لماذا يفوز الإسلام السياسي في العراق؟

مراجعة رجل الدين: أنتخب من؟!

ما هو سر إصرار أغلبية الناخبين العراقيين على انتخاب نفس الأحزاب والكتل السياسية طيلة الأعوام الماضية؟ يبدي البعض استغرابه لأن الناخبين يصوتون لصالح نفس النخبة السياسية المسؤولة عن خيبات الأمل الكبيرة والكوارث التي مُنى بها العراق واحتلاله مراتب متقدمة في الفساد وغيرها من مظاهر فشل الدولة؟ يتصور البعض بأن على الناخب أن يقرأ أولا برامج الأحزاب قبل أن يختار الأفضل منها، أو أنه يُقيم أداء نوري المالكي أو إياد علاوي في التلفزيون وبعدها يقرر لمن سيدلي بصوته، أو ينتظر رأي المرجعية الدينية أو يستشير أقرب رجل دين لكي يعرف رقم القائمة التي سيصوت لها. مثل هذه الآراء التبسيطية والمبتسرة تفسر أيضا حالات خيبة الأمل لدى بعض دعاة التغيير من اليساريين والليبراليين الذين "ينتقدون" أحيانا الناخب لانه لا "يعاقب" المسؤولين الحاليين رغم أن كل أسباب ذلك قائمة، وكأن الناخب يحب أن يتم استغفاله مرات عديدة على يد نفس السياسيين.

صحيح أن قرار الناخب في صندوق الاقتراع بوضع علامة "صح" في خانة هذه القائمة أوتلك هو عادة قرار فردي بامتياز، لكن إذا أخذنا مجموع الناخبين فإن سلوكهم يخضع لمجموعة من العوامل التي تتحكم في نهاية المطاف في رأي الناخب وتدفعه للتصويت لحزب إسلامي أو قومي أولهذا المرشح أو ذاك. من دون شك نحن في حاجة إلى علماء اجتماع وعلماء نفس ومعاهد مختصة لفهم سلوك الناخب العراقي بعيدا عن العواطف والفرضيات الجاهزة. وفي نفس الوقت يجب التأكيد على أن سلوك الناخب لا يبقى ثابتا دائما وإنما يتغير بناءً على تغيّر هذه العوامل. ومع إمكانية حصول أحداث استثنائية يمكن أن تقلب خيارات الناخب رأسا على عقب، إلاَّ أن تجربة العراق تثبت أيضا بأن وتيرة التغيير في المشهد السياسي تكون في العادة بطيئة وقد تحتاج لفترة طويلة نظرا لتنوع العوامل المؤثرة على قرار الناخب التي يمكن تقسيمها باختصار شديد إلى ثلاث مجموعات.

العوامل الاجتماعية-الثقافية

من البديهي أن السلوك السياسي للأفراد يعتمد أيضا على انتمائهم لجماعات معينة داخل المجتمع. غير أن معايير هذه الانتماء متنوعة ويمكن أن تقوم على أساس إثني أو ديني أو مذهبي أو طبقي أو آيدولوجي وغيرها. وتنعكس هذه المعايير في المواقف السياسية للفرد وتفضيله للأحزاب والمرشحين. واذا تضاربت هذه الانتمائات فإن الغلبة تكون للأهم. كما تندرج تحت هذه المعايير القيم الاجتماعية والمواقف الآيدولوجية مثل شعارات الوطن والاستقلال والعدالة وغيرها والتي تلعب أيضا دورا هاما في عملية تبلور وجهات النظر.

يلاحظ في هذا السياق تحولا واضحا في المزاج الشعبي في العراق خلال العقود الماضية. حتى نهاية السبعينات كان العامل الآيدولوجي (الفكري) حاسما في الصراع بين التيارات القومية واليسارية والليبرالية وفي كسب المؤيدين والأنصار. بعدها ازدادت أهمية الانتماء المذهبي (الديني)، بل و أصبحت بعد 2003 المعيار اللأهم في كسب الاصوات. يمكن ملاحظة مثل هذه العلاقة بين المذهب وسلوك الناخبين حتى في الدول المتقدمة، غير أن العراق يبقى حالة خاصة. ولا يعود ذلك إلى التأجيج المتعمد للخلافات الطائفية من قبل التنظيمات الإرهابية وتكريس حالة الخوف من الآخر وتفاقم حالة الاستقطاب المذهبي والإثني فحسب ،وإنما أيضا الى الانفجار السكاني وما نجم عنه من احتدام الصراع على الثروات والموارد الاقتصادية المحدودة والذي يتخذ في الظاهر طابعا مذهبيا. ومن دون شك فإن أحزاب الإسلام السياسي ليست بريئة من توظيف هذه الورقة ومحاولة الاستفادة منه في حشد المؤيدين. من جانب آخر يجب القول بإن تفسير نجاح قوى الإسلام السياسي الشيعي في الانتخابات بنصيحة أوفتوى المرجعية الشيعية هو أمر مبالغ فيه ويجب النظر إلى أن مثل هذه النصائح هي في نهاية المطاف تحصيل حاصل، وما كانت لتجد التزاما واسعا من قبل الناخب إلا نتيجة الظروف الاجتماعية الملائمة لذلك.

العوامل النفسية والذاتية

يصوت أحيانا الناخب بحكم علاقة "عاطفية" تربطه بالحزب أو بالمرشح، بمعنى أنه يشعر بالتماهي معه ومع شعاراته بحكم انتمائه الحزبي أو نتيجة تأثير العائلة ومحيط الأصدقاء أو العضوية في منظمة جماهيرية. وهذا ما يلاحظ في الأحزاب العقائدية التي تملك تاريخا طويلا والتي يمكن القول بإنها تعتمد على "زبائن" دائمين. مثل هذه الظاهرة تنطبق مثلا على الحزب الشيوعي وعلى حزب الدعوة. غير أن تأثير هذا العامل تراجع كثيرا بحكم ولادة عدة أجيال في ظل النظام الشمولي لصدام حسين لم تكن تعرف سوى حزب البعث.

من جانب آخر تلعب هنا شعبية المرشحين وصفاتهم الشخصية وقدراتهم الخطابية دورا معينا. لكن بشكل عام لا يجوز المبالغة في دور كاريزمية القادة السياسيين في حسم المعترك الانتخابي في العراق في المرحلة الحالية. فحتى نوري المالكي أكثر السياسيين شعبية في انتخابات 2010 و2014 لا يمكن وصفه بأنه زعيم كاريزمي. غير أن هناك استثناءات مثل السياسي الليبرالي مثال الآلوسي الذي نجح في اختراق المعادلة في انتخابات 2005 بفضل قدراته الخطابية وحضوره المتميز في وسائل الإعلام. ولكن قصص النجاح النادرة والمحدودة هذه بقيت الاستثناء الذي يثبت القاعدة.

العوامل الاقتصادية (النفعية)

الدجل السياسي على الناس والحسين

في الغالب تكون عملية التصويت عملية "واعية"، بمعنى أن الناخب لديه توقعات معينة تجاه الحزب والمرشح (بغض النظر عن واقعية هذه التوقعات) ويتصرف بـ"عقلانية" مثل الزبون الذي يوازن أثناء شراء السلعة بين السعر والجودة وغيرها بناء على المعلومات المتاحة لديه وشطارة التاجر. في هذا الجانب بالذات تكمن بحسب تقديري أهم أسباب نجاح الإسلام السياسي في الفوز في الانتخابات السابقة. فقد حرص قادة الأحزاب الدينية على وجه الخصوص على كسب الموالين والمقربين من خلال نظام من المكآفات المادية والروحية. وبدون ذلك لن يكتب النجاح لمثل هؤلاء القادة على حد تعبير عالم الاجتماع الألماني الشهير ماكس فيبر. ففي محاضرته الشهيرة بعنوان "السياسة كحرفة" والتي دخلت بحق تاريخ علم السياسة، يؤكد فيبر على أن القائد الديني "بحاجة إلى الأتباع، أي إلى "جهاز بشري". وهذا الجهاز يتعين عليه تأميله بالمكافآت الداخلية والخارجية الضرورية – الأجر في السماء وعلى الأرض". ويبدو أن قادة الإسلام السياسي في العراق برعوا في توزيع الأجر في "الدنيا الفانية"، مستفيدين في ذلك من موارد النفط.

من المعروف أن التغيير السياسي في عام 2003 ترافق مع تصاعد مستمر في أسعار النفط وانهمار عشرات المليارات على ميزانية الدولة التي تصرفت الكتل المتنفذة بجزء كبير منها لتوسيع نفوذها السياسي. وتحقق ذلك أولا من خلال ظهور طبقة من السياسيين "المحترفين". هنا أيضا ميّز ماكس فيبر في محاضرته المذكورة بين السياسيين الذين يعيشون "من أجل" السياسية وبين السياسيين الذي يعيشون "من" السياسة. ويبدو أن أغلبية النخبة السياسية العراقية أصبحت من النوع الثاني الأمر الذي جعل الأحزاب ما يشبه شركات اقتصادية بالمعنى السلبي للكلمة. ليس من المُعيب أن تُقارن المؤسسة السياسية بالشركة الاقتصادية ولكن يجب أن يكون هناك اختلاف بين الاثنين في مجال الأهداف وحجم المسؤولية والعلاقة مع الأخلاق.

غير أن التأثير الأكبر على سلوك الناخب جاء نتيجة ظاهرة الدولة الريعية. وليس المقصود بذلك مجرد الاعتماد الوحيد الجانب على النفط وإنما بالدرجة الأولى طريقة التصرف بهذا الريع. لقد فتحت الأحزاب المتنفذة أبواب التعيين في القطاع الحكومي وفي صفوف الجيش والشرطة على مصراعيها أمام مئات الآلاف وربما ملايين الباحثين عن فرصة عمل رغم عدم وجود حاجة للكثيرين منهم. وفي الوقت نفسه تم رفع الرواتب مرات عديدة في محاولة واضحة لترضية هذا القطاع العريض من موظفي الدولة الذين يشكلون أكبر فئة في المجتمع العراقي. وكان من الملفت للنظر أن يتم سّن قانون التقاعد الجديد "السخي" قبيل انتخابات عام 2014 . وفي ظل هذه الظروف لا يصعب توقع لمن ستصوت أغلبية المتقاعدين الذي يزيد عددهم بحسب هيئة التقاعد عن مليونين وأربعمائة ألف شخص. ويندرج ضمن هذا الأسلوب الحفاظ على البطاقة التموينية رغم القناعة الواسعة بعدم جدوى هذا النظام في مكافحة الفقر.

لم يكن لهذا التأثير للدولة الريعية، أو بالأحرى "دولة الصدقة"، أن يكون بهذا العمق لولا الضعف الكبير للقطاع الخاص واعتماده هو الآخر على الإنفاق العام.

من هنا فإن إحداث تغيير هام في سلوك الناخبين يتطلب على المدى الطويل الحد من تشوهات الدولة الريعية عبر إصلاحات اقتصادية جذرية وإعادة هيكلة القطاع العام وخلق قطاع خاص متطور قادر على منافسة الدولة كأكبر رب عمل في العراق. صحيح أن الأزمة المالية الأخيرة نتيجة انهيار أسعار النفط قلصت إمكانيات القطاع الحكومي ولكن علاقات التبعية بين جمهور الناخبين والأحزاب المتنفذة لا تزال قائمة.

لم تتم حتى الآن الإشارة إلى البرنامج السياسي والدعاية الانتخابية كوسيلة للتأثير على قرار الناخب. والسبب في ذلك هو أن تأثيرهما يشترط وجود الأرضية التي توفرها العوامل آنفة الذكر. ويمكن الإشارة هنا إلى تجربة رجل الدين العلماني أياد جمال الدين الذي فاجأ العراقيين في انتخابات 2010 بحملة دعائية غير تقليدية ومكلفة وبرنامج انتخابي قيل إنه متكامل، و"توعد" خلالها بأن يكون الرئيس المقبل للعراق، ولكنه فشل حتى في دخول البرلمان حينها.

إن القوى التي تطرح نفسها كبديل للإسلام السياسي يجب أن تسعى أيضا لكسر المعادلة عبر تغيير العوامل المؤثرة على سلوك الناخب. وهنا تصح المقارنة بين المؤسسة السياسية والشركة الاقتصادية. فإذا كان التاجر الناجح يتصرف بأن الزبون هو الملك، يجب أيضا على السياسي المحترف أن يتمسك بقاعدة أن الناخب في الانتخابات هو "الملك" وأنه دائما على "حق". أما السياسي الذي يضع اللوم في فشله على الناخب فقد أخفق في اختيار "حرفته" وعليه أن يبحث عن مهنة أخرى.

د. ناجح العبيدي

كاتب واقتصادي عراقي