لمصلحة من اثارة واقعة الطف وما الهدف من ورائها؟

في أجواء الأحتقان الطائفي بين الشيعة والسنة، ليس في العراق فقط بل في بقاع أخرى من العالم الاسلامي كذلك، تسعى الامانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة في العراق الحصول على قرار دولي لأعتبار واقعة الطف عام 61 هجرية جريمة بحق الانسانية. ولأجله اعدت طلباً وقعه ما يزيد عن المليون وربع المليون شيعي ومن 35 دولة اثناء زيارتهم لكربلاء المقدسة قبل اسابيع. وحسب رئيس قسم الأعلام بالعتبة تلك، فأن الاخيرة منهمكة الان لتوقيع اتفاق مع عدد من المحامين المختصين بالقانون الدولي لرفع الطلب الى الجهات الدولية المعنية وبالتعاون مع الحكومة المحلية في كربلاء بغية "إدراج واقعة الطف كجريمة ضد الانسانية مثل جرائم النازية والبوسنة والهرسك وغيرها، عاداً هذه الجرائم اقل بشاعة من جريمة واقعة الطف"! على حد قوله وعلى حد قوله ايضاً ان الهدف من وراء ذلك هو "نشر اهمية الثورة الحسينية والاهداف التي خرج بها الأمام الحسين كونها اهدافا انسانية وليست اسلامية أو مذهبية خاصة". واضاف "ان ادراج الواقعة ضمن الجرائم ضد الانسانية، سيمكن محبي الحسين من ممارسة طقوسهم الدينية دون ان يعترضهم أحد في كل بقاع الارض."

يأمل المحركون لهذه المسألة، ان تقوم الامم المتحدة بزيارة اربعينية الحسين المقبلة سيما بعد ان "عدت موسوعة غينيس للأرقام القياسية زيارة أربعينية الأمام الماضية ضمن التجمعات السلمية الاكثر عدداً على مر التأريخ بعد أن وفد مدينة كربلاء المقدسة اكثر من 17 مليون زائر."

وفي خضم ما يرومون تحقيقه لم يرد ضد من تسجل واقعة الطف، اذا علمنا ان الجرائم بحق الانسانية غالبا ما تسند الى دول. ومع هذا فان الجواب، ان السنة وحدهم المستهدفون في نهاية المطاف، الأمر الذي سيقوي من الصراع الطائفي والمذهبي بين السنة والشيعة والذي يتخذ يوماً بعد أخر اشكالا دموية، في وقت احوج ما يكونان فيه الى الوئام والمحبة ونسيان الماضي.

قبل هذا الحراك غير المحمود، اجريت في مدينة الكوفة المحاكمات المهزلة لرموز من الدولة الاموية اتهمت بقتل الحسين، وقبلهما ايضاً هدد رجل دين شيعي معروف الكرد بالمهدي المنتظر، دع جانبا العشرات من الممارسات الطائفية الدالة على استفحال العنعنات الطائفية.

بعد دخول مؤسسات مذهبية على الخط، كالأمانة والحكومة المحلية المشار اليهما، فأن الامور لابد وان تسوء اكثر وباصدار الحكومة العراقية طابعا ماليا من فئة الالف دينار يحمل صورة واقعة الطف فان ذلك يعني ان الحكومة المركزية العراقية الى جانب الحكومة المحلية تلك ضالعة في إثارة العنعنات الطائفية التي بلغت هذه الايام وبالاخص اواخر شهر شباط واذار الماضيين مرتبة شن حملة اغتيالات طالت المواطنين السنة في اكثر من خمسة احياء بغدادية. ويبدو ان اثارة واقعة الطف لن تتوقف عند الفعاليات الطائفية اعلاه بل امتدت الى الاوساط الفنية ايضاً فعلى سبيل المثال شهدت كربلاء رفع الستار عن ما سمي بأفضل عرض مسرحي لواقعة الطف وبعنوان "في ظلال الطف" ولقد اشترك في تمثيله 85 ممثلاً.

بعد مرور 1375 عاماً على واقعة الطف، ذكرني مسعى الامانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة لصب المزيد من الزيت على النار وفعاليات طائفية اخرى غير سليمة لا شك لتعميق الخصومة بين معتنقي الدين الواحد، بحكاية طريفة فحواها أن صداقة حميمة جمعت بين مسلم ويهودي دامت عقوداً، الى ان حل يوم سمع فيه المسلم من خطيب الجمعة يحمل على اليهود تأمرهم لقتل السيد المسيح (ع) فما كان منه إلا ان ينتظر بفارغ الصبر انتهاء الصلاة لكي يأخذ صديقه اليهودي بجريمة أجداده. ولما انتهى المصلون من صلاتهم واذا به يحث الخطى نحو دار اليهودي، وفي الطريق التقى بقس واراد ان يتأكد منه اكثر، وذهب القس ابعد ما ذهب اليه الخطيب اذ قال "ان اليهود قتلوا المسيح وصلبوه". انذاك بلغ الغضب لديه أشده، وعندما وصل الى دار اليهودي راح يدق عليه الباب بقوة، ولم تمض ثوان واذا باليهودي يفتح الباب مذعوراً وجلاً مستفسراً عن السبب في التحول المفاجئ في طبع صديقه المسلم الذي صرخ بوجهه: ألا تعلم السبب؟ لماذا قتلتم المسيح (ع). انذاك رد عليه اليهودي بهدوء قائلا: "ياصديقي، لقد وقع هذا الحادث قبل نحو ألفي سنة من الان". لحظتذاك اخذ الغضب يفارق المسلم وهو يقول: "المعذرة، لقد سمعت بهذا الحادث قبل دقائق"! فيا ايتها الامانة والحكومة المحلية الكربلائيتان، هل من العقل والحكمة اثارة حادث وقع قبل 1375 عاماً؟ وعلى مر هذا التأريخ لا بد وأن اضيف اليه (الحادث) الكثير وبولغ فيه حتماً، والناس كما نعلم ميالون الى المبالغة والتضخيم والاضافات، وفي زمن يترفع فيه المتخاصمون على احداث وقعت بالأمس القريب فتجدهم يحتكمون الى العقل والمنطق والعفو والتسامح و"عفا الله عما سلف". أولم تسمعا بتبرئة الفاتيكان عام 1964 لليهود من دم السيد المسيح (ع)؟

على الامانة تلك والمراجع الشيعية كافة الانتباه الى التصرفات اللاعقلانية والمستهجنة المفعمة بالكراهية والبغضاء التي تقدم عليها مؤسسات مذهبية شيعية وكذلك رموز دينية شيعية في محاولة منها الى تأليب معتنقي الأسلام الحنيف ضد بعضهم بعضاً، والتي قد تجعل من الأمم الاسلامية أضحوكة في نظر العالم المتمدن المنشغل بالابتكارات العلمية والوان من الاختراعات في مختلف المجالات والتخطيط لغزو الفضاء الخارجي وانتاج اجيال من التكنولوجيات.. الخ لما فيه خير ومستقبل الانسانية جمعاء.

ان الطائفية المدمرة في العراق تجاوزت الاقوال الى الافعال وباتت الثانية تفوق الأولى كما ونوعاً وتنذر بأوخم العواقب، ما يستدعي من الجميع العمل على تغليب منطق العقل والحكمة والتسامح على منطق الفتنة والكراهية وكل ما من شأنه ان يلحق الأذى بالبلاد والعباد ولا تجعلوا من واقعة الطف كلمة حق اريد بها باطل. ثم هل من العقل والحكمة ايقاظ فتنة مضت على سباتها قرون؟ ثم الا يعني ذلك اخذ سنة اليوم بذنب سنة الامس؟