لوحات واشية

قصص قصيرة جدا: خالد ساحلي
مملكة الظل

شبح منتصف الليل لاك الشاب المتحمّس في السوق كلاما نفّس من خلاله عن كبت عانى منه كثيرا، كلامه كان عند جهة ما تصريحا خطيرا.
قال للسوقة: أصبح الفقر ظلما عظيما فادحا لا يحتمل، حتى الأرض لم تعد تأتي بالمحاصيل كما كانت.
بعد شهور هددّت الرعية وتوعدت باحتجاج جارف لنقمتها، سمع الأغنياء بما يحدث من غضب الجماهير المسمى عندهم نباح الجياع، الأغنياء الذين عاثوا في الأرض فسادا لم يفقدوا ما يملكون برغم تعاقب الحكّام والملوك، كانت العامة تحتّج والأغنياء يجنون الفائدة.
تم الاتفاق بعد ذلك بين ملك البلاد صاحب الوزر وبين العامة المتطلعة للنصر عن المخازن الموصدة وعن الاحتجاج صانع الفوضى.
قدّم ملك الظل لملك البلاد معجزة حين أقام من رحم الشعب فئة أخرج من خلالها يده بيضاء للناظرين، نظيفة من غير سوء، كان قلب البؤساء جيبه فارغا، خرجت الفئة تتفنن في تكريس لحظة التعسف، تسلط فيها الأغنياء بدفع الضرائب لملك الظل.
سنينَ كثيرة لم يتغير من الأمر شيء من قبله ولا من بعده. أثناء تلك السنين لاكت الألسن إشاعة عن شبح رجل يظهر في منتصف الليل للحظات يعتلي جدار السوق للمدينة ثم يختفي فجأة كلمعان برق.
كانت الإشاعات تنتشر كالنار في الهشيم، قال الناس يخرج الشبح في نفس المكان الذي صلب فيه شاب في منتصف الليل من سنين كثيرة ثم أحرق لا كما يحرق الهشيم.
كان ذلك من سنين أتهمته العامة بنشر الكفر والخراب وإفساد أفكار أبنائهم بوجود مملكة للظل. لوحات واشية جلس في المقهى، شاهد الرجل يقود ولده ماسكا يده، تملص الطفل من يد والده، اختفى الطفل بين السيقان الطويلة للزبائن، الوالد غاب عن نظر الولد بين الأجساد الكثيرة، الطفل نظر في كل مكان ثم شهق باكيا في اللحظة أحس أنها نهاية العالم، الوالد في اللحظة نسى العالم إلا ولده، سمع الوالد البكاء، سمع الولد النداء كانت مسافة أمتار تفصلهما لما فتح الزبائن المجال لمرورهما. لوحات صاخبة اختلاف الزمان في لحظة واحدة قد يشاهد وجهيها ويجمع المترادف منها لقد كانت صورة العالم تكوّن نفسها. في داخله تختلق من جديد روح ذاكرة مروّعة، صورا ألتقطها من سنين طويلة، اليتيم المتشرد قتل والده برصاص مجهول، الرجل العائد من السفر ولده دفن برصاصة قنّاص متهور عابث.
جمع كفيه وضعهما وراءه، طأطأ رأسه، أخفى الصورة من مخيلته، بحث عن فضاء ينعدم فيه المنعكس الشرطي، وعلى مكان لا يحمل عنوانا، تكثر فيه فراغات الصمت علّه يجد مكانا شاغرا يعلّق عليها لوحات صاخبة متكلمة. قطرات دم كلفه رئيسه بمهمة عقد صفقة مع زبون بإحدى ولايات الوطن، اكترى غرفة في فندق، بعدما أمضى مع زبون الشركة اتفاقا راح يتجول في أحياء المدينة وشوارعها، رأى في باب زجاجي لمقهى إعلانا، حملة تبرع بالدم لصالح المرضى، قرأه على عجل ومضى.
عاد للنزل، لمّا دخل البهو رأى امرأة تبكي وزوجا يهدأ من روعها، صدمه المشهد رجع ثانية من حيث أتى، تأثر باللحظة، لم يأخذه الفضول في التطفل ومعرفة الذي يحدث من خادم الفندق، إنما همس للخادم "لا يبكي الآدمي بهذه الطريقة إلا إذا سكنه الوجع، ترى هل آلام الآخرين مسألة صحية للمعافى والمبتهج".
خرج يتنزه علّه يتخلص من ضيقه، بعد النزهة في طريق العودة رأى المرأة الباكية، سمع توسلها، كانت تطلب دما لولدها من المارة، أخذ لقب طفلها، اتجه لمركز حقن الدم تبرع بكيس من دمه، حين خروجه من المركز، دهسته سيارة كانت تسير بسرعة جنونية، أدخل على إثرها قاعة الاستعجالات، أول قطرات دم دخلت جسمه كانت من دمه. خالد ساحلي