لن تكونوا 'ابراهيم' ابدا!

يستعير عناصر داعش والقاعدة ومن لف لفهم، صورا وسلوكيات مجتزأة من التاريخ الاسلامي، ويسقطونها على الحاضر بطريقة مشوهة، تعكس مدى ضحالة عقولهم وبؤس نظرتهم للتاريخ بشكل عام، والاسلامي منه بشكل خاص. فهم في لباسهم المستوحى من الماضي، انما يحاولون تثبيت الزمن عند لحظة معينة، هي بالتأكيد مسبوقة بما قبلها، وانها في كل تفاصيها التي كانت عليها، انما عبرت عن حاضر متغير اتى بقيمه المختلفة عن ماض سبقه. والاّ كيف نفسر اختلاف لباس الانسان في العصر الحجري عنه في عصور الانبياء الممتدة لمئات السنين؟

لقد ظل هؤلاء الوحوش، يبررون كل ما قاموا به من جرائم، بان مثلها حصل في مرحلة من مراحل الاسلام، ليقولوا، انهم بما يفعلون، انما ليديموا تلك اللحظات التاريخية من اجل اعطاء الرسالة الاسلامية زخما متواصلا، بغية الوصول بها الى جميع انحاء العالم! او هكذا يرددون وهم ينقضون على ضحاياهم ذبحا بالسكاكين او حرقا بالنار، ويهددون الدول الاسلامية وغير الاسلامية، بانهم قادمون بالفتح، ويبعثون برسائلهم هذه بواسطة الفضائيات.

الشيء الذي لا يريد هؤلاء ان ينتبهوا اليه، هو انهم باستخدامهم تقنية تسجيل الافلام او استخدام الانترنت والموبايل، وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة، التي يعبئونها طروحاتهم الفارغة، انما يخرقون منظومتهم الثقافية البائسة هذه مرتين. اولها، ان هذه التقنية التي انتجها عقل الانسان، تقول ان الحياة لا تستقر على شكل واحد، وانها في جديد كل يوم. وثانيها، ان الاديان التوحيدية جاءت لتصلح واقعا فاسدا ولتوحيد البشر المتفرقين بين الهة مزيفة يقف وراءها دهاقنة، عرفوا الطريق الاسهل لسرقة الناس والتسلط عليهم في العصور المبكرة لـ"الدولة"، حيث كانت البشرية تحتاج الى من يدفع بها الى الأمام، لتبصر النور وتقف على طريق العدالة الاجتماعية الغائبة، وان فكرة التوحيد هي من انبل الافكار التي جمعت البشرية على كلمة سواء، ويعترف باهميتها حتى الملحدين، ولو بحمولة فكرية مختلفة.

اما اليوم فالقاعدة والدواعش، صاروا يصلون العالم بواسطة التقنية الحديثة غير الموجودة في تلك العصور، ومن دون فتح عسكري طبعا! لكن بوجوه تحمل اقسى اشكال البشاعة والقبح، مما جعل النفوس تنفر من رؤيتهم ورؤية افعالهم التي هي خلاصة رسالتهم المنحطة وليس أي شيء اخر غيرها. بذلك فهم فشلوا في فتح القلوب الذي مهّد من قبل الطريق للانبياء ليوصلوا للبشر رسالات التوحيد، التي تعتز بها البشرية الى اليوم.

بالامس صحونا مفزوعين على فعل جديد من سلسلة افعال داعش الاجرامية، تمثل بتدمير متحف الموصل الذي يضم مجموعة من انفس النصب والتماثيل التاريخية، التي تمثل الحضارة الاشورية. وقد كان تبرير هؤلاء، كما ظهر احدهم متحدثا على شاشات التلفزة، ان هذه النصب والتماثيل كانت تعبد من دون الله، وانهم نصبوا انفسهم مدافعين عن التوحيد، بتدميرها، وكانوا وهم يقومون بافعالهم الاجرامية هذه، يعتقدون انهم بصنيعهم هذا، انما يقلدون النبي ابراهيم (عليه السلام) حين ضرب بفأسه الاصنام. وربما تماهى بعضهم مع تلك الواقعة وصار يظن نفسه نبيا، بعد ان تقمص وهو في غمرة حماسته، دور ابراهيم! متناسين ان ما يدمرونه اليوم، هو مجرد اعمال فنية لا تربط الناس بها اية علاقة روحية، كما كان الامر مع الاصنام التي كانت تعبد، وباتت مجرد شواهد مادية تجاوزها الايمان منذ زمن سحيق باتجاه توحيد الله سبحانه، لتبقى تحكي قصة عصور آفلة لا اكثر.

لكن اصنام داعش وامثالهم، لا يفقهون، وانهم لن يكونوا مثل ابراهيم ابدا ايضا!