لمن تدق طبول الحرب في العراق؟

هناك اليوم في العراق حروب كثيرة. بعضها قائم والبعض الآخر في طريقه إلى أن يقوم. لذلك فان العراقيين حين يتحدثون عن الحرب، فانهم لا يقصدون حربا بعينها، بل يضعون حروبهم كلها مجتمعة في سلة واحدة ويخلطون في ما بينها إلى ان يتيقنوا من أن كل واحدة من تلك الحروب صارت تنفتح على أخواتها.

هي حربهم المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات، بتنويعات مختلفة.

كان نوري المالكي وهو رئيس وزراء انتهت دورة حكمه ولا يزال يحكم يحلم في أن يدير حربا واحدة قبل أن يغادر كرسي الحكم فإذا بالعراق بعد ثمان سنوات من ذلك الحكم يدخل في حزمة متداخلة من الحروب. لا تسلمه حرب إلى أخرى، بل فتحت الحروب جبهاتها معا في الوقت نفسه. ولكي لا يبقى أحد عاتبا على المالكي فقد شملت حروبه الجميع، من غير استثناء.

لم يشأ المالكي أن يترك الحكم قبل أن يرى حروبه وقد وجدت طريقها إلى الواقع.

هل سيذهب الرجل ذو المظهر الكئيب سعيدا الى تقاعده، أم أن حروبه الفاشلة والخاسرة ستجره إلى السجن، باعتباره القائد العام لقوات مسلحة تخلت عن واجبها في حماية أرض الوطن؟

حرب داعش بالنسبة للمالكي ليست إلا عنوانا، استطاع من خلاله أن يدخل ايران على خط الازمات السياسية التي كان وجوده في الحكم سببها. ولكنه استطاع ايضا بحجة عدم وصول شحنة الطائرات الاميركية أن يجد مبررا للزج بايران في حربه ضد المدن ذات الغالبية السنية، وهي المدن الذي يرفض سكانها استمراره في الحكم، بعد أن ارهقتهم سياساته الطائفية بالعزل والتهميش والحرمان من حق المواطنة وسواها من العقوبات الجماعية.

في الوقت نفسه كانت هزيمة جيشه في الموصل وتداعيات تلك الهزيمة التي أدت إلى أن يخرج ثلثي مساحة العراق من نطاق السيطرة الحكومية مناسبة لاشعال حربه ضد الاكراد في الاقليم الذي يكاد يكون مستقلا.

لقد وجد المالكي في زحف الاكراد الى مناطق لم يتمكن جيشه من البقاء فيها وفي مقدمتها كركوك فرصة لأن يتخلى عن مسؤوليته من خلال الحديث عن مؤامرة كان طرفاها الاكراد والعرب السنة وكان ضحيتها الجيش العراقي الذي هرب قادته إلى أربيل التي وفرت لهم ملاذا آمنا، بعيدا عن بطش المالكي.

ولأن المالكي لا يجيد سوى المناورات وصناعة المكائد والدسائس واللعب بالوقت فانه في كل الحروب سالفة الذكر لم يكن يملك القوة التي تؤهله للخروج منتصرا. فلا ميليشيا بدر المدعومة بالقصف الايراني سيكون في إمكانها الحاق الهزيمة بثوار المناطق السنية المنتفضة ولا جيشه في إمكانه التقدم إلى كركوك لإعادة بسط سيطرة الدولة عليها، فان حربه الحقيقة قد بدأت تحت قبة البرلمان.

يعرف المالكي أن القوى السياسية لمجتمعة في البرلمان والتي هي من شاكلته من جهة موقفها الوطني المتذبذب انما تقف ضد ترشيحه رئيسا للوزراء في دورة ثالثة. وهو ما يعني أن ممثلي الشيعة صاروا خصومه أيضا. غير أنه وهو الذي اختبر الطبخة الشيعية يدرك جيدا أنهم في النهاية سيقفون معه ضد الاكراد والسنة. لذلك يبدو مطمئنا إلى أنه سيخرج منتصرا من هذه الحرب على الاقل.

ما لا يفكر المالكي فيه أن انتصاره الملغوم سيكون بمثابة اشعال النار في العراق كله. فالاصطفاف الحزبي الشيعي وراءه لا يمكنه أن يمنع انهيار الهدنة المؤقتة بينه وبين تيارات شيعية مسلحة صارت تطالب علنا بتنحيه عن السلطة.

بهذا المعنى فان اصرار المالكي على المضي في مشروعه سيفتح على العراق ابواب حرب جديدة، ستكون هذه المرة شيعية ــ شيعية. وهو ما يعني أن العراق كله سيكون ساحة حرب، من جنوبه إلى شماله ومن شرقه إلى غربه.

وهو سيناريو سيكون محتملا في ظل تواطؤ بعض الزعماء الشيعة ضد ارادة التغيير.