لماذا ينبغي ان تهزم الولايات المتحدة في العراق

بقلم: علي الصراف

تذهب الكثير من المجادلات الاميركية السائدة بشأن مستقبل الوضع في العراق الى القول "ان الولايات المتحدة لا تستطيع ان تخسر الحرب هناك". لأن الثمن الذي سوف تدفعه من كرامتها ومصالحها ونفوذها الدولي سيكون كبيرا الى درجة ان أحدا لن يرغب بدفعه. وهناك من يقول ايضا "ان الولايات المتحدة، اذا كسبت الحرب في العراق، فانها ستكسبها في كل مكان"، ليوحي بافتراض مضاد، هو انها اذا خسرت في العراق، فانها ستخسر في كل مكان.
المؤدى العملي لهذا الافتراض سرعان ما يقود أولئك الذين يؤمنون به الى القبول بواقع ان القوات الاميركية يجب ان تفعل كل شيء من أجل ضمان انتصارها. وتحت غطاء هذا الانتصار، المصيري والمطلوب بشدة، فان الأمر سيكون مبررا حتى لو ادت الحاجة الى تدمير مدن بكاملها ودفن سكانها أحياء، كما حدث في الفلوجة. او حتى لو ادى الأمر الى دفع العراقيين عنوة الى الانغماس في حرب أهلية تغرقهم في بحور من الدماء. وبالتالي، فانه بدلا من وهم السعي "لكسب عقول وقلوب العراقيين"، فانه سيكون مقبولا تركيعهم بالقوة لحملهم على الاعتراف بشرعية التغيير الذي جادت به الدبابات.
الوحشية والقسوة ضد العراقيين، مطلوبة اذاً، ليس لان شيئا من مصالح الولايات المتحدة او استراتيجيتها قد يتضرر، بل لأن مصيرها كله ومصير الانسانية جمعاء، بل ومجرى التاريخ البشري برمته، متعلق بما يحدث في تلك القرى والبلدات التي تعيش على هامش التاريخ.
اضفاء كل هذه الأهمية على مدن مثل الفلوجة والرمادي والموصل، يراد له ان يبرر دمارها الشامل وازالة كل سكانها من الوجود (بموافقة أياد علاوي ووزيره لحقوق الانسان طبعا). بزعم ان الأعمال الارهابية الشنيعة التي يتم تدبيرها هناك سوف تؤثر بصورة مباشرة على حياة ومصير كل اميركي، بل وكل كائن انساني على وجه الأرض.
ولكن ماذا لو كانت هذه الفكرة خاطئة تماما؟
ماذا لو ثبت ان التهديد الكوني الذي تمثله "اللطيفية" ليس حقيقيا؟ وماذا لو ثبت ان حي "الأعظمية" في بغداد ليس كاليفورنيا، وان نشاطات المناوئين فيه لن تغير شيئا في مبيعات "سليكون فالي"؟
ماذا يكون قد بقي من القسوة والعنف، غير القسوة والعنف؟
***
نعم، تستطيع الولايات المتحدة ان تُهزم في العراق من دون ان تنطوي هزيمتها على أبعاد كارثية. بل ان من المفيد تماما، لها وللعالم بأسره، ان تُهزم.
لقد قيل الشيء نفسه عن الحرب في فيتنام. فقد صُوّرت هي الأخرى على انها حرب مصيرية، إما ان تكسب، وإما ان يكون بعدها الطوفان. ولكن الولايات المتحدة هزمت من دون ان تخسر الكثير، لا على مستوى المصالح الاستراتيجية ولا على مستوى المصالح التجارية ولا حتى على مستوى النفوذ الدولي. ما حصل هو العكس تماما.
في العام 1975 الذي قبلت فيه الولايات المتحدة هزيمتها في فيتنام كان اجمالي الدخل القومي الاميركي لا يتجاوز 1.9تريليون دولار، ولكنه اليوم 11.7 تريليون دولار. وكان معدل الدخل الفردي في العام نفسه 21575 دولار سنويا، ولكنه اليوم 40100 دولار سنويا.
ولئن خيضت حرب فيتنام، بكل فظائعها واعمالها الوحشية، من اجل الحد من نفوذ الاتحاد السوفياتي، فان الولايات المتحدة تمكنت، بعد اقل من عشرين عاما من هزيمتها هناك، ان تطيح بالاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية، كله على بعضه، وليس فقط الحد من نفوذه.
الولايات المتحدة اليوم اقوى وأقدر وأوسع نفوذا مما كانت عليه خلال الحرب مع فيتنام. وهي كسبت الحرب الباردة، بفضل عبقرية مواطنيها الابداعية، وبفضل قيم الحرية وسلطة القانون، وليس بفضل أعمالها الوحشية في دول "العالم الثالث".
مشروع عبقري واحد، مثل الانترنت، صار بوسعه ان يحدث ثورة في الاقتصاد العالمي وان يدر على الاقتصاد الاميركي عائدات ضخمة، الى حد يسمح بالقول انه ما كان لمائة هزيمة مثل هزيمة فيتنام ان تحد من أثره.
ثم ماذا سيحصل لمايكروسوفت، على سبيل المثال، لو اتخذت مدينة الحلة (لم يسمع بها بيل غيتس أصلا) موقفا مناوئا للاحتلال؟ هل ستتوقف كومبيوترات العالم عن استخدام تطبيقات "ويندوز"؟ أم ان مبيعات "جنرال موتورز" و"بوينغ" سوف تنهار لان فلاحي الناصرية سوف يشكلون تهديدا لمصالحها في اليابان؟
***
وقد يقال ان المشكلة تكمن في الارهاب. حسنا. فلننتظر لحظة.
أولا، العراقيون لم يكونوا يوما مصدرا للارهاب. فاذا كانت ملاحقته ضرورية، فلربما كان من الأولى ارسال الدبابات والطائرات الى السعودية وليس الى العراق. هناك يوجد الارهاب الحقيقي. وهو ارهاب عقائدي كامل العدد والعدة، ويستطيع ان يُفرّخ ابن لادن جديد مرة كل عشرة دقائق.
ثانيا، طبيعة المجتمع العراقي التعددية لا تصلح، في الأصل، لأن تكون مرتعا للارهاب، ولا أداة لنشره او التهديد به. الفسيفساء العراقية، بين مسلم ومسيحي، وعربي وكردي، وسني وشيعي، وكاثوليكي وارمني وارثودوكسي، تتطلب تسويات سياسية وثقافية واجتماعية، تجعل من المستحيل لأي من انصار القاعدة ان يبقوا في العراق ساعتين بعد رحيل قوات الاحتلال.
فاذا كانت القضية، قضية "نشر ديمقراطية"، فالحقيقة التي لا مراء فيها هي ان الديمقراطية يجب ألا تكون حذاء صينيا، يتم حشر الاقدام فيه عنوة. حتى الحذاء الصيني لا يتم ارتداؤه في الكبر. الديمقراطية نظام قيم. وما لم تتوفر ارضية ثقافية وسياسية ودستورية وقانونية لارساء هذا النظام، فانها لن تكون أكثر من مهزلة وخدعة تضر بمستقبل الديمقراطية وتسيء اليه أكثر مما تنفع.
اما، اذا كانت المسألة مسألة هيمنة على النفط، فالحقيقة هي ان العراقيين، باحتلال ام من دون احتلال، سيظلون في حاجة الى بيع نفطهم. وهم سيفعلون ذلك باسعار السوق، كما يفعلون اليوم. وفي جميع الاحوال، فان الولايات المتحدة التي تهيمن على 75% من صناعة النفط في العالم، استكشافا وانتاجا وتصديرا، لن تحتاج الى فعل المستحيل لكي تُدخل النفط العراقي في نطاق هذه الهيمنة بوسائل لا تتطلب فضائح ولا جرائم ولا اعمال وحشية.
والحال، فان الفظائع ترتكب في العراق، ليس لانها مسألة حياة او موت بالنسبة للولايات المتحدة، ولكنها ترتكب من اجل ان تُرتكب فقط. وهي ترتكب من جانب قادة عسكريين وسياسيين في الولايات المتحدة اولي بهم ان يوضعوا في السجن، وأولي بديمقراطية بلدهم، ان تنظر الى أعمالهم وفلسفتهم على انها عار اخلاقي.
من المفيد للولايات المتحدة ان تدرك هذا العار فتتداركه، مثلما فعلت مع التمييز العنصري والمكارثية. ولهذا السبب فمن المفيد، لها ولنا و للتاريخ، ان تُهزم في العراق.
انتصار فلسفة "المحافظين الجدد"، وانتصار وحشيتهم، سيكون كارثة أكبر للقيم الانسانية من أية هزيمة في العراق.
نعم، يمكن للولايات المتحدة ان تُهزم. ويجب ان تُهزم لحساب علاقات دولية اقل نفاقا وتزويرا وتطرفا، واقل استهتارا بالقانون. ولحساب امريكا أكثر انسانية واقل غطرسة ووحشية.
امريكا المستقبل، عندما تتبرأ من جرائم نازيتها في العراق، سوف تنحني احتراما لكل اولئك الذين يقولون لها "لا" الآن. علي الصراف – كاتب عراقي