لن أنعي في القصيبي الشاعر والروائي

بقلم: مظاهر اللاجامي
حتى لا تكون ردّة

لستُ هنا بالطبع كي أستعيدَ وأعيدَ إنتاجَ تلك القصيدة الرومانتيكية الطويلة، المكرورة، القائمة على الترميز وإسباغ صفات الوحدانية الأدبية والتعظيم للمثال، لأملأ كلماتي بكان الراحل عبارة عن الاستثناء، أو يعتبر الراحل خسارة كبرى للأدب العربي، أو ترك الكاتب رحمه الله كتباً عديدة لها أهمية فائقة في مجال الشعر والرواية والفكر والإدارة والسياسة، كما هي الحالة المألوفة بعد رحيل كل اسم برز في أحد مجالات المعرفة، بل أنا هنا في هذه المقالة لأقول كلمتي وأمشي كما دعانا أمين الريحاني ذات يوم بعيد، لتكون كلمتي هذه استعادة نقدية أكثر منها استعادة لمنجز الرثاء والتبجيل.
هي ذات اختزلت مجموعة من الأبعاد وأعادت صياغتها في كلّ لتتمثّل في شخصية واحدة ورجل واحد، اسمه غازي القصيبيّ، فهو كما يوصف عادة الشاعر والروائي والكاتب والدبلوماسي والوزير والدكتور، وفي بعض من هذه الأبعاد مثّل القصيبي حالة إشكالية في السياق السعودي، منذ أيام الملك فيصل، حين صدر ديوانه الثالث حتى الكلمة التي وقع اسمه تحتها مقدمةً لرواية بنات الرياض لرجاء الصانع.
مع هذا فلن أنعي فيه الشاعر والروائي والكاتب بكلمة نعي واحدة، بل سأنعى فيه الإنسان فقط، ليس لأنه لا يستحقّ الرثاء بل لأن القصيبي لم يمت أدبياً في 15 أغسطس/آب 2010، ففي التاريخ المذكور كان رحيله فعلياً، أما أدبياً فكان رحيله قبل ذلك بكثير.
ففي الشعر ولد القصيبي لكنه مات في مرحلة المراهقة، فقد كان يبني قصيدته بأدوات المنجز ولغة المألوف ولم يستطع أن يجترحَ مشروعه الشعري الخاص ويمتلك صوتاً مختلفاً في سياق الشعر، إن كان عربياً، أو حتى كان سعودياً، إلا إن ديوان "معركة بلا راية" أثار إشكالاً على أعلى المستويات في العام 1970 حين صدوره، لكن الإشكال لم يكن من طبيعة أدبية وجمالية وأسلوبية، بل كان من طبيعة أخلاقية حيث النظرة السائدة للأدب في السياق السعودي ما زالت عند شرائح كبيرة منه هي أن الأدب فعالية وعظية وصيغة من صيغ الإصلاح الاجتماعي، ففي ذلك العام سارت الوفود للملك فيصل كي يُمنع الديوان من التداول ويُحاسب الشاعر إلا إن الرد جاء من مستشاري الملك فيصل بأن الديوان لا يحمل ما يستوجب المنع والمحاسبة.
أما في مجال الرواية فلا بد أن نقسّم المشروع السردي للقصيبي لمرحلتين مغايرتين، والتغاير هنا ذو طبيعة أسلوبية وجمالية وليس من طبيعة زمنية، ففي المرحلة الأولى كانت الرواية عند القصيبي تمثّل شكلا أعلى من أشكال التجريبية، فقد أثارت هذه التجريبية على مستوى العالم العربيّ أسئلة عديدة وإشكالات جمالية وأسلوبية وتقنية، وتقف رواية "العصفورية" في أعلى هرم هذه المرحلة من التجريب التقني، فقد دمّرت هذه الرواية المفهوم التقليدي للرواية حيث لا عقدة ولا بداية ولا نهاية، كما هو الشكل المألوف للرواية، بل حوارية طويلة بين راوِ استأثر بالسرد أغلب صفحات الرواية وبين مستمع كان له الحضور الأقل على هذا المستوى، وخلال هذا السرد تم تدمير مكونات الرواية التقليدية من مكان لزمان ليصل الأمر بالتجريبية حدودها القصوى حيث تصبح الحكاية والفكرة هي البطل الذي يسيطر على السرد، لتأتي رواية "7" بعد ذلك لتتموضع داخل إطار التجريب الروائي.
وتأتي المرحلة الثانية أمينة للمنجز الروائي ولصيغه التقنية المعروفة والمنجزة، وتقف رواية "شقة الحرية" في أعلى قمة هذا الهرم حيث أثارت هذه الرواية الكثير من الأسئلة أيضاً، وإن كانت هذه الأسئلة أسئلة ذات طبيعة إيديولوجية وليست ذات طبيعة جمالية وأسلوبية، تماماً كما حدث مع ديوان "معركة بلا راية" في السبعينيات، وكأن حالة من التواطؤ بين الأضداد في السياق السعودي استطاعت أن تعقد ميثاقاً من أجل اعتبار الأدب شكلاً من أشكال السجال الإيديولوجي، وليس ظاهرة جمالية، فبين مجموعة لم تجد في الرواية سوى محاولة لتشويه مرحلة من مراحل تاريخ النضال العربي حيث كانت تمثّل تلك المرحلة بشعاراتها وأسمائها جسراً من جسور الخلاص، وتحقيقاً لرغبة الجماهير الوحدوية، فجاء القصيبي ليختزل تلك التجربة لحالة بوهيمية لم يكن للنضال السياسي فيها أي قيمة، وبين مجموعة لم تكن رؤيتها تتخطى الثيمة الأخلاقية فلم تجد هذه المجموعة في الرواية سوى أنها مجرد هتك وفضح للمسكوت عنه ودعوة صريحة للخروج عن أخلاقيات المجتمع السعودي، أي عن أخلاقيات المجتمع الإسلاميّ، حيث تتماهى في السياق السعودي الرؤية الاجتماعية مع الرؤية الدينية، بعبارة أخرى لم تستطع أن تصل في رؤيتها لأبعد من مسألة الجرأة والفضح، وثنائية الطهر والعهر التي ما زالت تحكم وتشكل فكر المجتمع السعودي وسلوكياته واستجاباته.
في هذه المرحلة لم يستطع القصيبي أن يتجاوز "شقة الحرية" التي أجدها رواية ذات طابع تسجيلي وتوثيقي للحدث حيث لم تقدم مبرراتها الجمالية التي يحيلها لعمل إبداعي متميّز ومفارق، لا من حيث اللغة التي كانت ذات طابع مباشر ووظيفة إخبارية لا جمالية، ولا من حيث الشخصيات التي كانت وسيلة نحو الفكرة ولم تكن غاية فنية لها حضورها السيكولوجي داخل النص ولا من حيث مكونات السرد الأخرى.
وقد جاءت روايات هذه المرحلة خلواً من أي قيمة أدبية أو جمالية حيث أصبحت رغبة الحضور والنشر المستمر هاجساً يسيطر على القصيبي فجاءت روايات: سلمى وحكاية حب ودنسكو وأبو شلاخ البرمائي والجنية وهما وسعادة السفير، أعمالاً مرتبكة على المستوى الفني، ولم تصل لمستوى أن تثير سؤالاً جمالياً واحداً، أو أن تكون مجالاً خصباً لمقاربات نقدية يمكّنها من تفعيل أسئلة النقد.
القصيبي كما ذكرنا في البدء ذات تختزل عدّة أبعاد ولعلّ البعد الأكثر إشكالاً في شخصية القصيبي هو أنه خرج عن السياق الفكري السعودي في عديد من المواقف والأفكار، كان أبرزها ما حدث بين مجموعة من الصحويين وبينه في أواسط التسعينيات، حيث تحوّلت تلك السجالات لحملة تشويه إعلامية وصلت لمنطقة متقدمة حد الطعن في غازي عبر المنشورات وأشرطة الكاسيت والكتيبات التجييشية التي لا تخضع لشروط العملية المعرفية، بل هي مجموعة من السباب والشتائم والاتهامات.
ومن خلال منابر الجمعة التي هي الأداة الأبرز والأشد خطراً والتي يسيطر عليها الوعاظ الذين هم الأكثر تأثيراً في المجتمع السعودي تم إعلان غازي القصيبي رسولا من رسل الزندقة والكفر، دون أن نغفل أن القصيبي يعتبر من جهة ثانية إمكانا مفتوحاً لمناقشة الإشكالية التي تثار بمستويات مختلفة وهي العلاقة بين المثقف والسلطة.
في هذا السياق أصدر غازي كتابا بعنوان "حتى لا تكون فتنة" وهو بمثابة الرسالة، يوجهها نحو من جعلوا أنفسهم في حقل الخصومة لكلّ من هو مغاير في الرؤية، إن كانت هذه الرؤية للدين أو للمجتمع أو للثقافة، وأشهرهم الشيخ ناصر العمر والشيخ سلمان العودة، مماهين بين قراءاتهم التي هي في عمقها وأدواتها قراءة بشرية، وبين الدين كظاهرة متعالية، ليكون المغاير بالتالي حتما في موقع الخارج على هذه الحقيقة المنتجة داخل الأطر التقليدية للفكر وصناعة المعرفة، وقد كان عنوان المغاير في تلك الحادثة هو القصيبي، والسؤال الذي يجب أن يؤرق كل من يريد أن يكون فاعلاً اجتماعياً يهجس بالتنوير، هو، كم نحمل في هذا السياق من القصيبي داخلنا كي لا تكون ردّة؟!، وهل اختلفت الحالة منذ أواسط التسعينيات حتى الآن كثيراً، أم إننا ما زلنا نستعيد ذات الأسئلة وذات الإشكاليات، ونعيش ذات الواقع وذات الوعي الجمعي الذي لا يزال يصفّد حركة الحياة ويصيّرُ الحرّيةَ دائما ضحيّتَه الأولى؟! مظاهر اللاجامي ـ روائي من السعودية • الورقة التي قدمت في منتدى حوار الحضارات بتاريخ 1/9/2010.