لهذه الاسباب استقلت من رئاسة بعثة الجامعة العربية في بغداد

معالي السيد الأمين العام

تحية طيبة وبعد،

أولاً: علمنا التاريخ أن أرض العراق هي مهد الحضارات وأن ساكني هذه الأرض عبر تاريخهم الذي يقاس بطول التاريخ نفسه عرفوا بفسيفسائهم الجميلة والغنية أن يجعلوا من العراق منارة علم وأرض عطاء وتأثير حضاري وديني وفكري وثقافي.
علمنا التاريخ أن أهل العراق عرفوا عبر تاريخهم الطويل محناً ومآس قد تكون أسوأ من محنتهم الحالية لكنهم استطاعوا دوماً أن يتغلبوا على هذه المحن...
إلا أن محنتهم الحالية تتميز بخطورة خاصة تتلخص في محاولة تدمير تماسك الفسيفساء الجميلة فيها عوامل متعددة داخلية وإقليمية ودولية ولكل عامل من هذه العوامل تعقيداته ويزداد تعقيدها بتفاعلها مع بعضها البعض.
1- داخلية: لا يتفق حالياً أهل العراق على تشخيص موحد لمشاكلهم وبالتالي على الالتزامات الواجب الوفاء بها لتحقيق النقلة النوعية في علاقاتهم.
سمة هذه العلاقات تكمن حالياً في انعدام الثقة تماماً وهروب أهل العراق إلى الأمام في ردود فعل وتخندق أصبح عنفه عبثياً وبدائياً ومتناقضاً مع رواسب ثقافتهم العريقة.
أهل العراق في وضع حالي يهدف إلى تدمير تماسكهم الاجتماعي في عمقه نافياً جذوره الضاربة في أعماق التاريخ.
طوائف أهل العراق كما هو حال كل الطوائف الإنسانية دينية كانت أم إثنية تعرف غلاة في الأطراف لكن غلاة أطياف أهل العراق انتقلوا من الأطراف إلى المركز راهنين طوائفهم في فعل ورد فعل وتعميم أعمى يغير المعالم ويهجر الناس ويقتل على الهوية.
نتيجة هذا الوضع أصبحت علاقات أهل العراق تتسم بنفيهم لعراقيتهم، وهم مقتنعون أنه لا يمكن لأي طرف التفرد بأمور بلدهم. مشكلتهم ليست في الانفراد بل في كيفية ومدى إشراك الآخر.
أهل العراق في حالة شديدة من الاحتقان والانفعال ولم يقتنعوا بعد أن التحصين الصحيح والوحيد لبلدهم يمكن في توافقهم لإنقاذ بلدهم، توافق يرتكز على إيجاد منتصر واحد ووحيد وهو العراق نفسه.
2- خارجياً: للعراق جوار معقد لا يقل تعقيداً عن داخله بأبعاده التاريخية والروحية والعرقية وكذلك انتماء العراق لمنطقة ذات أولوية للاقتصاد العالمي، وبالتالي فاتهامات ومصالح الجوار والقوى الكبرى تتقاطع وتتضارب في حقول متعددة ومتداخلة كما أن الأبعاد الدولية لعلاقات الجوار تنعكس بشكل مباشر ومؤثر على الساحة العراقية بل إن ما يزيد الوضع العراقي تعقيداً أن عدداً ليس بالهين من هذه القضايا أصبح ميدانها هو العراق والاتجاه الذي أراه من الداخل هو المزيد من استعمال العراق كميدان لعدد من المعارك ولأطراف متعددة تضم دولاً ومنظمات وحرات.
واعتقد أن أهل العراق بمختلف أطيافهم يرتكبون خطأ قاتلاً إذا واصلوا محاولاتهم تحصين بلدهم من خلال تحالفات خارجية ويبقى الحل الوحيد والضمان لربط ماضي العراق العريق بمستقبله هو تحصينه باتفاق أهله في مشروع وطني يضمن للجميع كافة الحقوق المتساوية في المواطنة وإنجاح ذلك من خلال دولة مؤسسات، بل إن من شأن ذلك عودة للدور التاريخي الرائد والمؤثر للعراق كنموذج يقتدى به. ويجب على أهل العراق أن يتذكروا أن ما وحدهم في الماضي كان عاملاً أساسياً سمح لأجدادهم بلعب دور تاريخي ساهم في بناء الحضارة الإنسانية.
ثانياً: قدمت للعراق منذ حوالي سنة نتيجة قرار عربي للمساهمة والسعي لتحقيق الوفاق العراقي وجعله حقيقة ثابتة وبمتابعة للتطورات من الداخل وانعكاساتها الخارجية توطدت قناعتي إن في نجاح العراق ومناعته مصلحة لأهله وجواره بل للعالم وفي انهياره وسقوطه كارثة على الجميع لما لذلك من تداعيات وتعقيدات دينية وطائفية وإثنية وقومية.
الشعب العراقي الذي وجدته في العراق خلال هذه المهمة، مهدد في عمقه وجائع وغير آمن.
النظرات التي شهدتها في عيون أطفاله تفيض بتساؤلات عميقة غير قادرة على فهم ما يقع ولماذا يقع باختصار شديد ما كنت شهدت عليه طيلة هذه السنة الحزينة وفي ظروف أقل مما يقال عنها أنها عبثية ولا تتناغم مع أية مقاييس عرفتها خلال 27 سنة كموظف دولي أتيحت له الفرصة في معايشة مناطق أزمات أخرى في العالم.
قد تكون أطياف الشعب العراقي وطوائفه شديدة القناعة بما عانته عبر تاريخها الطويل وتفاوتت هذه المعانات في هذه المرحلة أو تلك لكن لمست خلال هذه السنة أنها هذه المعانات لم تنل من عزة نفسه وشهامته وكرامته. وإذا استطاع هذا الشعب أن يقف من جديد وحصن أهله بلدهم بتوافقهم الداخلي فلن يحتاج العراق لمساعدة أحد لما وهبه الله من خيرات ليست فقط مادية (نفط وماء) بل حضارة وروحيه وما أخشاه هو أن لا ينسى كيف تعامل معه الآخرون وهو يعاني من محنه فريدة وشديدة تهز بنيانه وتضرب عمق مجتمعه وتدمر فسيفسائه.
ثالثاً: حاولت خلال هذه السنة جاهدا ً التواصل مع كل الأطراف العراقية من خلال تنمية علاقات صادقة وصارمة وغير مجاملة أتسمت بالجدية والمصارحة وأستطيع القول والتأكيد أنه ليست لدي مشكلة مع أي طرف عراقي بل كانت مشكلتي الوحيدة تكمن في علاقتهم ببعضهم البعض وشعورهم القوي بأن كل طرف منهم ضحية الطرف الأخر. وربما هذا هو العامل الوحيد المشترك بين أهل العراق في هذه المرحلة العصيبة.
رابعاً: أتخذ العرب في قمتهم الأخيرة في الخرطوم يوم 29مارس 2006 قرارا ً نصت أحد فقراته (الفقرة الثامنة) على التنفيذ الفوري لقرار فتح بعثة لجامعة الدول العربية في بغداد وذلك تفعيلا ً للدول العربي في العراق.... وفتحت البعثة بدون أي إمكانيات مادية أو أمنية، لا داعي للدخول في سرد تفاصيلها والصعاب والمخاطر التي رافقتها وفتحت البعثة خارج المنطقة الخضراء المحصنة لضمان وتسهيل تواصلها مع كافة العراقيين وصممت هذه البعثة خلال هذه السنة لأن عراقيون كثيرون هم من ساعدوها بمؤازرتهم ودعمهم نتيجة علاقات بنيت على الثقة وبهدف واحد هو مساعدة العراق للوقوف من جديد كمنارة إشعاع حضاري. وهؤلاء العراقيون منهم الكردي والعربي والتركماني ومنهم المسيحي والمسلم الشيعي والسني والصابئي والايزيدي والشبكي والقائمة قد تطول.
ولا أخفي أنه لم تكن لدي أوهام حين اتخذ العرب قرارهم وكما عهدوا في أدبياتهم الدبلوماسية سهولة الإقرار وعدم التنفيذ لكن ما دفعني لقبول المهمة هو التحدي والرغبة الشديدة في مساعدة أهل العراق مهما كانت ضآلة هذه المساهمة. أقول قبلت المهمة ولم أتعامل معها في أي لحظة كدبلوماسي بل تعاملت من قلبي وببساطة باعتبار أن أهل العراق أهلي وحرصت أن تكون العلاقة متوازنة وبنفس المسافة مع كل الأطياف والأطراف مركزا على كل من شأنه التقريب بينهم من خلال توافقهم السياسي وتلاحمهم الوطني.
قدمت إلى بغداد خلال فترة اعتبرت فيها الأمم المتحدة بل العالم بغداد كأخطر منطقة في العالم وحرصت في الشهور الأولى وفي تواصلي أن أكون مستمعا ً لرجال السياسة والدين والفكر والعشائر والمجتمع المدني.
قدمت بدون قيام الدول التي أوفدتني إلى بغداد بتقديم أي مساعدة أمنية أو مادية وهي نفس الدول التي توجه دبلوماسيها المعتمدين لدى العراق بالإقامة في عمان ولا تسمح لهم بالسفر إلى بغداد بالرغم من إمكانياتها المادية والأمنية لحمايتها ولم يكن بإمكان البعثة التي فتحتها (وكلمة بعثة هنا مجازية مجازفة لأنها في حقيقة الأمر شخصان فقط) أن تصمد طيلة هذه السنة في ظروف يصعب أن لم يستحيل وصفها لولا عاملي الإيمان والتحدي.
خامساً: في غياب تام لأي رؤيا عربية متماسكة وجادة في معالجة الموضوع بل انعدام حتى الوعي بضرورة تواجد هذه الرؤيا بإبعادها السياسية والأمنية وإعادة البناء والاكتفاء لدى البعض أحياناً بالإنجرار إلى مواقف ترقيعية ومن منطلقات ضيقة لا تضع بالأساس ولا بالضرورة المصلحة العليا للشعب العراقي وإنهاء محنته بمساعدة أهله بتحصين بلدهم بتلاحمه الوطني وضمان ربط مستقبلهم بماضيه المجيد والعريق ولقناعتي أن الثقة والمصداقية وحدهما لم ولن يمكنا من مساعدات أهل العراق بل ولدا في أعماقي شعور قوي بالإحباط والقهر أمام المعاناة التي كنت شاهداً عليها طيلة هذه السنة وكذلك أحاسيس متناقضة بين ما يمكن للمرء ما يتمناه للعراق وما يراه فعليا ً على أرض الواقع.
والشعب العراقي وأقصد المواطن العراقي أصبح في موقع لا يحتاج فيه إلى المؤتمرات تصدر بيانات مهذبة وجميلة، سياسية كانت أم دينية، هي في نهاية المطاف عبارة عن مبادئ أخلاقية عامة و متسامحة لا يختلف عليها اثنان لكنها وللأسف بدون أي أثر يذكر على الواقع اليومي الأمني والمعيشي لهذا المواطن والذي يزداد سوءاً ورعباً.
أما الأمور اللوجستية المتعلقة بهذه المهمة والمساومات التي طالتها فقد أصبحت لا تستحق التعليق بل ولا حتى الإشارة إليها.
سادساً: أمام هذا الواقع المرير والمؤلم وأمام استحالة إنجاز أي شيء جديد وإيجابي، على الأقل بالنسبة إلى، فأجد نفسي مضطرا ً ومتألما ً وحزينا ً لإبلاغ معاليكم بأنني قررت الانسحاب من هذه المهمة بحلول نهاية شهر فبراير 2007، في انتظار قيام معاليكم بتعيين بديل قد يستطيع إنجاز ما لم أتمكن من إنجازه.
وفي النهاية أود أن أعبر عن شكري لتفهمكم وشكري موجه كذلك لكافة الزملاء في الأمانة العامة لدعمهم وصداقتهم.
كما أود أن أشيد إشادة خاصة برفيقي في هذه المغامرة الزميل طارق عبد السلام، الوحيد من الأمانة العامة الذي قبل أن يرافقني في هذه المهمة وواصلها بثبات وأمان بالرغم من ظروفها الأمنية والتهديدات التي رافقتها مهددة عدة مرات حياتنا وفارضين على عائلتينا سنة من الخوف من المجهول وضغط رهيب، أنا متأكد، لن يتمكنوا من نسيانه فترة طويلة.
الإشادة كذلك تطول العاملين المحليين في البعثة لدعمهم للمشروع بالرغم من التهديدات والخطورة البالغة على حياتهم كل يوم وهم قادمون للبعثة وكل مساء وهم منصرفون.
وتفضلوا معالي الأمين العام بقبول أسمى عبارات التقدير والاحترام.

مختار لماني
رئيس البعثة الدائمة لجامعة الدول العربية في بغداد