمر القذافي نفسه.
فكلنا نحب بلادنا ليبيا، لأن محبة الوطن أساس الفضائل السياسية عند البعض، ومن ثم تكمن المفاضلة بيننا على أساس توفر مقومات الشخصية الوطنية التي هي: الدينية، والأخلاقية، والاجتماعية، والعلمية، والسياسية. المطلوب خلاصة القول على القوة الوطنية الشريفة والفاعلة في الداخل والخارج أن تستمر في المطالبة بسن دستور من قبل أهل التخصص يعيد الثقة بين الدولة والمواطن الليبي ويحدد الحقوق والحريات العامة والخاصة، شريطة أن يكون هؤلاء المتخصصين ليبيين فقط، لماذا؟
لأن الليبيين أعرف من غيرهم الأجانب بأوضاع المجتمع الليبي، الذي - على رأي بارسونز – يتكون من أدوار يلعبها الأشخاص وليس من الأشخاص أنفسهم.
ومن هذا المنطلق يعني التفكير في سن الدستور، الذي هو التفكير في تشكيل السلوك والسنن السياسية.
هذه العملية لا تتم في صورة إحتكارية من قبل أهل الثقة وأهل الحظوة السياسية، لماذا؟
لأن هؤلاء في أغلب الحالات لا تتوفر فيهم المقومات الذهنية الذاتية للقيام بمثل هذه العملية بقدر ما تتوفر لهم الإمكانيات المادية لجلب عناصر أجنبية. هذه العناصر لا تنطوي قدراتها على فائدة بالنسبة للمجتمع الليبي، لماذا؟
لأن هناك عوامل اجتماعية ليبية كثيرة لا تستطيع هذه العناصر فهم معانيها ولا حتى دلالاتها.
والنتيجة إن التفكير في سن دستور يتم من خلال الدراية بمؤشرات نزاعات التغير الاجتماعي، الذي يتم من خلال معايشة الاتجاهات الاجتماعية المتصلة بكل نواحي الحياة في ليبيا، كي يكون الدستور الليبي معبراً عن نوعية الحياة الليبية. بمعنى أن يكون الدستور منا ولنا، مبادئه لخدمة الإنسان الليبي، وليس الإنسان الليبي لخدمة مبادئ دستور، دستور كستار ليخفي نوايا السيطرة وتمايز قلة على حساب الكثرة.
وكلما ناورنا وتشطرنا في ذلك سنتجه حتماً إلى ما آلت إليه العراق.
ومن ثم جاءت مقالتنا الأخيرة تحت عنوان: كي لا تنزلق ليبيا منزلق العراق، التي نُشرت يوم 1 مارس من الشهر الماضي في موقع "ميدل إيست أونلاين".

د. عامر رمضان أبوضاوية
أستاذ العلوم السياسية " جامعة الفاتح" Abdudawia@yahoo.co.uk