لو كان 'دفاع' إيطاليا الاقتصادي بقوة دفاع منتخبها لكرة القدم؟!

بقلم: محمد كركوتي

"في الحقيقة، إن الذين وضعوا اليورو، كانوا يهدفون إلى تسويق اتحاد سياسي"

جيرهارد شرويدر مستشار ألمانيا السابق

المشهد الأول من الفصل الرابع، لـ "الفيلم" الأوروبي المرعب الطويل "الديون الحكومية " أو "من أجل مئات المليارات من الدولارات"، تتنافس على "بطولته" كل من إيطاليا وأسبانيا. فالفصول الثلاثة الأولى من الفيلم نفسه، كانت بعنوان واحد، لكن بتوصيفات مختلفة، وفق الترتيب التالي: "المهمة اليونانية"، وبعدها "المهمة الأيرلندية"، وبعدهما "المهمة" البرتغالية. ولا يمكن لأي مراقب أن يحسم، وضعية “المهمة". هل هي مستحيلة أم لا؟!. وكما جوائز "الأوسكار"، هناك "تنافس" حاد بين دولتين أوروبيتين. أسبانيا كانت مرشحة لهذا الفصل بقوة، لكن "حظوظ" إيطاليا، تبدو أكبر، في ظل معطيات اعتقدت روما أنها لن تظهر على الساحة بهذه السرعة. علماً بأن هذا لا يعني على الإطلاق، أن أسبانيا لن "تفوز" بفصل من "الفيلم" الأوروبي المرعب. فالقضية تبدو مرتبطة بالزمن، لا بتحسن أو سوء الأوضاع الاقتصادية والمالية في هذا البلد. وبعبارة تقليدية.. القضية لم تعد "هل تطلب أسبانيا إنقاذا مالياً أوروبياً"؟، بل أصبحت منذ وقت "متى تطلب"؟

وفي كل الأحوال، لا فرق بين الفصل الرابع والخامس، فالأحداث لن تكون ألطف أو أقل درامية في أي منهما، تماماً كما هي أحداث الفصول الثلاثة الأُول. ومحاور الأحداث، هي.. هي. عجز في تسديد الديون. ارتفاع العجز في الموازنة العامة. وفد زائر من صندوق الإنقاذ الأوروبي وصندوق النقد الدولي. فتح الملفات المالية. مراقبة خطط التقشف المريعة. تخصيص الأموال للإنقاذ. جولة جديدة من الإهانات والتجريح، لاسيما الألمانية منها. وبعض التهديدات، لاسيما الفرنسية منها. ولا بأس من بعض "المعاندة" الإعلامية فقط من جانب الدول الغارقة بالديون والعجز والمصير المالي شبه المجهول، كما أنه ليس هناك ما يمنع المسؤولين في هذه الدول من نفي الأخبار التي ستتحدث عن طلبهم للإنقاذ المطلوب، في بداية الفصل فقط.

يشتهر المنتخب الإيطالي لكرة القدم طوال عقود من الزمن، بأجود أنواع الدفاع على الإطلاق. إلى درجة أن إحدى شركات المنتجات الرياضية، نشرت إعلاناً في أوروبا في تسعينات القرن الماضي، كان عبارة عن سؤال هو: ما هي أسهل وظيفة في أوروبا؟.. في الإعلان نفسه تأتي الإجابة: أن تكون حارساً لمرمى المنتخب الإيطالي. لكن في حالة "المنتخب الاقتصادي الإيطالي" – إن جازت التسمية – لا يبدو الأمر كذلك، رغم ما أبداه هذا " المنتخب" من مقاومة شديدة. ففي العام المقبل، يتوجب على الحكومة تسديد 300 مليار يورو من الدَين العام، الذي بلغ قرابة 120 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، يضاف إلى ذلك أن نصيب إيطاليا من فاتورة الإنقاذ الأوروبية، سيضع موازنتها العامة تحت ضغط رهيب. وهذا وحده يشكل مخاطر تهدد ما تبقى من قوة الاتحاد النقدي الأوروبي. وعلى الرغم من أن غالبية الديون الإيطالية، هي من مصادر محلية، إلا أنها تبقى ديوناً قاصمةً، في ظل نمو اقتصادي هش، أو مهزوز، كما أنها في النهاية تظل محرك لعدم الاستقرار السياسي في البلاد. إذن.. تقهقرت قوة دفاع رئيس الوزراء سيلفيو برلسكوني على الصعيد الاقتصادي، ولم يستطع أن يقترب من قوة الدفاع التاريخية التي كان يتحلى بها – على سبيل المثال – مدافع المنتخب باولو مالديني، أو فابيو كانافارو، أو أليساندرو نيستا!

الفصل الرابع من "الفيلم" الأوروبي المرعب "من أجل مئات المليارات من الدولارات"، بات يحمل عنوان " المهمة الإيطالية"، ومعه تزداد الضغوط على منطقة اليورو، ومصير هذه العملة. وعلى الرغم من أن الدول الكبرى في المنطقة المذكورة، لا تزال تُبدي دفاعاً قوياً عن اليورو ومستقبله كعملة "وطنية" أوروبية، غير أن هذا لم يمنع مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل، أن تهدد سراً خلال القمة الأوروبية التي عقدت في بروكسل أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بأنها قد تلغي اليورو إذا ما فشلت في وضع نظام جديد للعملة الأوروبية الموحدة!. وقد حاول المسؤولون الأوروبيون – بمن فيهم الألمان – جاهدين للحيلولة دون تسريب هذا التهديد إلى الإعلام، إلا أنهم فشلوا جميعاً. فأن تعلن دولة كالبرتغال – مثلاً - إمكانية انسحابها الطوعي من اليورو، هو أمر لا يشكل هزة. ولكن أن تهدد ألمانيا التي تمتلك مفتاح صندوق الإنقاذ الأوروبي، بإمكانية الانسحاب، فهذا أمر ليس خطيراً فحسب، بل كارثياً على الاتحاد الأوروبي برمته. مشهد في الفصل الرابع لـ "المهمة الإيطالية"، يحتوي على طرح، ربما يكون مقدمة لانهيار منطقة اليورو. هذا الطرح لم يتبناه أي من المسؤولين الألمان، لكنهم في الوقت نفسه، لم يوجهوا الانتقادات له!. إنه ببساطة يدعو إلى تقسيم منطقة اليورو، إلى منطقتين شمالية وجنوبية!. ويقول "كُتاب" هذا السيناريو: "إن هذا التقسيم هو أفضل الحلول الممكنة لإنقاذ العملة الأوروبية الموحدة من الانهيار".

والحقيقة، أنني أجد صعوبة في تبرئة أنجيلا ميركل من استمتاعها "بالألحان" المصاحبة لمشهد التقسيم. فهذا المقترح أو الطرح لا يصب إلا في المصلحة القومية الضيقة لألمانيا، التي ستجني الكثير من الفوائد في المرحلة الراهنة، لكن أحداً لا يضمن استمرار هذه الفوائد في المستقبل. إذن.. فلنتابع "مشهد التقسيم" باهتمام شديد، ونربطه بالمشهد الأول من الفصل الرابع، الذي تضمن تهديداً سرياً عنيفاً من ميركل بالانسحاب من اليورو. ولنتابع أيضاً، مشهداً في الفصل نفسه سيظهر على "الشاشة"، تدور وقائعه حول دولة مثل إيطاليا، قد تلجأ في النهاية إلى صندوق الإنقاذ الأوروبي، الذي تساهم فيه مباشرة!. وإذا ما استُكمل المشهد المذكور، فيمكننا بسهولة أن نغير اسم الصندوق إلى " صندوق التكافل الأوروبي"!. مهلاً.. مهلاً، هناك تكهنات لا تزال في نطاق الشائعات، تتحدث عن إمكانية أن تلجأ مَنْ؟ فرنسا نفسها إلى الصندوق، لأن هذه الأخيرة ليست عصية عن الانضمام إلى قائمة الدول الأوروبية المتعثرة!

لا نريد استباق الأحداث. وعلينا أن نعترف بأنه لا يزال في صندوق الإنقاذ المشار إليه ما يزيد قليلاً عن 500 مليار يورو. لكن السؤال الأهم هو: هل ما تزال السلسلة التي تجمع دول منطقة اليورو قوية بما يكفي لانضمام أعضاء جدد – بوزن إيطاليا مثلاً – إلى نادي الدول المتعثرة؟!. وفق المعطيات الموجودة على الساحة، بدأت هذه السلسلة بالتضعضع، مع انضمام أيرلندا (الفصل الثاني من "الفيلم") إلى هذا النادي، ليس بسبب الـ 85 مليار يورو التي حصلت عليها في سياق عملية نجدتها، ولكن لأسباب سياسية – اقتصادية، وُلِدَت في الواقع من معايير شعبوية – محلية. فلا عجب من إعلان وزير المالية الألماني راينر برودله، بـ " أن دافعي الضرائب الألمان، لن يقبلوا بضخ أموال إضافية لمضاعفة ميزانية صندوق إنقاذ اليورو، لمساعدة دول جديدة متعثرة". فهو يعلم أن إنقاذ دولة مثل إيطاليا، يعني استهلاك الحجم الأكبر من رصيد الصندوق، وبالطبع لا أحد يريد، وحتى أن يُفكر، بأضعف احتمالات انضمام فرنسا إلى نادي المتعثرين. ولو تخيلنا تحول هذا السيناريو إلى فصل جديد من "الفيلم" الطويل، ستبحث منطقة اليورو عن منقذ لها. وهو بالتأكيد لا وجود له في الكرة الأرضية، قد يكون في عالم آخر.. لكنه بالتأكيد ليس في عالمنا هذا!.

( نُشر في جريدة "الاقتصادية")

محمد كركوتي

m@karkouti.net