ليبيا الغد، دولة علمانية رئيسها المهندس الدكتور سيف الإسلام معمر القذافي

بقلم: د. عامر رمضان ابو ضاوية

عندما وصل التطرف العقائدي ذروته في ليبيا، وتغول البعض من عناصر حركة اللجان الثورية، تدبر العقيد معمر القذافي الأمر وأوعز لأبنه سيف الإسلام بإنشاء تنظيم مواز يهدف إلى فصد الدم السياسي الفاسد، والعمل على عدم التورط في دماء الليبيين.
وهذه هي الحنكة السياسية وبداهة التفكير القيادي الريادي الغريزي عند العقيد معمر القذافي.
وبالفعل نجحت الفكرة وأصبح نجل العقيد معمر القذافي سيف الإسلام يمثل الرؤية المعتدلة للنظام السياسي الليبي المتشدد في تلك الفترة.
ما دعم نجاح الفكرة هو تحرير الكثير من سجناء الرأي والعمل على تحسين صورة ليبيا في الخارج بعدما أصبح يشتبه في كل ليبي آت من ليبيا بأنه إرهابي.
تم هذا على يد سيف الإسلام من خلال مؤسسة القذافي للتنمية، فدوره كان محوريا وشخصيا في هذه المؤسسة الخيرية، فحقق نجاحا منقطع النظير حتى أنه أصبح محل ثقة من قبل كل الليبيين خاصة في داخل ليبيا.
هذا النجاح الذي حققته مؤسسة القذافي للتنمية بقيادة مؤسسها سيف الإسلام معمر القذافي جاء في المرحلة الأولى من عمر هذه المؤسسة الخيرية غير الرسمية والتي هي في حقيقتها رسمية، لأنها من فكر العقيد معمر القذافي أصلاً، ولا تتلقى تبرعات، ولا دعما ماليا خارجيا، وتتولى الخزانة العامة تغطية التزاماتها المالية.
وكل هذا لا ينتقص من تقدير الأدوار الشخصية التي قام بها سيف الإسلام القذافي؛ أدوار كانت تتطلب مواقف شجاعة وغيرة وطنية، حتى تحول سيف الإسلام معمر القذافي في نظر غالب الليبيين إلى رمز للانفراج السياسي.
تلى ذلك مرحلة كسر المحرمات السياسية في الحياة السياسية الليبية.
فالحياة السياسية في ليبيا كانت في قبضة مجموعة متطرفة من أعضاء حركة اللجان الثورية، هذه المجموعة المتطرفة، التي كانت تعيش في عزلة المكان، والقريبة من معمر القذافي، سخرت وجود معمر القذافي بينها وليس أفكاره للهيمنة على الشعب الليبي في الداخل، وعزله عن العالم وربط مصير هذا الشعب بمصيرها المحكوم عليه بالعزلة الخارجية.
جاء نجل العقيد معمر القذافي سيف الإسلام بخطاب سياسي متصدي ومنتقد لما هو مألوف في ليبيا.
فالمألوف والمتعارف عليه والمسلم به في تلك الفترة في ليبيا هو عدم أحقية أي كان من الليبيين غير المنخرط في حركة اللجان الثورية في ممارسة حق النقد سواء بما يخص الحركة أو أعضاؤها وخاصة، وأكرر وخاصة نقد أقطابها البارزين.
فهؤلاء الأعضاء البارزين في حركة اللجان الثورية والمتطرفين في مجملهم من جراء العدوة الفكرية استطاعوا أن ينتزعوا ثقة العقيد معمر القذافي لفترة ما حتى أصبح إذنا صاغية لهم، فنصبوا المشانق في الحرم الجامعي وحشروا الأساتذة والطلبة وأجبروهم على معايشة عمليات الشنق في كل من جامعة قار يونس وجامعة الفاتح، وانتهكوا حرمات بيوت الكثير من الليبيين وصادروا بل قل وانتزعوا ممتلكاتهم الثابتة والمنقولة، ومارسوا الإرهاب بقفزهم على وظائف الكثير من القدرات والمؤهلات الوطنية. أهانوهم وأعاقوهم عن وضع ليبيا في مسار التنمية البشرية ومحاربة الجهل، والتصدي للأمية، وهي كلها مؤثرات عملت على تكريس الخوف واستشراء الفساد السياسي والأخلاقي، وتعاظم دور الغوغائيين والمزايدين السياسيين.
وبين عشية وضحاها وبفضل المهندس سيف الإسلام معمر القذافي تكشف للعيان إن هؤلاء المشار إليهم – عبارة عن "مافيا"؛ عبارة عن "قطط سمان" حسب وصف سيف الإسلام لهم.
فمن كان يصدق لدرجة أنه، حكم بالإعدام، حتى على من حاول أن ينبه في إحدى كتاباته لبعض الممارسات الخاطئة من قبل هؤلاء.
نعم، المهندس سيف الإسلام معمر القذافي هو الذي كسر حاجز الخوف بالنسبة للخائفين واعتُبّرَ مصحح مسار سياسي بالنسبة للمناضلين الوطنيين الحقيقيين في الداخل والخارج.
إلا أن انجلاء الخوف ووضوح الرؤية كان يستدعى تكاتف وتلاحم القوى الذهنية الوطنية من أجل المشاركة في تحديد نمط الحياة السياسية الليبية الجديد، لا أن يتحول مشروع ليبيا الغد بأكمله إلى ظاهرة مصطنعة أو فكرة نجحت في بدايتها ولكن تسلل إليها أخطبوط من الدهاقنة والمعبرين أقنعوا نجل العقيد معمر القذافي سيف الإسلام بطموحات سلطوية حتى يدفع لهم فاتورة المساندة والمؤازرة، وهذا التكاتف والتلاحم الوطني يتطلب أولاً مصالحة وطنية شفافة وحقيقية.
فبالرجوع إلى الأدبيات السياسية نجد أن لمفهوم المصالحة السياسية عدة معاني:
من هذا المنطلق نجد أن مصالحة النظام السياسي الليبي مع القوة الغربية الفاعلة وعلى رأسها أميركا تُعد مصالحة مع الشيطان، حيث اقتضت الظروف والمصلحة هذا السلوك الماكيافيللي على اعتبار إن السياسة تعني فن الممكن ولعبة سياسية براغماتية بالدرجة الأولى.
هذا فيما يخص تقييم التصالح مع القوة الأجنبية أما فيما يخص تقييم التصالح الوطني، فهذا يستدعي التنويه إلى عدة دلالات وثوابت دينية وأخلاقية، وانطلاقاً من منظور الدوافع والنوايا يمكن القول: إن هناك عدة أنواع من المصالحة الوطنية. وأبسط نوع من أنواع المصالحة الوطنية هو المصالحة مع من يتفق معي في الرأي. يلي ذلك مصالحة الموازنة الوطنية، وهي المصالحة التي يحتفظ من خلالها النظام السياسي القائم بإمكانيات التفوق في عملية التفاوض، ووضع شروط، وتقديم مغريات، كإعلان التوبة، وفي المقابل تقديم مكافأة.
وهناك مصالحة التسوية السياسية، وهي مصالحة إقصاء بعض الفرقاء السياسيين والتعامل مع البعض الآخر، ويعرف هذا النوع من المصالحة بـ "حقل الغموض". وهناك مصالحة من منظور نظرية الصراع السياسي على السلطة، بحيث تنطلق المصالحة في هذه الحالة من افتراض الوزن النسبي، مع الأحقية في الاحتفاظ برأس الهرم السلطوي، وهذا النوع من المصالحة يمتد ليشمل الجميع بما يشبه التسوية الكلية، أي التسوية السياسية الشاملة، وهو نوع من المصالحة معروف في الأدبيات السياسية بمصالحة "عفا الله عما سلف".
ومما يؤخذ على هذا النوع من المصالحة أنه يفتقر في الغالب إلى رؤية حقيقية حول قوانين المصالحة وشروطها.
وأخيراً، ومن المستجد في أدبيات المصالحة نجد نوع جديد من أنواع المصالحة المتمثل في مصالحة "الطيف الليبرالي" ليضع على المدى البعيد قدرته على التحالف مع مؤسسات الرأسمالية العالمية ويتحول بدوره إلى اتجاهاً وطنياً يحاول تمثيل الجميع.
والمعني بالليبرالية هنا ليس المفهوم الليبرالي بالمعنى الفلسفي الغربي، وإنما المعنى في هذا السياق هي الليبرالية المخصخصة "أي الرأسمالية الجديدة القائمة على أنقاض تفكيك وبيع أصول الدول ذات التوجهات الاشتراكية في العالم الثالث".
هذه الأطياف الليبرالية المخصخصة والمخصبة ظهرت تحت مسميات مختلفة في العالم العربي.
فقد ظهرت في مصر، على سبيل المثال في شكل تنظيم حزبي عرف بـ"حزب الغد"، وفي ليبيا تحت شعار واعد "ليبيا الغد".
فزعيم "حزب الغد المصري" ذو التوجهات الليبرالية يطمح وبكل وضوح إلى أن يصبح رئيس جمهورية مصر العربية.
وإذا ما افترضنا إن مشروع "ليبيا الغد" هو من وحي ومناجاة برنامج "حزب الغد" في مصر، إذا ما افترضنا ذلك آن لنا الأوان أن نتساءل: هل يطمح طاقم "ليبيا الغد" إلى أن تصبح ليبيا دولة علمانية رئيسها المهندس الدكتور سيف الإسلام معمر القذافي، أم فقط كغيرهم للاستفادة من وجوده أكثر من العمل على تحقيق وعوده؟

د. عامر رمضان ابو ضاوية، أستاذ العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة الفاتح ـ طرابلس ـ ليبيا