لورين باترسون والجزيرة و'كعبة المضيوم'!

قرأت منذ يومين خبر مقتل المعلمة البريطانية لورين باترسون بعد اغتصابها في "دوحة العرب". ولما كنت متابعاً للأحداث يتحرى الخبر من مصادره الأصيلة أخذت أقلب صفحات مواقع الإعلام القطري؛ لعلي أجد فيها رواية تكشف لي ملابسات هذه الجريمة البشعة، وحين لم أعثر على أي خبر ساورني الشك في نفسي، وقلت لعلي لم أقرأ الخبر جيداً، ولعلها قتلت في مكان آخر، وحين تأكدت من أن الواقعة حصلت في الدوحة فعلاً، لجأت إلى البحث عبر بعض المحركات، فكانت النتيجة أشد غرابة؛ إذ لم أجد في مواقع الإعلام القطري إلا خبراً عن مقتل جندي بريطاني في أفغانستان، فقلت في نفسي: سبحان الله! تستطيع مواقع الإعلام القطري رصد مقتل ذلك الجندي في أفغانستان، وتعجز عن رصد مقتل معلمة بريطانية في الدوحة التي قد يكون فيها مخفر أو مخفران للشرطة.

وما يثير الدهشة أيضاً أنه حتى حين صدر رد فعل رسمي عن وزارة الداخلية القطرية، وهو رد فعل خجول اكتفى بالإشارة إلى مشتبهين لم يُسمّهم، فإننا قرأنا عن ذلك في وكالات الأنباء العالمية، وهكذا تأكّد لنا أن مقولة آبائنا مازالت سارية المفعول: افتح إذاعة لندن حتى تعرف آخر أخبار العرب. مقولة كانت تقال للسخرية من إعلامنا العربي في السبعينيات، فما الذي يمكن أن تؤديه في هذا الوقت، ولاسيما حين يكون مثل هذا الحدث على بعد أمتار من قناة ما تزال تدعي أنها الرائدة في تقصي الأخبار والشفافية والموضوعية.

تثير قضية مقتل هذه المعلمة أفكاراً وتساؤلات عدة على مختلف المستويات. أولها أن هذه المعلمة الضحية قضت ليلة صاخبة برفقة صديقاتها وشباب قطريين في أحد البارات في الدوحة، نعم في الدوحة يا صديقي التي مازال بعض الإسلاميين، وعلى رأسهم أبواق الإخوان المسلمين، يدعون أنها "دار الإسلام" التي لا تجد في حوانيتها إلا "ماء زمزم"، والتي يكرر أميراها السابق والحالي عنها إنها "كعبة المضيوم". وإذا بها اليوم تظهر على حقيقتها: خمر ونساء أجنبيات في الحانات، ورقص وفجور علني حتى الفجر، واغتصاب وقتل، فعن أي كعبة يتحدثون؟! فالملاهي والحانات تملأ الدوحة، بل إن معظمها ملك لشخصيات نافذة من الأسرة الحاكمة وغيرها، وقصص المغامرات والليالي الحمراء في فنادق الدوحة تملأ صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. وهذا بالطبع ليس إلا مقدمات، وأنا واثق أن القادم أكبر وأكبر، ولاسيما أن قطر تحاول أن تتملق العالم الغربي حتى يرضى عن تنظيمها كأس العالم سنة 2022. وهذا ما يجعلنا نقول للمتشدقين من "الإخوان" ومواليهم: من كان بيته من زجاج فليكف عن رمي الناس بالحجارة.

أما التساؤل الثاني، فهو: لماذا تتكتم وسائل الإعلام القطري، وفي طليعتها قناة "الحقيقة المطلقة"، على مثل هذا الخبر؟ وهي تعلم علم اليقين أن مثل هذا الخبر لن يخفى، وأن المواقع الإخبارية كلها ستتلقف هذه الحادثة، بل ستشكل مادة مهمة لصفحاتها الرئيسية. وأين المهنية والحرفية في مثل هذا التجاهل؟ وإلى متى سيظل الإعلام القطري يتغاضى عن كل ما يجري في الدوحة، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي؟ فلم تكن قضية لورين باترسون هي القضية الأولى التي تُغيّب، ولعل قصص موت العمال النيباليين مؤخراً خير شاهد على كلامنا، إذ أقامت المنظمات الإنسانية الدنيا على حكومة قطر بسبب موتهم في ظروف عمل بشعة، وتناقلت وسائل الإعلام العالمية الخبر على مدى أيام عدة، فيما كانت قناة الجزيرة ترصد بعيون مراسليها ما يجري وراء البحار.

ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فإن الذاكرة تعود بنا إلى خمس سنوات خلت، حين قُتل الشاب القطري محمد الماجد في مدينة هيستنغز جنوب شرقي لندن على يد شباب عنصريين بريطانيين، يومها ضجت صفحات الإعلام القطري بالحادثة، وهذا حق لا أنكره بالتأكيد، ولكنني أذكّر الإعلام القطري بأن يعود إلى ما فعله الإعلام البريطاني يومها، فقد نقلت الصحف البريطانية تفاصيل الخبر وتابعته على مدار الساعة، وكان لدى الصحافة البريطانية الجرأة لتعترف بوجود مثل هذه الممارسات الخاطئة في بريطانيا، داعية الحكومة البريطانية إلى اتخاذ إجراءات جادة لوقف مثل هذه النزعات العنصرية الطائشة لدى بعض مواطنيها، مؤكدة ضرورة حماية كل من يقيم على أرضها بأي صفة كانت.

لم تتخل الصحافة البريطانية يومها عن مهنيتها، ولم تأخذها العزة بالإثم كما هي حال الإعلام القطري، بل جعلت من تلك الحادثة فرصة للدعوة إلى تنقية المجتمع البريطاني من أي شائبة. وشتان بين هذا السلوك وبين تصرف الإعلام القطري الذي تجاهل مقتل الفتاة البريطانية تماماً. والغريب أن قناة الجزيرة، التي تقول إنها "منبر إعلامي ينشد الحقيقة ويلتزم المبادئ المهنية في إطار مؤسسي"، لم تسمع بهذه الحادثة ولم تُعرها أي اهتمام، فيما كانت صفحاتها تنقل خبر وفاة صينيّ واحد (فقط لا غير) بإنفلونزا الطيور، وتتحدث عن انخفاض سعر الأضاحي في الأردن، فيما كان برنامجها الحواري الشهير يقيم حواراً حول تدهور الأوضاع في ليبيا، أما الناطق الرسمي للإخوان فيها فكان ما يزال يندب وينوح على "مرسي" مهتماً بلا حدود بمعرفة مستقبل "الانقلاب العسكري" في مصر في ظل "المظاهرات الكبيرة" المعارضة له!!.

نعم يا صاحبي، أن تكون إعلامياً في قطر يعني أن تعيش "خارج الدوحة" بلا حدود، وأن تغض الطرف عما تراه فيها. وفي الشأن القطري فقط لا يكون هناك مجال لـ "الرأي" و"الرأي الآخر"، بل يكون هناك "المديح" و"المديح" الآخر، إذ يصعب على معدّي برامج الحوار أن يأتوا ببعض المهرجين ليتحفونا بحوارات الطرشان؛ فقطر "كعبة المضيوم" ومن دخلها كان آمناً، أما لورين باترسون فقد قضت نحبها خلال رحلة إلى مكان ما، ربما ستكشفه لنا "الجزيرة الوثائقية" ذات يوم.