لون جديد من الكتابة يطفو على السطح

بقلم: زياد العيساوي
سرد جديد

كانت المصنوعات القديمة، تُعمل من مادة واحدة، فمثلاً: كان الكُرسي يُصنّع من مادة الخشب أو الجلد أو ربما من الحديد فقط، وفيما بعد أضحت هذه المواد الثلاث، تدخل في صناعة كرسي واحد، وهذا ليس عيبا صناعيا، بل إنه تطور في خدمة الإنسانية، إذا ما روعيت فيه شروط المواصفات القياسية والفنية المُتبعة، مثل المتانة والصلاحية والراحة، فلا يجوز مثلاً، أن تكون قاعدته من الجلد أو أن يُعد مقعده من الحديد، لا بل يجب أن توظف كل مادة منها في المكان المناسب وبحسب خواصها الطبيعية، كي يحدث نوعٌ من التكامل فيما بينها، وبما يكفل الحصول على قطعة أثاث فاخرة ومُعمِرة، مع الإبقاء على الصناعات التقليدية على حالها، ذلك أنّ "للناس فيما يعشقون مذاهب". لقد ارتأيت في هذه المقدمة خير مدخلٍ ومستهل، لمقالنا هذا، فالواقع أنّ للأدب عدة أجناس معروفة، وهناك أصول يجب إتباعها ومراعاتها حين الكتابة، فللشعر قواعده، وللقصة خصوصياتها، والأمر ذاته ينسحب على كل من الرواية والمقالة كذلك.
غير أنها في مجملها تخضع لقاعدة أساسية واحدة، كي يُعدَّ كلٌّ منها نصاً أدبياً بما تعنيه الكلمة، وهي أنّ يكون لكل منها، مقدمة ومضمون وخاتمة، ولكن ثمة بعضاً من المهتمين بالشأن الثقافي، لا يلتفت إلى هذه المسألة المهمة، فنراه يحاول على الدوام، أن يصطاد في الماء الآسن العكر، بإحراج الكاتب والإيقاع به في شرك إشكالية كبيرة، إذْ يُقدم باكورة من كتاباته في أمسية أو أصبوحة ما، فبمجرد أن يفرغ من إلقاء بعض من نصوصهِ، وتفتح دائرة النقاش حولها، يطرح عليه سؤالاً عادةً ما يُثار: عندما تمخضت فكرة العمل في قريحتك، هل عمدت إلى أن تصوغه شعراً أم قصة؟ وينسى ما هو أهم من ذلك، وهو هل حافظ الكاتب على الشرط الأساسي من عدمه؟
فليس ثمة أية معضلة، ولا أي ضير في ذلك، طالما أنه استطاع إيصال فكرة النص إلى متلقيها وكما ينبغي، بهذه الحرفية المتمثلة في المزج بين هذين الجنسين إلى حدِّ الاندغام، فأين الإشكال هنا؟ أم تراه يستكثر عليه أنه استطاع الجمع والتوفيق بينهما، فكلا الجنسين منبثق من الآخر، وبينهما تناص واضح إلى حدِّ التلاقي في خصائص وتفاصيل كثيرة، كالصور البلاغية والأخيلة الجمالية والاحتفاظ باللحظة، وما إليها من خصائص أُخر.
لست أدري والله، علاَم يُطالب هذا البعض، وبكل إصرار بضرورة الفصل بينهما؟ وإنْ كان هناك من داعٍ لهذا الفصل ذوقياً كان أو تصنيفياً، فليتبع القاعدة المعمول بها في مناحٍ أخرى "إذا برز شيء على حساب الآخر، يحسب جنس النص لجنس الغالب، وإن كان الفرق بينهما لا يتجاوز نسبة مئوية طفيفة." (بهذه الكيفية) . حقاً أنّ ثمة لوناً جديداً في الكتابة، أصبح يطفو على السطح، وهو المزج بين الأجناس الأدبية في نصٍّ واحد، وقد يكون هذا اللون في خدمة الأدب، لا عليه، كما قد يُخيّل إلى البعض، مثلما حدثت المصاهرة والتماهي بين عناصر الأغنية، فقد عرف الإنسان عناصرها (الكلمة والموسيقا والأداء) مستقلةً عن بعضها البعض.
فقد كان الشعر مجرداً من الموسيقا، اللهم إلا إن كانت موسيقا داخلية، والأخيرة من دون شعر، إلا إن كان شاعرية العازف نفسه، فلك أن تكتب شعراً من غير أنْ تلحنه، ولك أيضاً أنْ تعزف بلا غناء، كما أنه بإمكانك أنْ تغني ولا يصاحب شدوك موسيقا ولا حتى كلام، بل بلالاتٍ وآهاتٍ فقط.
إلا أنّ هذه العناصر الثلاثة اتحدت معاً، فخرجت لنا بفنِّ الغناء، الذي لا يكتمل إلا بهذا الاندماج والانسجام فيما بينها، لكن البعض وقتما تريد أن تأخذ رأيه بأغنيةٍ ما، تراه قد أُخِذ بأحد عناصرها فقط، كأنْ تكون الكلمة، ولا ينصرف اهتمامه إلى العنصرين الآخرين على جودتهما أو رداءتهما، سواء بسواء، ومع ذلك، لا يطالب البتَّة بضرورة فصل العنصر الذي راق له عن الآخرين، طالما أنّ بمقدوره فصل الكلمات وإعادتها إلى أصلها الذي كانت عليه، أي قبل أنْ تُلحن وتُغنى، ويقرؤها من ورقة كشعر غنائي، فذلك من السهولة بمكان.
فالأغنية أثناء تسجيلها في قاعات التسجيل الصوتي أو السمعي، يتمُّ تسجيل العزف الموسيقي منفرداً، والأداء الغنائي على حِدة، هو الآخر، ثم يقوم الفني المختص بمزجهما وفق درجات صوتية معينة حتى يحدث التماهي بينهما، أما اللذان أُعِجبا بالعنصرين الآخرين، فلهما أنْ يستمعا إليهما منفردين، فهي مسألة أذواق لا أكثر ولا أقل، بدليل أنك تستطيع أنْ تستمع إلى اللحن المموسق للأغنية ذاتها من دون غناء، عندما يُقدَّم في الفواصل بين البرامج الإذاعية، أو في مقدمة موسيقية لبرنامجٍ ما.
وهناك مقطوعاتٍ موسيقية وصلت إلى العالمية، هي في أصلها أنغام لأغنيات معروفة. وفي اللقاءات الإذاعية قد يطلب المستضيف من المطرب، أنْ يغني له العمل عينه من دون مصاحبة الفرقة الموسيقية.
وبعد هذه البسطة الفنية في مضمونها، أعود بكم الآن إلى موضوعنا الأصلي، مع الوعد بالعودة إلى فنِّ الغناء، كلما لزم الأمر، ودعت الحاجة.
إنّ المزج بين أجناس الأدب، إنما هو شيء طبيعي، وليس بمستغرب ويصبُّ في صالح الكتابة والأدب، وأرى أنّ هذا اللون سيسود، عاجلاً أو آجلاً، فقد لا يكون بوسع أيِّ قارئ اقتناء كتب الشعر والقصة، لذا سيبحث لنفسه عن نصًّ، يجتمع فيه الجنسان معاً، أو عن كتاب حاوٍ بين ضلفتيه كليهما.
وهنا أطلب من كل كاتب، أنْ يأخذ كلامي على محمل الجدِّ، وأن يحاول أن يطوّر من نفسه وقلمه دائماً، حتى يستطيع الإلمام بأكثر من جنس أدبيّ، ففي فن الغناء قلما تكون الأغنية وليدة مبدع واحد، فليس كل من يكتب كلماتها بوسعه أنْ يصوغها لحناً، ولا الملحن بمقدوره أنْ يؤدي العمل على أحسن وجه، لكنّ هناك شعراء كثيرين يستطيعون كتابة القصة، والعكس صحيح، إن لم يكُن في الغالب، فأحياناً على الأقل، كما أن الروائي يتمكن من جمعهما معاً في نصٍّ واحد، وفوق ذلك، فإنّ كاتب المقال لا تواجهه صعوبةً تُذكر في ترجمة أية فكرة كانت في شكل مقالة، والسر وراء ذلك، أنّ هذه الأجناس جميعاً تأتي تحت مظلة واحدة هي (الكلمة).
والكلمة تخضع في مجملها للقاعدة الأساسية المذكورة أنفاً، على النقيض من الأغنية التي تقوم على ثلاثة فنون كل واحدة منها قائمة بذاتها من دون الحاجة إلى الآخرين، ولا تظللها شجرة واحدة، ومع كل ذلك، فأنها حين دمجها، تعطي مذاقاً رائعاً، فهل ما يزال هناك من يُطالب بفصل أجناس الأدب، ويريد أن يحرم القارئ من لون سردي جديد سيكون له رونق خاص؟ ولكنني أودُّ أن أخبره، بأنّ هذا الأسلوب أخذ طريقه إلى الظهور، وبدأت عوالمه تتشكل.
وختاماً أرجو أن يكون لمقالي النفع، ولحديثي الفائدة. زياد العيساوي ـ بنغازي (ليبيا) Ziad_z_73@yahoo.com