لمصلحة من تلويث سمعة مصر والمصريين

يبدو الأمر متعمدا أو موجها، الغرض منه إما تلويث سمعة مصر والمصريين أو إحداث خلل معنوي ومادي في العقل والوجدان المصريين، فليس هناك من تفسير آخر للهجمة الفوضوية الشرسة للفضائح التي تبثها برامج التوك شو على الفضائيات المصرية ويتم إعادة بثها وتوسع مساحة نشرها عبر وسائل الإعلام الورقية والإلكترونية، لتتلقفها بعد ذلك مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر وغيرها، فلم تكد فيديوهات "عنتبل الغربية" ـ السلفي ـ الجنسية تخبو وينطفئ بريقها وتنزوي في زحام الأحداث وتراكم الفضائح على مواقع الانترنت، حتى خرجت مُقدمة برنامج "المستخبي" على قناة "القاهرة والناس" لتثير ضجة ببثت فيديو لوكر "تجارة الجنس" بحسب وصفها، بحمام مغربي في شارع باب البحر في الأزبكية بالقاهرة، والذي ضبط به 33 رجلًا مثليا جنسيًا بتهمة ممارسة الفجور.

وفيما تتواصل ردود الفعل رافضة هذا الإجراء الفضائحي خاصة بعد نشر صورة تقف فيها الإعلامية تلتقط الصور لهؤلاء الشواذ أثناء مداهمتهم والقبض عليهم، تأتي إعلامية برنامج "صبايا الخير" على قناة تليفزيون "النهار" لتقدم حلقة عن الجن والعفاريت، يظهر بها أربعة فتيات يزعم أهلهن أنهن "ممسوسات" بالجن وينزلن تحت الأرض. ويظهر الأربع فتيات في حالة مأساوية، ويقمن بحركات مخيفة وملفتة للنظر، ويؤكدن أنهن يرون الجن يظهر من الحائط، إضافة إلي أنهم لا يستطعن سماع القرآن أو قراءته.

وفي الإطار ذاته وبما لا يقل خطورة عما سبق يخرج عضو اللجنة العليا للدعوة الإسلامية بمشيخة الأزهر د.رمضان عبدالرازق، ببرنامج "المسلمون يتساءلون" في فضائية "المحور"، ليناقش حرام وحلال تعليق الصور الفوتوغرافية على جدارن المنزل، ويؤكد أن "الصور التى يحرم تعليقها فى المنازل هى الصور التى لها ظل أى الصور المجسمة أو المنحوتة - التماثيل". ويدخل بعدها الشيخان الداعية خالد الجندي والشيخ مصطفى راشد مبعوث الأزهر ـ كإمام مسجد بسيدني باستراليا ـ ببرامج "صح النوم" على قناة التحرير، ليتبادلا الشتائم والتهديدات بسبب تحليل الأخير لشرب الخمر، وتأكيد عدم وجود نص صريح بالتحريم، وأن 60% من رواة الأحاديث بكتاب صحيح البخاري مطعون فى أشخاصهم. وهنا يدخل الأزهر على الخط من خلال د.سعدالدين الهلالي أستاذ الفقه مع عمرو أديب ببرنامج القاهرة اليوم.

جدل عقيم لا يحمل في طياته أكثر من إثارة الفوضى والعبث والنقمة، وهو الأمر الذي يوسع دوائر الانفلات والجريمة، ويعمق الانقسام والتشرذم بين المصريين الذين يعيشون اقتصادا غير مستقر يلقي بظلال سوداء على أرزاقهم ونفقاتهم وحياتهم اليومية، وأوضاعا حرجة أيضا غير مستقرة بسبب انشغال الدولة بمكافحة الارهاب والتطرف والتشدد الديني، وشبابا يقاوم التربص والتضييق على الحريات العامة، واحتجاجات واعتصامات عمالية تزداد يوما بعد الآخر، ونظاما جديدا يحاول تشكيل ملامحه وإراداته بعيدا عن سيطرة الأجندات الأجنبية الخارجية والأجندات الخاصة الداخلية، لكن يبدو أن هناك من يعمق العبث بل يستهدف تعميقه لتبدو مصر والمصريين ملوثين بكل الأوبئة وعلى كل الأصعدة.

وما يؤكد أن الأمر متعمدا ومقصودا إصرار الرئيس عبدالفتاح السيسي في كل خطاباته وتصريحاته على تنبه الإعلام ودعوته إلى تبني وعي المواطن بما يحفظه ويحفظ مصر في المرحلة الحرجة هذه، بل ذهب الرجل لأكثر من ذلك حيث خص الإعلاميين بالكثير من اللقاءات، وهو الأمر الذي لم يفعله مع القوى المجتمعية الأخرى من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني أو الساسة أو الاقتصاد.

والمشكلة أن فكرة المصريين عن الإعلام والإعلاميين أنه يتم توجيههم من أجهزة ومؤسسات الدولة الأمنية؟ فهل أجهزة ومؤسسات الدولة الأمنية تسعى لكل هذا التشويه والتجريح والإهانة والذل لمصر والمصريين؟ هل هناك غياب للوعي لدى هؤلاء وهؤلاء بحيث لا يدركون أن مثل هذه البرامج وهذه الموضوعات تثير الفزع والخوف والقلق والشعور بعد الأمان لدى المصريين، وتحرض على توجيه الاتهامات للنظام ومن ثم رفضه وكراهيته وتحميله كل المسئولية في الإخلال بالقيم والثوابت الأخلاقية والدينية والسلوكية، بل تعطي مؤشرات على فشل النظام في حماية المجتمع.

ولا يفوت هنا الإشارة إلى رجال الأعمال يتفرجون على أوجاع وأزمات ومشكلات المصريين دون أن يمدوا يدا للأخذ بأيديهم، بل يتاجرون بهم ويسومونهم سوء العذاب، وهم أنفسهم الذين يملكون هذه القنوات ويصرون على استخدام مثل هؤلاء الإعلاميين ويهللون فرحا بما يحققونه من رواج، فذلك يراكم من مكاسبهم ويدفع لتحصيل المزيد من الأموال من عائدات هذه القنوات الإعلانية، فمصر أمنها واستقرارها في زيل قائمة هؤلاء، وهي في الأول والآخر بالنسبة لهم مجرد سوق، إذا سقط أو انهار سرعان ما يهربون بما تحصلوا عليه من أموال.

إن شكوكا كثيرة تحوم حول من يعملون على تغذية هذه الفوضى وإشاعة مناخ التخلف والجهل، فإذا كان إحداث هذه الفوضى موجها من الأجهزة والمؤسسات الأمنية للإعلام والإعلاميين لإلهاء المجتمع ودفعه للتفكير بعيدا عن مجريات الأحداث على الساحة، وإذا كان ذلك طمعا من رجال الأعمال لكسب المزيد من الأموال، وإذا كان شهوة في الضوء والثراء من الإعلامين، فإن على مصر والمصريين السلام.

وليس جديدا أن نقول إن مصر تمر بمحنة كبيرة تستلزم تكاتف الجميع لتحصين المصريين من الانجراف وراء دعوات التطرف والارهاب التي لا تزال تملك صوتا قويا في الشارع، كما أنها بحاجة إلى أن تستقيم على طريق نهضة تطال كل المجالات، أما أن تترك هكذا نهبا لتجار التخلف والرجعية والجهل، فإن النتيجة لن تحمل خيرا على المدى القصير والطويل.