لو كنت رئيساً للوزراء لفعلت ذلك

بلغت وغيري من أبناء جيلي من العمر ما يجعلنا ننظر لما يدور حولنا ولا نتعجب، فلم يعد يفاجئنا أن يُقرر أي رئيس للجمهورية تغيير الحكومة، وأكثر من ذلك، لا ننتظر من هذه الخطوة أي جديد. فمنذ العهد الملكي في مصر والوزارات تتغير وتتبدل، ولا أحد يعلم لماذا سقطت هذه الوزارة وتم استبعاد رئيسها، أو لماذا طُلب من غيره تشكيل غيرها، فالأسباب تبقى دائماً تدور ما بين الأهواء والإلهاء.

فكما يعلم الجميع، أن العمل التنفيذي في الأنظمة الجمهورية يسيطر عليه الرئيس تماماً، فهو القابض على جميع السلطات، أما رئيس الوزراء ووزرائه فهم كما قال (طيب الذكر) الدكتور يوسف والي يوماً: "كلنا سكرتارية عند سيادة الرئيس". وهذه حقيقة لم ينكرها ولا يستطيع أن ينكرها أحد، فما دام الرئيس هو الذي يستطيع بجرة قلم، أو بغمزة عين، تعيين الوزراء ورئيسهم وتغييرهم، فسيظل هو الآمر الناهي والمتحكم في كامل الدولة.

وطالما أن ذلك كذلك، فمن الإنصاف أن نعترف أن جميع حكومات الجمهوريتين الأولى والثانية، كانت دائماً كبشاً لفداء الرئيس، فهو الذي كان يضع السياسات، وهو الذي يُشرف على تنفيذها، وهو الذي يأتمر بأوامره الكافة، فمن المنطقي أن يكون هو المسؤول عن جميع الإخفاقات، وتُنسب له كل الشطحات، ولكن الواقع كان غير ذلك، وأخشى أن يظل كذلك، فالحلقة الأضعف دائماً هي رئيس الوزراء ووزرائه أو بعض الوزراء، أما الرئيس فهو دائماً مطمئن البال، قرير العين، فهو كما قال الشاعر الكبير إبراهيم ناجي: واثق الخطوة يمشي ملكا، ظالم الحسن شهي الكبرياء، عبق السحر كأنفاس الربى، ساهم الطرف كأحلام المساء.

قد يقول قائل أن الدستور الجديد قد استبدل هذا المفهوم، بتقاسم رئيس الجمهورية مع رئيس الوزراء المسؤولية والصلاحيات، وأصبح تعيين الحكومة من البرلمان بعد ترشيح الرئيس، وفي حالة الرفض، يتولى حزب الأغلبية تشكيلها، وإن لم يوجد فتشكلها أكثر الأحزاب تمثيلاً، وهذا حقيقي. ولكن علينا أولاً أن نلمس ما يوحي بأن مواد الدستور الأخرى يتم تفعيلها فعلياً، وعلينا أيضاً أن نحلم وندعو الله أن تتحقق الأحلام ليأتي النواب حقاً ممثلين للشعب، وليسوا نتاجاً لتربيطات حزبية ضيقة، أو إفرازاً لتشكيلات حكومية مستترة، أو تكريساً لنهج جني الأرباح واستيفاء المكاسب.

وإلى أن يحين هذا الوقت، فإن الرئيس السيسي أعاد تكليف المهندس إبراهيم محلب بتشكيل الحكومة التي أقسمت اليمين الدستورية أمام الرئيس بالأمس، وعلى الفور خرج رئيس الوزراء ووزرائه مُرددين تكليفات السيد الرئيس، مُتعهدين بتنفيذها، وكل منهم يتبارى بذكر ما وصله من تكليف يخص صميم عمله، فرئيس الوزراء صرح بأن التوجيهات التي تلقاها هي أن يحارب الفساد وأن يوفر الأمن وأن يضبط الأسعار وأن يدرس موضوع المصانع المتعثرة، وغيره من الوزراء نهجوا نفس النهج. ولأنني من الجيل القديم، فأجزم أنني رأيت هذا الفيلم طوال سنين عمري مرات ومرات، نفس الممثلين، ونفس القصة، ونفس السيناريو، ونفس الإخراج، ولن تفاجئني مطلقاً أن تكون النهاية هي نفس النهاية.

لو أنني كنت رئيساً للوزراء لما انتظرت توجيهات الرئيس لمحاربة الفساد، وكبح جماح الأسعار، وبحث أسباب تعثر المصانع، والتصدي للمشاكل المتعلقة بالأمن، والصحة، والتعليم، والبطالة، والسياحة، فهذا واجبي، ومن غير المقبول أن يرتبط أدائي لعملي بتوجيهات الرئيس.

وبصراحة أكثر لو أنني كنت رئيساً للوزراء ما احترمت نفسي مطلقاً إذا بدأت حديثي دائماً بالعبارة الشهيرة "بناءً على توجيهات السيد الرئيس"، فالجميع يعلم أنها المرادف الصريح لمنافقة الرئيس، وهو الرجل المتواضع البسيط، الذي لا حاجة له لمثل هذا النوع العتيق من النفاق، ولو أنه كان غير ذلك، لما عشقته قلوب الملايين من هذا الشعب الكريم، ولو أنه كان غير ذلك، لما أخترناه رئيساً لهذا البلد العظيم.

ولكنني ولله الحمد، لست رئيساً للوزراء، ولذلك لم يبق أمامي إلا أن أوجه نصيحتي مخلصة لرئيس الوزراء ووزرائه، وهي والله نصيحة لوجه الله والوطن، أرجوكم انسفوا الأساليب القديمة في الإدارة والعمل والكلام والحركة، فبناء مصر الحديثة لن يتحقق إذا بقيت الإدارة على ما هي عليه، لا يصح أن نظل نحبو والعالم من حولنا يطير، ولا يصح أن نظل نستقي تصرفاتنا من التُراث البالي والأساطير، كما لا يصح أن نظل نكرس جهود موظفي المطارات لاستقبال عائلات هذا المسؤول أو ذاك الوزير.

كما أن معظم القيادات في الشركات والمؤسسات الحكومية، آن لهم أن يستريحوا، ارجعوا إلى الجهات الرقابية، فلديها آلاف قضايا الفساد وسوء الإدارة لمسؤولين ما زالوا يتربعون على قمة الإدارة وفي أماكن حيوية ويحظون بثقة الوزراء التابعة لهم شركاتهم، إن كنتم تحبون الرئيس حقاً، وتتمسكون بتوجيهاته، فاعلموا أنه والشعب ينتظرون رؤية زلزالاً في الإدارة يُحسن أدائها ويقضي على فسادها، وبغير ذلك، فإنكم تعيدون إنتاج نفس الفيلم القديم الذي رأيناه مئات المرات.