لن يرضوا.. حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ

بقلم: نقولا ناصر

بنقله محور التركيز في مهمته من الدعوة إلى الوقف الكامل للاستيطان الاستعماري اليهودي للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بالضفة الغربية إلى الدعوة لخطوات تطبيع عربي تدريجي فورية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، أكد المبعوث الرئاسي الأميركي ل "السلام في الشرق الوسط"، جورج ميتشل، خلال جولته الثالثة الأخيرة في المنطقة خلال ستة أشهر صحة التقارير عن نجاح دولة الاحتلال وجماعات الضغط اليهودية – الصهيونية الأميركية والعالمية في احتواء حملة رئيسه باراك أوباما الدبلوماسية والسياسية والإعلامية الضاغطة – دون أن تكون مقترنة بأي إجراء "عملي" للضغط – لوقف الاستيطان منذ "تعهد" أوباما لممثلي الجالية اليهودية الأميركية في الثالث عشر من الشهر الماضي باعتماد مبدأ مبادلة التطبيع بوقف الاستيطان كتعبير عن "التوازن" بين طرفي الصراع كما طالبه الزعماء اليهود الأميركيون.
ولم يجد ميتشل في العجز العربي – الفلسطيني ما يسوغ أي تردد في الدعوة إلى التطبيع العربي صراحة ودون مواربة من فوق المنابر الجمهورية والملكية في العواصم التي زارها، ليعلن: "إننا نجتمع مع قادة كثير من الدول العربية في المنطقة لتشجيعهم على اتخاذ خطوات حقيقية نحو التطبيع"، قبل أن يضيف مستدركا بحذر: "ونحن لا نطلب من أحد إنجاز تطبيع كامل في هذا الوقت"، والمراقب لا يعزو استدراكه إلى تردد في الموقف العربي الرسمي بقدر ما هو استدراك متوقع من دبلوماسي عريق مثله يأخذ في حسبانه تجنيب القادة العرب أي حرج مع جماهيرهم الرافضة للتطبيع كاملا كان أم تدريجيا، فوريا أم مؤجلا.
وإذا كان رفض المملكة العربية السعودية يوم الأربعاء الماضي، وقبله بيومين رفض الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، لدعوة ميتشل مبعث راحة مؤقتة للرأي العام العربي المقاوم للتطبيع باعتباره مؤشرا إلى أن قطار التطبيع العربي الرسمي لم يفقد كوابحه جميعها بعد، فإن أي راحة متسرعة كهذه سرعان ما تتبدد عند التدقيق في الموقف العربي الفلسطيني الرسمي، الذي يربط بين التطبيع وبين وقف الاستيطان، وهذا موقف قاصر بالتأكيد إذا ما قورن مثلا بموقف فرنسا التي أعلن المتحدث باسم وزارة خارجيتها، فريدريك ديزانيو، يوم الأربعاء الماضي أن بلاده تحث دولة الاحتلال على تجميد الاستيطان ولا تربط هذا التجميد بتطبيع العلاقات بينها وبين العرب!
فميتشل لم يكن بحاجة إلى بذل أي جهد حقيقي لتمهيد الطريق أمام دعوته، فقد أعفاه من بذل أي جهد كهذا المجلس الوزاري للجامعة العربية في اجتماعه الأخير بالقاهرة عندما "قرر أن الدول العربية ستدرس الإجراءات التي يمكن أن تقوم بها من أجل التجاوب مع الخطوات الإيجابية التي قد تتخذها إسرائيل، وأن التجاوب يجب أن يكون متدرجاً وأن تعمل الولايات المتحدة والمجتمع الدولي على حمل إسرائيل على اتخاذ إجراءات إيجابية قبل أي تطبيع عربي”، حيث أكد المجلس بذلك أولا القبول العربي الجماعي بالتطبيع من حيث المبدأ، وأكد ثانيا مبدأ مبادلة التطبيع بوقف الاستيطان، وأكد ثالثا مبدأ التدرج في هذه المبادلة.
وهذه هي تحديدا المبادئ الثلاث التي استند ميتشل إليها في دعوته، ليتجاهل هو والمجلس الوزاري العربي معا ليس فقط مبادرة السلام العربية التي اشترطت مبادلة التطبيع بإقامة دولة فلسطينية والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في الجولان السوري والجنوب اللبناني، واشترطت كذلك أن يكون التطبيع لاحقا لا سابقا لانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي مما يمثل انقلابا عربيا على المبادرة بل ليتجاهل ميتشل والمجلس أيضا ما كررت مؤخرا الرئاسة الفلسطينية التأكيد عليه – وهي المعنية المباشرة بنجاح مهمة ميتشل كمقدمة لا بد منها لاستئناف مفاوضاتها العبثية مع دولة الاحتلال – بأن كل مشروع الاستيطان اليهودي هو أولا غير شرعي طبقا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وبأن وقفه هو ثانيا التزام واستحقاق إسرائيلي بموجب الاتفاقيات الموقعة ومرجعيات "عملية السلام" بدءا من خريطة الطريق وانتهاء بتفاهمات أنابوليس، وبأن وقفه هو ثالثا ليس موضوع مبادلة وتفاوض بل شرط مسبق لاستئناف عملية التفاوض، وموقف المفاوض الفلسطيني هذا إذا ما أصرت الرئاسة الفلسطينية عليه سيجعل أي تجاوب عربي مع دعوة ميتشل بالضد من إرادتها وعلى حساب الموقف الفلسطيني "الرسمي"، المعلن في الأقل.
غير أن مراجعة سريعة لتجربة التفاوض الفلسطينية التي سرعان ما كان المفاوض فيها يتراجع عن مواقفه المعلنة، كما حدث مثلا قبل مؤتمر أنابوليس عام 2007 وبعده، لا تترك مجالا لأي شك في أنه لن يمضي وقت طويل قبل أن "تطبع" الرئاسة الفلسطينية مع "التطبيع العربي" كعنوان جديد لمهمة ميتشل.
فعلى سبيل المثال، وبالرغم من إعلان الرئاسة اشتراطها الوقف الكامل للاستيطان لكي توافق على استئناف الاتصالات والمفاوضات مع حكومة الاحتلال – مع أن المحللين يربطون تعليق هذه الاتصالات والمفاوضات بانتظار أن يعلن أوباما عن خطته لاستئناف "عملية السلام" هذا الخريف كما يتوقع المراقبون – فإن الاتصالات قائمة على قدم وساق في مجال التنسيق الأمني، وقد تسارعت هذه الاتصالات خلال الأيام القليلة الماضية لتسهيل دخول أعضاء المؤتمر الحركي السادس لفتح القادمين من خارج الضفة الغربية المحتلة، لكن المثال الأهم الذي يسلط الضوء على التناقض بين المعلن وبين الواقع على الأرض كان التئام اللجنة الاقتصادية الإسرائيلية الفلسطينية المشتركة، في وقت تعلن فيه الرئاسة والسلطة في رام الله رفضها ل"السلام الاقتصادي" الذي يقترحه رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، لينضم التعاون الاقتصادي إلى التعاون الأمني كمجالين غير خاضعين للشروط السياسية المتبادلة لاستئناف المفاوضات.
إن التطبيع الفلسطيني الأمني والاقتصادي قائم على قدم وساق، ولذلك فإنه لم يعد مطلبا إسرائيليا أو أميركيا، ويقتصر ما تطالب به دولة الاحتلال وراعيها الأميركي من المفاوض الفلسطيني على المزيد من التطبيع، تماما مثلما لم يعد الحليفان يكتفيان باعتراف منظمة التحرير بدولة المشروع الصهيوني بل يسعيان الآن إلى انتزاع المزيد من تنازلاتها لتعترف بـ"يهودية" هذه الدولة، ليصدق قوله تعالى: "وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ" (صدق الله العظيم).
ففي إطار التئام "اللجنة الاقتصادية"، تحدث يوم الأربعاء الماضي في مركز بيريس للسلام بتل الربيع (تل أبيب) كل من وزير الاقتصاد في حكومة سلطة الحكم الذاتي برام الله باسم خوري ووزير التنمية الإقليمية في حكومة دولة الاحتلال سيلفان شالوم عن "السلام الاقتصادي"، ليقول شالوم: "يجب أن نعترف بأن الرغبة في التطبيع هي رغبة إسرائيلية أساسية. فنحن نرى أن تطبيع العلاقات هو الهدف، بينما يراه العرب فقط كوسيلة لخدمة المصالح الاقتصادية"، قبل أن يعلن عدم رضاه عن المدى الحالي للتطبيع الاقتصادي الفلسطيني بالحث على إزالة ما وصفه ب"حاجز عدم التعاون الفلسطيني"!
أما المفارقة فتكمن في مبادرة الوزير الفلسطيني إلى إحياء "اللجنة الاقتصادية" ثم ذهابه لحضور أول اجتماع لها بعد إحيائها ليقول في المناسبة ذاتها إن "السلام الاقتصادي تمت تجربته فعلا في الماضي وقد فشل"، ومع أن "غالبية اتفاقيات أوسلو كانت اقتصادية" كما قال فإن "إسرائيل لم تلتزم حتى بمادة واحدة من اتفاقيات باريس" وهي الأهم من الناحية الاقتصادية، ليجمل الوزير خوري خلاصة التجربة التي وصفها هو نفسه بالفاشلة بالقول إنه "قبل أوسلو كان إجمالي الناتج المحلي الإسرائيلي أكبر إحدى عشرة مرة من مثيله الفلسطيني، وبعد خمس سنوات كان أكبر عشرين مرة.. واليوم فإن إجمالي ناتجنا المحلي هو أصغر مما كان عليه في سنة 1991 بنسبة خمسة وثلاثين في المئة". فماذا كان يفعل باسم خوري في تل الربيع إذن، وهل ذهب ليجرب المجرب!؟
ثم يحدثونك عن "اقتصاد الأنفاق" في قطاع غزة المحاصر، ولهذا حديث آخر. نقولا ناصر، كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com