لم يكن الجَّلبي كبش فداء لخطايا العراقيين

يالبؤس حال العراق بعد العام 2003 عندما يغيَّبُ عنه الوعي عمداً، عبر وسائل متعددة يأتي الاعلام والصحافة في مقدمتها لتصبح الفرصة سانحة للقاتل المحترف حتى يتبختر في رحابه مرتديا ثوب الملاك الطاهر، وساعة يموت ينقسم العراقيون على انفسهم ما بين فريقين الاول يبدو فيه شامتاً، والثاني يُذرف الدَّمع عليه ساخنا!

موقف الفريق الثاني يحمل الكثير من الغرابة والاستفزاز ولا ينسجم مع القرن الواحد والعشرين بكل ما كرسه من احترام لحق الشعوب في الحرية، ولا نجد هذا السلوك شائعا وطبيعيا ومقدسا إلاّ في مجتمعات بدائية لم تعرف سوى حياة العبودية، لذا سيكون من الطبيعي بكاؤها على سيدها لمّا يموت، لا لشيء إلاّ لأنها قد تعودت على حياة العبودية، ولا تجد في مثل سلوكها هذا ما هو غريب وخارج عن المعقول والمقبول.

ولأنها ــ وهذا هو الأهم ــ لم تتذوق بعد طعم الحرية.

في هذا المشهد العراقي يشارك في عملية تغييب الوعي عشرات الاعلاميين والكتاب ينتمون في ولاءاتهم لمشهد سياسي غارق في مستنقع التناحر الطائفي والقومي، في مقابل ذلك هنالك عددا محدود من كتاب اعمدة الرأي اتسمت كتاباتهم بالموضوعية.

إلاّ أننا تفاجأنا بكتابات بعض هذا العدد المحدود وبعد موت الجلبي (الثلاثاء 3 نوفمبر 2015) قد شطحت بعيدا لتنحرف بمن كتبها عن الموضوعية والاعتدال ولتقذف بهم على ضفة اخرى ليست التي اعتادوا ان يقفوا عليها، حتى أن ملامحهم بدت مشوّهة ولا تشير اليهم. جاء ذلك عندما اخذت تلك الكتابات تعدد مناقب الجلبي وخصاله، وتكيل المديح لذكائه وقدرته على "تنضيج خطاب اصلاحي سياسي مُهم خلال السنوات الخمسة الماضية". وكأنها في وصف الجلبي على هذه الصورة المختزلة تريد أن تمارس علينا وبمهارة لا نشك فيها، لعبة لغوية تجعل من الموضوعية والاعتدال على درجة من المساواة مع التمادي والمبالغة.

هذا الموقف له علاقة بالتدليس ولا علاقة له بالموضوعية ولا بالاعتدال، ولن يدخل في باب الانصاف، ولا تعبيراً عن موقف نقدي لظاهرة سياسية اسمها الجلبي، مرتبطة بجملتها ــ مثل ارتباط المشيمة بحبل السرّة ــ بالاحتلال الاميركي وماتسبب به من موت للعراقيين وتدمير لبلدهم.

لذا لم تكن موفقة مثل هذه الكتابات عندما رسمت صورة للجلبي يبدو فيها وكأنه "كبش فداء لخطايا العراقيين.. يرجمونه فيستريحون من خطاياهم". بهذا المنطق هي لا تنسجم مع ثوابت قيمية لايختلف عليها اثنان اينما كانوا، فخيانة الوطن موقف ينحصر في معنى واحد "التفريط بمصلحة البلاد لصالح قوى اجنبية"، وتعرَّف الخيانة العظمى في الدستور الأميركي بأنها: "شَنُّ حرب ضد الولايات المتحدة (من قبل مواطن أو مجموعة من مواطنيها) أو مساعدة أعداءها". والجلبي بإرادته ووعيه وضع نفسه في معنى الخيانة العظمى كما جاء تفسيرها في الدستور الاميركي، ومع انه شخص مميز بقدراته العقلية خاصة في علم الرياضيات، لكن هذا التميز لن يرفع عنه هذه التهمة.

ولو كان الجلبي مصابا بخلل عقلي اونفسي عندها سيكون ذلك عذرا طبيا لتبرير سقوطه في مستنقع الخيانة العظمى، إلاّ أنه كان بكامل قواه العقلية خاصة فيما يتعلق بتقديمه الحجة للاميركان لشرعنة احتلالهم للعراق والتي كانوا ينتظرون من يقدمها لهم من العراقيين انفسهم بإي ثمن يطلبه.

ايضا جاء تعريف الخيانة العظمى في الموسوعة العالمية ويكيبيديا كما يأتي: "توجَّه هذه التهمة إلى من يتصل بدولة خارجية بهدف تقويض الأمن والاستقرار في بلاده، يقاتل مع طرف آخر ضد بلاده، يخطط لقتل رأس الدولة، يتخابر مع دول أخرى ويسرِّب لها أسرارها، وتكون العقوبة العادية على هذه الخيانة هي الإعدام أو السجن المؤبد ويُسمَّى الشخصُ المتهمُ بالخيانة العظمى في العادة خائنا".

امام هذه التوصيفات القانونية لفعل الخيانة العظمى كيف يمكن لنا ان نقدم ذريعة نبرر من خلالها ما ارتكبه شخص مثل الجلبي ــ بكل قدراته وامكاناته العقلية التي يشهد عليها اعداءه قبل اصدقائه ــ حتى نبرِّئه من جريمة الخيانة العظمى؟

الجلبي قدم حجّة كانت اميركا بأمس الحاجة اليها حتى يبدو غزوها للعراق قائما على دلائل قدمها لها عراقيون، وليس قائما على فرضيات وتأويلات اميركية، لذا امسكت بها بأسنانها، من اجل تدمير الدولة العراقية (وهذا ما حدث فعلا) وليس لأجل اسقاط نظام متهم بانتهاك الحريات وقمع الشيعة وابادة الأكراد، فالاميركان لهم حسابات اقليمية بعيدة، تتعدى حدود العراق كما اتضح فيما بعد في سوريا واليمن وليبيا، وهي ابعد ما تكون عن حسابات الجلبي الضيقة والمحصورة في اطار اسقاط نظام سني (اقلية) واستبداله بنظام شيعي (اكثرية).

في ظاهرها تبدو النتيجة التي جاء بها الغزو الاميركي للعراق الذي ابتدأ في 20 مارس/اذار 2003 عملية استبدال نظام دكتاتوري بنظام آخر، لكنها في حقيقتها اكثر سوءا من هذه الصورة الاختزالية، خاصة عندما نقف أمام صورة البديل الذي جاء به الاميركان، فنجده غير قادر على بناء نظام سياسي واضح المعالم، فكيف به امام مهمة اعادة بناء دولة احالها المحتل الى انقاض بعد أن كان العراقيون قد قطعوا اكثر من مائة عام في بناء مؤسساتها القضائية والتشريعية والتنفيذية، وكان العراق الدولة العضو العربي الوحيد المؤسس للامم المتحدة عام 1945.

بقي الجلبي حتى آخر لحظة من حياته غير نادم على ما رتكبه من فعل لصالح شرعنة غزو العراق من قبل اميركا، بل على العكس من ذلك كان دائم الفخر بما فعله على الرغم من كل الكوارث التي جاء بها الغزو.

ولم تكن انتقاداته في الاشهر الاخيرة قبل وفاته وخاصة في اطار الفساد الاداري والمالي الذي شهدته اروقة الدولة والحكومات العراقية المتعاقبة علامة على تقاطع وافتراق بينه وبين النظام السياسي الحاكم الذي ينتمي له، بل كانت تلك الانتقادات ــ حتى وإن كانت قاسية ــ جزءا من محاولاته الجادة لاجل الحفاظ عليه واستمرار بقائه.

تلك الملاحظات لم تدخل في اطار المراجعة والنقد لجوهر الاسس التي نهض عليها النظام القائم والذي تمحور حول تكريس البعد الطائفي عندما جعل الهوية السياسية للمذهب تتغلب على الهوية المذهبية. فمن المعلوم أن الجلبي كان قد وضع الحجر الاساس لهذا "التغليب" إن صح التعبير، عندما اسس مع اخرين المجلس السياسي الشيعي عام 2004 وكان اطاراً يجمع ساسة الشيعة من اجل الامساك بالسلطة وليس من اجل التمسك بالمذهب.وهذا الموقف ينسجم تماما مع شخصيته البرجماتية التي لاتمنعها ثوابت معينة من اجل الوصول الى ماتبتغيه.

مات الجلبي عراب الاحتلال الاميركي بعدأن أدَّى دوره كاملا في تدمير حلم العراقين بالعيش في وطن موحد آمن، وترك خلفه حفنة من صغار الساسة تربّوا في مدرسته، والملاحظ أن هؤلاء الذين تركهم لايحملون أيّة خصائص فردية تميزهم وتشير الى انهم سياسيون يتسمون بالدهاء مثل استاذهم، وكل ما يميزهم عن غيرهم من ساسة وزعماء العالم مايحملونه من فكر طائفي منغلق، وجهل مطبق في التحاور والتفاعل مع العالم الخارجي، والأهم مِن كل هذا ما يحملونه من جوع ازلي للنهب والسرقة لن ينطفىء حتى لو نهبوا كل ثروات العراق واحالوه الى حطام.