لمياء نويرة بوكيل كاتبة لا تشبه غيرها

الكاتبة التونسية: لو لم يكن الحرف والدواة وسيلتيّ للكتابة، لاختلقت شيئا آخر ربّما، للتعبير والتدوين!


لمياء تحاول الإتيان بمواضيع جديدة من أرض الواقع، وتغلفها بمتعة الحبكة، ودهشة السرد


كتابي الأوّل كان الصدفة الرائعة لاكتشاف الطريق، منجزي العزيز عليّ ذاك كان كأوّل طفل من لحم ودم وورق

نشأت في بيئة محبة للفن والثقافة والمطالعة، فرافقتها الكتب مذ صغرها، ونسجت معها علاقة صداقة جميلة، ومفيدة، تنور دروب الطفولة والمراهقة أمامها، وترشدها إلى معرفة عوالم جديدة دونما مقابل، فتعود إلى عالمها الواقعي بكل سرور وابتسامة، كبرت، والتهت بالدراسة والعمل والعائلة، حتى شعرت في وقت متأخر نوعًا ما، بأن موهبتها بدأت تزهر، وتنتج أجمل النصوص والقصص.
كاتبة لا تشبه غيرها، نصوصها وقصصها مشوقة، تحاول الإتيان بمواضيع جديدة من أرض الواقع، وتغلفها بمتعة الحبكة، ودهشة السرد، تعبّ من مخيلة خصبة قادرة على الإبداع، ولها في ذلك أسلوبها الخاص، الذي يشدّ القارئ ويجذبه إلى عوالمها الخاصّة، التي تزخر بمشاهد حيّة، وتفاصيل دقيقة متفاوتة، تقتطعها من اليوميّ، من هموم الإنسان، وقضايا المجتمع، بتشعباتها، وأمراضها، أفراحها، أتراحها، وأمنياتها، وتنسج نصوصها وقصصها بلغة أدبية ماتعة، لها فيها بصمة خاصّة، سرعان ما يدركها القارئ، بعد متابعته لعدد من نصوصها. 
لمياء نويرة حرم بوكيل، كاتبة تونسية تشتغل بسلك التعليم وتدرّس اللغة العربيّة بالمدارس الفرنسية في إطار الإلحاق الثقافي، صدر لها كتاب "سفر في قبضة اليد" وهو مجموعة نصوص وقصص قصيرة، ولها قيد الإنجاز مجموعة ثانية في القصة القصيرة.
في بداية حوارنا معها، زودتنا الكاتبة والقاصة لمياء نويرة بمعلومات التالية عن نشأتها: كان ترتيبي الرابع من بين خمسة أطفال، وكنت تقريبًا منسيّة، بعيدة نوعًا ما عن أضواء الترف والاهتمام، الذي يحظى به البكر الأكبر، والثاني، الذكر المنتظر، والصغير، آخر العنقود المدلّل، فيمكن أن أقول إنّي كبرت في غفلة من الجميع، وسط كلّ شيء، وعلى مسافة تأمّل ومتابعة لكلّ شيء، ومن ذلك تربّت لديّ ملكة الملاحظة والانجذاب إلى التفاصيل، وشكّلتُ بحسّي المرهف، منذ نعومة أظفاري، عوالمي الخاصّة والجميلة، بين أخوة نشطين، ذي طباع مميّزة، وميولات بعضها فنّيّة، وفي وسط عائلي حميم، له خصوصيّات معيّنة، أمّ كأجمل وأثرى ما تكون الأنثى والنساء، وأب يشجّع على المطالعة، وحديقة شاسعة جدا كانت ملاذًا، ومخزن اكتشافات. 

القصة التونسية
المولود الأول

تعتقد أنّ لمياء الكاتبة هي ذاتها تلك الطفلة التي لم تتغير كثيرًا، رغم مرور السنين.  
يقول فرويد: "الطفولة هي المفتاح السحري لكلّ فنّان".
أعتقد أنّ لمياء الكاتبة، هي ذاتها تلك الطفلة، التي بدأت تكتب نصوصها مبكّرا، نصوصًا نسجتها في خيالها، وملأت بها حياتها متعة وتفرّدًا.
الآن تلك الطفلة، بلغت من السنين عتيّا، صارت أمًّا ولها عائلة جميلة، تضعها في عيونها وقلبها، وتشرك أفرادها في الكثير من كتاباتها وخيالاتها، وتحلم معهم لتنتعش بذلك الحياة، وتزهر الأحلام.
برعم الكتابة تفتح مبكرًا عندها: كنت أقبل على الكتب، مرّات كثيرة لا أنهيها، ولكنّني أصادق كلّ شخصيّاتها، فأغلق الكتاب، وأواصل رحلات رائعة مع أبطالي، وبكلّ اليسر، أعود إلى عالمي العائلي أو المدرسي، أقبل عليه بذات الأنس والتقبّل. 
ولهذا، أعتقد أنّ بذرة الكتابة تواجدت مبكّرا، وحاجتي للكتابة والتوثيق والتعبير، لم تفارقني يومًا، ولكنّ ذلك ظلّ ترفًا شخصيًّا، أو في دائرة ضيّقة، بعيدة عن فكرة الكتابة الأدبيّة، الكتابة كمشروع فنّيّ إنسانيّ متكامل، له آليّاته، ومقوّماته، ورؤيته، وصنعته، ومن شأنه أن يجعل للعمل أثرًا فنّيّا مؤثّرًا. 
كتاباتها تأخرت نوعًا ما في الظهور العلني والموثق، وذلك لعدّة أسباب: أنّي تأخّرت، هذا أمر ثابت، فلا جدال في ذلك، فقد كنت منشغلة بالولد والعائلة، أشغّل قدراتي ومواهبي الفكريّة فقط في دائرة عملي (التعليم)، أو في إثارة الاهتمام لدى أطفالي، والبحث المتواصل عن بذرات الإبداع المخفيّة في كلّ فرد منهم، ويمكنني أن أقول إني فعلت ما بوسعي، كأمّ شغوفة، متيقّظة، وتحبّ دهشة الاكتشاف، يومًا، يومًا، سيذكر لي أولادي ذلك، حين يعتمل بداخلهم كلّ ذلك المخزون، ويتشكّل بطريقة ما، سيكون وقتها الأمر في غاية الروعة.
فيما بعد، تستيقظ تلك البذرة الأدبية المبرعمة من سباتها، فتنمو وتثمر: الأقدار كانت حليفتي، فتماما ساعة تحرّر أطفالي من عوالمي "الضيّقة"، وتطلّعوا إلى اكتشاف العالم الأرحب بطريقتهم، تحرّكت بداخلي تلك البذرة الخصبة المنسيّة، ونمت، وثبتت، وتفرّعت أغصانًا، وطرحت ثمارها، لقد كبرت في قبّة زرقاء بهيّة، يظلّ مولودي الأدبيّ الأوّل مدينًا لها. 
وتوضح لنا القاصة لمياء بوكيل، كيف تجعل من قصصها مادة دسمة، يقبل عليها القارئ بكلّ نهم، قتقول: يسعدني أنّك تجد نصوصي مشوّقة، في الواقع، أنا حين أكتب أشبه كثيرًا نفسي، أنا إنسانة مرحة، أخاف الحزن، ولا أتحمّله كثيرًا، وأكره الملل جدًا، ولذلك أتوقّع أنّ القارئ يستحقّ أن يشعر بالمتعة والتشويق، فالحكمة، أو الصدمة، أو النكتة، أو المأساة، أو أيّ فكرة عظيمة تخدم الإنسانيّة، يمكن أن تمرّر في أسلوب مشوّق، قد نعجز عن مفارقة صفحات كتاب طويل، ونحن في غاية المتعة، أو الدهشة، أو الخوف، أو البكاء والحزن، وسبب  كلّ هذا الانشداد، هو بكلّ بساطة روعة السرد، وذكاء نسج تلك الخيوط المنسابة، التي توقع بالقارئ كأجمل ما يكون الوقوع. أنا أكتب نصّي الذي يتلبس بي، وأحاول نصب شراكي، وأن أجعل سردي متماسكًا، مقنعًا، مفيدًا، ويا حبّذا ممتعًا. وتستطرد بالقول: أنا أحبّ الحكي بالسليقة، ولو لم يكن الحرف والدواة وسيلتيّ للكتابة، لاختلقت شيئا آخر ربّما، للتعبير والتدوين. 
نصوص كتابها "سفر في قبضة اليد" هي انعكاس لهموم الإنسان، ونشرت في يوم عطلتها الأسبوعية سمتها بـأحاديث الأربعاء ثم: نصوصي الخمسة والأربعون، كلّها نشرتها بصفة أسبوعية مسترسلة على مدار السنة تقريبًا، في ذات الموعد، مساء الأربعاء والذي هو يوم عطلتي، وسمّيت نصوصي بأحاديث الأربعاء، وذلك طبعًا ليس تطاولًا على صاحب الأحاديث الأول الدكتور طه حسين، ولكن ثقة بأنّ الحديث ملك للجميع، ولكلّ خّصوصيّتة  فيه. وحديثي ذاك لحسن حظه، وجد اهتمامًا ومتابعة جيّدة، وخلق لي قاعدة جماهيريّة صغيرة حميمة، جعلت تتّسع شيئًا فشيئًا، وكلّما هي اتّسعت، ازداد عزمي واجتهادي، وخاصّة جدّيّتي، وما عاد الأمر ترفًا، ومجرّد متعة، وبحثًا عن نفَس جديد، بل صار التزامًا، ومسؤوليّة، وعملًا دؤوبًا. 

Tunisian literature
أطوّر انتظاراتي ومهاراتي

تطرقت في نصوص كتابها إلى مختلف جوانب الحياة، وفي المحصلة، يعتبر الكتاب صدى للواقع ببصمة إبداعية مميزة: نصوصي الخمسة والأربعين، تشكّلت كلّها من صلب حياتنا اليوميّة، ومشاغل الإنسان، وتطرقت إلى الإنسان الطفل، الشاب، الكهل، الشيخ، المرأة الكادحة، المرأة المسحوقة، المرأة الحالمة، الأسرة المفكّكة، الأبوان، المجتمع، مشاكل القوت، والبطالة، والإشاعة، والبيروقراطيّة، الحبّ والحلم والخيبات، الحنين والوفاء، الهويّة والانتماء، كما لم أنس الطفل في عالم الدراسة، بأن أضأت قليلًا على بعض الأطفال المختلفين. نصوصي حكاياتها، قطفتها من أرض الواقع، وأعدت تدويرها وتخييلها.
أما تسمية العنوان فهو لأجمل نصّ إلى قلبها: عنوان مجموعتي البكر "سفر في قبضة اليد"، هو عنوان أحد النصوص الحبيبة إلى قلبي، والذي كتبته بمشاعر إنسانيّة عظيمة، ولما للعنوان من دلالة تفتح على مذاهب شتى للتأويل لدى القارئ، ولأنّ السفر أيضًا، والخيال والكتابة، كلّها، عندي واحد.
الرسالة التي وددت القاصة بوكيل أن توصلها إلى القارئ من خلال هذا الكتاب، كانت: رسالتي الوحيدة، أنّني أجد الإنسان عظيمًا بكلّ متناقضاته، فليرى بشجاعة قبحه كما يعشق أن يرى جماله، وليتصالح مع نفسه، وليشتغل على مواجهتها وتطويرها، فهو لن يرى غيره، طالما لم ير جيّدًا بداخله، فلكم نحن مختلفون حدّ التشابه العظيم. فقد قيل ولا أستحضر صاحب القول: في تناقض الإنسان عمق وجوده الإنساني، وخلاصة مأساته وخَلاصه".
وقالت: بداية نشري للأحاديث، بدأت بقصص قصيرة، كانت ذاتية كثيرًا، ولكنّي أخرجتها بأسلوب مخاتل شديد التشويق، بعيدًا عن التفكير المسبق في أن يكون عميقًا أو يدعو إلى التفكير، وأن يصل إلى حدود أن يغيّر شيئًا عند القارئ، كان همّي الامتاع في أسلوب جميل ومحتوى يحمل أبعادًا قيميّة، هدفي كان يلائم قارئًا لجأ إلى عالم افتراضي، يبحث  له فيه عن جرعة من التسلية والإفادة الخفيفة، دونما ثقل، كنت أرى انتظاراته كما أرى ذلك في ذاتي، ذاتي التي تفتح النت لإيجاد توازن بين العالمين، فكرة لجعل الحياة متواصلة ربّما، وممكنة.
وأوضحت: لدي مشاريع أدبية أخرى، ومن فضل الله، كتابي الأوّل كان الصدفة الرائعة لاكتشاف الطريق، منجزي العزيز عليّ ذاك كان كأوّل طفل من لحم ودم وورق، طفل ظلّ نائمًا في رحمي طويلًا، وحين خرج للنور، اكتشفت معه حلاوة الأمومة، وأحسب أني امرأة خصبة، لن تفرّط في حقّها في الإنجاب، ويمكنني أن أبوح لك بأنّي أحلم بأن أنجب قبيلة، ذلك حلم، وربّما ممكن، وأنا قرّرت أن أسعى إليه طفلًا طفلًا، ومع كلّ مولود، أطوّر انتظاراتي ومهاراتي، وأشتغل على أن يكون ذا ملامح مقنعة، مهمّة، مختلفة، ابن شرعيّ لي، يحمل ملامحي الجينيّة.