لماذا يفسد الشاي صيام الموريتانيين؟

نواكشوط - من احمد سالم
شاي الموريتانيين: طقوس خاصة

إذا كانت موريتانيا من الدول العربية والاسلامية القلائل التي يحظر فيها استيراد وبيع وتناول المسكرات والمواد الكحولية المختلفة، فان لديها ما يمكن أن يعتبر مادة مؤثرة على العقل يرى بعض المتشددين من رجال الدين أنه "أكثر خطورة" من الجعة على الاقل.
الشاي الاخضر الصيني الذي يتناوله الموريتانيون طوال ساعات النهار يدخل في عادات السكان لدرجة أنه يصعب التخلي عنه حتى لدى المرضى الراقدين في المستشفيات الموريتانية. الشاي الموريتاني الذي لم يشهد تطورا أسوة بما شهده المجتمع من تطورات اقتصادية واجتماعية متأصلة ويوصف بكونه "العدو اللدود" خلال شهر رمضان المبارك.
فمن آلام الرأس والصداع إلى التقيؤ وأحيانا الغيبوبة التي يدخلها من أحجم عن تناول الشاي في أوقاته المألوفة.
ولعل الغريب في أمر الشاي الموريتاني خلال شهر رمضان أن الايام الاولى للصيام أفسدت بفعل فاعل هو هذا الشاي الاخضر شديد التركيز مقارنة بالشاي الاحمر في دول الشرق العربي وبالشاي الاخضر في دول المغرب العربي.
الكثير من الاشخاص اشتكوا من إفساد صيامهم بسبب التقيؤ المستمر طوال النهار المصحوب بالالام والصداع الناجمين عن الامتناع عن تناول الشاي حتى أن زوار موريتانيا يعتبرونه من "خصوصيات البلاد ومميزاتها" .
وعلى الرغم من تأثيرات الشاي السلبية على الصيام فإنه بدون منازع المادة المفضلة الاولى التي يتم التركيز على تناولها مباشرة بعض الافطار حيث يتجمع أفراد الاسرة حول مائدة الشاي وبنفس الطريقة المألوفة في صنعه إلا أن المشاعر تختلف لتظهر "اشتياقا غير عادي" لشرب الشاي بعد ساعات صيام طويلة وكأن المرء لم يسبق له تناوله.
ولعل الملفت للنظر هو أن صنع وتداول كؤوس الشاي ينتشر بشكل اكبر في أوساط ذوي الدخل المنخفض اكثر من الاغنياء.
وهنا يظهر أن الموريتاني الفقير أكثر تمسكا بـ" خصوصيات " الشاي من الموريتاني الغني.
ويتجسد ذلك بوضوح في التحولات التي طرأت في السنوات العشر الماضية على طريقة التعاطي مع الشاي فقد انتقل صنع هذا "الطبق " الاساسي في بيوت الفئة الميسورة من صالوناتهم إلى المطبخ.
وعهد بإعداده إلى خادم البيت الذي يكون أحيانا من جنسية أجنبية من دول غربي إفريقيا في حين يرفض الفقراء ومتوسطو الدخل وهم الاغلبية الساحقة من الموريتانيين إسناد مهمة إعداد الشاي إلى غير أحد أفراد الاسرة أو نقله خارج الصالون "حتى لا يفقد الشاي خصوصيته أو أصالته" التي تهددها عوامل "التغيير الاجتماعي وتأثيرات العولمة القادمة".
وتقول الذاكرة الشعبية الموريتانية إن إعداد الشاي يتطلب توفر ثلاثة شروط أساسية لا غني عنها هي "الجمر" أي إعداد الشاي على الفحم الخشبي و "عدم التسرع في إعداده" ويعني إطالة أمده و "ووجود مجموعة من الاشخاص" وهو التجمع حول مائدته.
ويضيف المثل الشعبي الموريتاني أنه لا بد أيضا من مشاهدة معد الشاي "وسط الجماعة" حتى يتسنى لكبار السن من الحاضرين إبداء آرائهم حول طريقة الاعداد "وتصحيح الاغلاط" الشائعة التي قد يرتكبها معد الشاي.
ويتمثل إعداد الشاي الموريتاني "في خلط كمية كبيرة من الشاي الاخضر بالماء والنعناع قبل أن يضاف السكر في إبريق في عملية تعاد ثلاث مرات خلال جلسة الشاي " وفي كل مرة يختلف الذوق.
وتتراوح حصص "جلسة الشاي الموريتاني" من أربع إلى عشر مرات في اليوم.
وقد تعالت في الآونة الاخيرة أصوات معارضة خصوصا في أوساط الفئات المثقفة للمطالبة "بحظر تناول الشاي ومنع استيراده" لما له من إسهام في ضياع الوقت والمال لكن واقع الحال يقول بعكس ذلك على الاقل "وحتى إشعار آخر".
ويركز الاطباء الموريتانيون ولليوم الرابع على التوالي في برامج وسهرات مفتوحة تبثها الاذاعة والتلفزيون مباشرة على الهواء على ضرورة "توخي الحيطة من خلال تناول الشاي في أوقات السحور لتجنب الانعكاس السلبي طوال يوم الصيام والذي قد يؤدي إلى التقيؤ والصداع وبالتالي إفساد الصيام حتى إذا عاود الصائم الامساك وفقا لما تأمر به الشريعة الاسلامية.
ويذهب أنصار "جماعة الدعوة والتبليغ" المتشددة المعروفين اختصارا بـ"الدعاة" والذين يقولون انه لا علاقة لهم بالسياسة إلى حد "تحريم" تناول الشاي نظرا لتأثيراته السلبية على العقل لكن أنصار الشاي وهم الاغلبية الساحقة من السكان فيرون أن الشاي يساعد مرضي القلب والشرايين ويكررون الرواية الشعبية الصينية والطبية القائلة بأن الافراط في تناول الشاي من "مسببات طول العمر".
محمد الامين صاحب دكان في العاصمة الموريتانية مدمن على شرب الشاي يشكوه لليوم الثالث على التوالي لانه تسبب في إفساد صيامه بسبب آلام الرأس والصداع والتقيؤ المستمر ويتعين عليه القضاء لكنه في نفس الوقت يأمل في أن لا يصل به الشاي إلى حد قضاء كل الصيام.
ويؤكد الامين أنه أدى صلواته الخمس بصعوبة بالغة نتيجة الآلام "والتعقيدات الناتجة" عن الاحجام عن تناول الشاي.
من جانبه يقول مختار وهو إمام شاب لاحد مساجد الضاحية الشمالية للعاصمة "لقد نجحت رغم الالام الحادة في الرأس جراء الامتناع عن تناول الشاي طوال النهار في إمامة الصلاة دون الحاجة إلى من يخلفني كما حصل لي خلال العام الماضي".
ويتراوح سعر كيلو جرام الشاي الواحد من 20 إلى 50 دولارا بحسب النوعية بالرغم من انخفاض التعريفة الجمركية والرسوم المفروضة على مواد الاستيراد الخارجي. ولم يثن الارتفاع الكبير لسعر الشاي نسبة الستة والاربعين في المائة ممن يعيشون في موريتانيا تحت خط الفقر من الافراط في تناوله.