لم لاينضم العراق الى اقليم كردستان؟

بقلم: مهند حبيب السماوي

أنه سؤال غريب ومستفز... وربما مضمخ بالعبثية وغاطس مزاجه حتى رقبته باللامعقول والسريالية. ويبدو، هكذا سيظن المتلقي لاول وهلة، ان صاحبه كتبه في لحظة غيبوبة معرفية ووجد صوفي لم يحاكم عقله وفطنته فيما ماخطت يمناه من سؤال عابر لحدود العقل متجاوزا للواقعية، كافرا بمنطق الاسئلة التي يرسم قواعد واسس لصياغة اي سؤال باحث عن جواب حقيقي ومقنع من اجل تجنب الوقوع في التحذير الذي اطلقه لويس التوسير حينما قال: "ان الاجابة عن سؤال خاطئ لايمكن الا ان تكون خاطئة".
لكن صاحب السؤال والمقالة التي جاء السؤال عنوانا لها يخالف كل ما قيل اعلاه من اعتراضات يصفها بانها تندرج في خانة الأوهام والخرافات التي شككت بالسؤال منطلقة من اغراءات زيف لغوي هائم لم يفكك السؤال وينتقل الى ما وراء المعنى المختبئ خلفه والذي يظهر ان المعترضين عليه فكروا بمنظار جغرافي يرسم مشهده بجلاء المكان المحدد والزمان المعين المتجسدين في عقلهم الذي تبلورت لديه في صورة ممنهجة على ارضية الواقعية الساذجة.
السؤال الذي طرحته جاء حصيلة مخاض لما يجري في العراق واقليم كردستان، حيث ان الاوضاع التي يشهدها العراق بكل مافيها من تمظهرات سياسية واقتصادية وامنية وخدماتية ومقارنتها مع نظيراتها في اقليم كردستان يخلق ردود افعال مختلفة لدى المتلقى تتنوع وتختلف بحسب ثقافته ورؤيته وقدرته على طرح الاسئلة الباحثة عن اجوبة حول ما يجري في اقليم كردستان من جهة وما يحدث في بقية محافظات العراق ومن ضمنها بغداد عاصمة الحكومة الاتحادية لجمهورية العراق من جهة اخرى.
المسح الاستقرائي الذي يجريه الباحث المختص فيما يحدث في اقليم كردستان، الذي يتمتع بحكم ذاتي موسع منذ عام 1991، يجد انه يعيش نهضة عمرانية ضخمة ومستوى خدماتيا جيدا، وفرص عمل استثمارية مختلفة، وتخطيطا اداريا فعّالا، مع ما يرافق ذلك من وضع امني مستتب، واستقرار واضح على الصعيد السياسي جعل
من "الاجانب الذين يزورون الاقليم يندهشون من التقدم الحاصل فيه" كما وصف ذلك ميشيل روبن في بحثه المنشور في موقع American Enterprise Institute يوم الاثنين 18-5-2020، وهو الذي جعلني اطرح السؤال المرسوم اعلاه وعلى هذا النحو الاستفزازي.
فاقليم كردستان يتمتع بخصال عدة تميزه عن بقية أرجاء العراق عموما وعن العاصمة بغداد خصوصا، بل "هنالك العديد من المناظر في اربيل مثلا ممن لا يمكن ان تراها في بقية انحاء العراق، وهي تتضمن مطارا جديدا رائعا ومولات كبيرة للتسوق ومصارف ومخازن وفنادق من النوع التي لاترها الا في اوربا كما يقول ماكس بوت في مقالته "اكراد العراق والنجاح المتصاعد" المنشورة في موقعCBS News بتاريخ 19-5-2010 .
فالإقليم أكثر استقرارا، من الناحية السياسية، من بقية إنحاء العراق على الرغم من وجود خلافات وتباين في وجهات النظر بين اطيافه وكتله السياسية، والخلاف بين هذه الاحزاب التي تشكل موزائيك اقليم كردستان لا تصل الى حرارة وحدة الخلافات السياسية في بغداد العاصمة والتي نرى نماذج كثيرة منها كل يوم عبر وسائل الاعلام لدرجة صدّعت رؤوس العراقيين.
أما من الناحية الاقتصادية، فاغلب المحللين الاقتصاديين يتفقون مع الرأي الذي يقول بان الاقليم "معبر للاستثمار ومركز للتغيرات الايجابية لكل أنحاء العراق" على حد تعبير رئيس وزراء الاقليم السابق نيجرفان برزاني في كلمة القاها في معرض اربيل الدولي الثاني والدورة الثالثة لمعرض اعمار العراق. حيث يبدو ان الاقليم قد استطاع الخروج من اطر النظام الاشتراكي في الاقتصاد وتحول نحو اقتصاد السوق بكل ما فيه من استثمارات وخطط وبرامج وفتح المجال للشركات العالمية للدخول بقوة الى سوق الاقليم ، والتي بلغ عددها أكثر من 5000 شركة من 27 دولة.
ولم يكن سهلا دخول هذه الشركات الى اقليم كردستان وسط حالة الفوضى التي يغرق فيها العراق، الا ان قادة الاقليم قد فعلوا ذلك وجلبوا هذه الاستثمارات، وقد اشار الى ذلك بوضوح المسؤول عن العلاقات الدولية في حكومة الاقليم السيد فلاح مصطفى باقر حينما قال "لم يكن امرا سهلا جذب المستثمرين الى منطقة تشكل جزءا من بلد غارق في الحرب لكننا ركزنا على نقطتين مهمتين هما ضمان الامن والاستقرار السياسي".
وفي هذا الكلام الكثير من الصحة والحقيقة، فحينما تنتقل في شوارع الاقليم ترى ان اعمال بناء المجمعات السكنية والتجارية قد بدات تتضاعف كما ترى بوضوح المشاريع الاستثمارية في كل ارجاء الاقليم مدفوعة بقوانين اقرتها حكومة الاقليم لجذب الاسثمارات الاجنبية ومن ضمنها قانون تشجيع الاستثمار في اقليم كردستان الرقم (89) لسنة2004 الذي عمل على الاعفاء من الضرائب لفترة زمنية تصل مدتها الى عشرة اعوام، ورفع كل العراقيل التي تؤثر على الاستثمار، والاستفادة من خبرة الشركات التركية، واعتماد التخطيط والادارة الجيدة ووضع تصميم جديد للمدينة، فضلا عن وجود مطار اربيل الذي يربط بين الاقليم وبقية الدول مباشرة عبر شركة "كردستان ايرلاين" .
وهذا ما دفع بالسيد هوشيار نوري عباس من شركة النفط التركية الكندية "توبكو" الى حد القول ان كردستان "ستكون بديلا عن دبي" وهو كلام مشابه لما قاله نوزاد هادي مولود محافظ اربيل يوما اذا اكد على انهم يسعون لان يكونوا "نسخة مطابقة للامارات العربية المتحدة وغيرها لنكون مثالا يحتذى به في سائر مناطق العراق". ويظهر ان تقدم وتطور الاقليم الاقتصادي يسير على نحو مطرد وبسرعة كبيرة، حيث أكدت وزيرة التجارة الخارجية الإماراتية الشيخة لبنى القاسمي، في مؤتمر صحافي، عقدته خلال زيارتها للاقليم باربيل، أن "بلادها تسعى لفتح قنوات التعاون الاقتصادي والاستثماري مع إقليم كردستان" معربة عن تطلع الشركات الإماراتية "لتعزيز الاستثمارات الإماراتية في اقليم كردستان الذي يشكل جزءا مهما من العراق الشقيق". فيما توقع وزير الصناعة والتجارة بحكومة كردستان العراق أن تشهد العلاقات التجارية بين أبوظبي وأربيل تقدماً لافتاً في المستقبل.
ولم يكن هذا النمو الاقتصادي المضطرد قد حدث من فراغ بل جاء نتيجة الوضع الامني المستقر في الاقليم مما مكن الشركات والدول المستثمرة الى اتخاذ قرارها بالدخول الى سوق الإقليم، ولم يتوقف الامر عن هذا الحد بل تعدى ذلك حيث أصبح الإقليم ملاذا آمنا للكثير من العراقيين، اذ تفيد معلومات مركز مراقبة المهجرين العراقيين في الداخل، أن أكثر من مليون و600 ألف عراقي هجروا ديارهم في الفترة بين عامي 2006 و2008 والعديد منهم وجدوا مستقرا لهم في الاقليم، وأعلنت المنظمة الدولية للمهاجرين أن 7000 مهجر عراقي يعيشون في أربيل.
اما مستوى الخدمات فنرى بوضوح انها افضل من بقية إرجاء العراق ومن ضمنها العاصمة، وفي هذا الأمر اعتمد قادة الإقليم لا على أجهزتهم الإدارية والميدانية في هذا المجال بل اعتمدوا على المواطن نفسه اذ تقول التقارير التي اجرتها احدى المحطات الفضائية مؤخرا ان الانسان في اقليم كردستان يساعد الحكومة في تحقيق الاهداف التي تعمل لها وتسعى لتحقيقها وهذا مالم نجده في بقية ارجاء العراق بكل اسف.
ووفقا لهذه المعطيات، واستنادا للحقائق التي قدمناها اعلاه، وجدت نفسي مضطرا ان اطرح على طاولة البحث السؤال المحوري الجوهري التالي: لم لاينضم العراق الى اقليم كردستان؟ لم لا يستفيد من نفس الرؤى السياسية والانفتاح الاقتصادي الذي يشهده على بقية الدول متخطيا العقبات وعابرا للصعوبات التي تقف في طريقه، لدرجة انه سيكون محطة لتعزيز العلاقات بين العراق ومحيطه الاقليمي كما اشار رئيس وزارئه الحالي برهم صالح حينما قال "نريد ان تكون هذه المنطقة الامنة من العراق منطلقاً لتعزيز علاقات العراق مع محيطه العربي والاقليمي، وهذا سيكون فيه خير للعراق والمنطقة"، فهذا "النموذج الكردي يصلح ليكون منارا لما يمكن ان يكون عليه العراق في السنوات المقبلة اذا استمر العراق في قتال الارهاب والجريمة والفساد وتطوير مبادئ القانون" على حد تعبير ميشيل روبن. مهند حبيب السماوي alsemawee@gmail.com