لماذا يعجز احمد الواصل في الوصول الى القارئ؟

بيروت
الصوت والمعنى لاحمد الواصل

قصائد مجموعة الشاعر السعودي احمد الواصل "مهلة الفزع" قد تكون نموذجا مثاليا لكتابة شعرية يشعر كثير من القراء بأنهم يعجزون عن التواصل مع قدر كبير منها.
وسبب العجز قد يكون سيفا ذا حدين.. فهو اما عجز هؤلاء القراء عن التواصل مع النص او انه عجز في النص عن مخاطبة هؤلاء.
وقد يلجأ انصار هذا النوع من الكتابة الى جواب الشاعر القديم الذي سئل "لم لا تقول ما يفهم" فاجاب "لم لا تفهمون ما يقال".
لكن حتى الاستشهاد بقول كهذا لا يبدو مقنعا بشكل كاف فحتى عند كبار الشعراء الرمزيين وشعراء وكتاب "الغموض" اجمالا هناك مفاتيح تدخل الى مجال ما من العمل وهذه بدورها تضيء دروب عالم القصيدة.
الا ان كثيرا من هذه المفاتيح لا يظهر عند الشاعر على رغم تألقه في بعض مجالات.
وعنده بالاضافة الى سمات فكرية متعددة اشارات تاريخية وجغرافية واحداث وافكار.. كل ذلك يتتابع احيانا لكننه يبدو في حالات عديدة كانه قد فقد علاقته الذهنية بما سبق وما يأتي بعده وبشكل خاص فقد علاقته بالحالات النفسية الشعورية او ان هذه العلاقة تأتي ضعيفة خابية قضت على دفئها ذهنية باردة دون ان تستطيع هذه الذهنية ان ترسم للقارئ عالما فكريا متماسكا او واضحا في الحد الادنى.
وهل نستطيع القول ان الفكري قد يودي بالشعري احيانا اذا لم يتحول هو نفسه الى شعري.
صدرت المجموعة عن دار (الانتشار العربي) في 127 صفحة متوسطة القطع. ويبدو الشاعر كمن يخلق لغة خاصة ومغلقة الى حد بعيد على رغم قدراته لغويا وثقافيا.
اما الدكتور سامي ادهم الذي حمل الغلاف كلمات له في الشاعر وشعره فكلامه الفلسفي مساو في غموضه لكلام الشاعر بل انه يفوقه "خصوصية."
يقول الدكتور ادهم مخاطبا الشاعر "شعرت من خلال القراءة المتمعنة بانك قريب من مشروعي الفلسفي وانك تبحث في شعريتك خلف الكثرة اللغوية عن الواحدي وليس الواحد".
ويضيف ادهم وقد بدا هنا كأنه لا يكتب فلسفة فحسب بل يكتب شعرا لا يقل غموضا عن فلسفته "ان جوهر الشعرية هو (الواحدي) وليس الواحد او التوحيد. هو الرؤية التي تتراءى في الق الليل في رحم الدلالات والمعنى اذ ليست الفلسفة بحثا عن معنى شارد او معرفة ضائعة بل هي تصويب نحو الواحدي المتواري في (الكاوس) العدمي. سررت كثيرا لانني شعرت بان شاعرا يحمل ثقافة عالية راقية يتابع مشروعي الفلسفي ويحاول ان يؤسس شعرية جديدة تتحدى القديم والبالي رافعة الشعر العربي الى مستوى انسانية العالم. الشاعر نبي راء يكون اللغة ويفتح الافاق على الواحدي الغارق في الكاوس اللغوي".
اسم المجموعة (الداخلي) حمل زيادة على اسمها كما ظهر على الغلاف اذ جاء الاخير كما يلي "مهلة الفزع .. سلوى لغير هذا الليل النجدي". وتحت هذا االعنوان الاخير يستهل الشاعر قوله فيبدأ به بنوع من الاهداء "الى مخلصي.. انسي الحاج" ومن بعده "الى مصرخي.. ناصر بو حيمد".
بعد ذلك عنوان من عناوين متتابعة كانها في حد ذاتها قصائد. مثلا "نجد. النص. الحب واشخاصه 1999 برواية رعاة الليل". في "شان نجدي في لهجة البقاء صيغة اولى" التي ربما كانت بين الافضل في المجموعة قدرة شعرية لا شك فيها وترابط بين العديد من "اوصال" التجربة الشعورية.
لكن الواصل سرعان ما يسلط امورا اخرى على الشعري فتقلل منه او تطرده فيبدو الامر تزاوجا غريبا يقوم على الاكراه.
يقول "حجارة تستخمر بطولتها بين فخذي/ وتنزع امل غابة ترسم نجدا بين حلمتي/ سموم تموج في دوائر دمي (شجيرات بانفاس الخزامى) تكنس وجه الطمأنينة/ ويد لرضيع تحذر الهواء/ في فلاة تتمرأى في جيب اليأس (هودج يصف الظنون) يسمعون عن الافعى وطاعة الرمل (وسهيل يكتم شفقته )لئلا تسقطه السماء دون جنازة (جحيم يقفو حدود النظر) وغفوة بسم ّ الخطر (ما افناك ) يا منتهى البداية/ كيف تنال حليب الاسلاف..".
نقرأ في قصيدة "بسرية الى مجد" التي تبدأ كما يلي "قاموس يحجب لغة الدهان (ويقول ..) قل ما تشاء ( ليتخيل الموج حديث العاصفة ) فابيح لصهريج الامر اذيال العبور".
ويقول فيها ايضا "انت اسمع لحبرك رجة في افئدة الزحام (يكتبون عليك رغباتهم) فتنزوي سلة الرجاء/ وتغيبين عندي (بثالوث يفصح عقيدة الفضاء) ويقول "/ طب كما تشاء "/ فارسم شريعة وعنوان الكواكب (وامد صرخات الرمل) في عناق صلاة".
نجد في شعره احيانا فضلا عن تلك الالعاب الذهنية الكثيرة المتجاورة مع ومضات نفسية وشعورية..بعض ما يذكر بكتابة الشاعر اللبناني شوقي ابي شقرا.
في "رغبة النص" يقول الواصل "نص يعد ذاته بالسفر (ويجيء في حلة المستقبل الماضي) ما علي ّ او ترجف سقيفة البقاء (وتدون هذه الشمس حضارة النفي) سيختار المجد عصاه وتاج المشيئة الميت في يد/ واسحب مع الكتبة فكرة النفور (وقيادة البريق".
في قصيدة "نص عابر" وهي كما وصفها "بعض صدى (شيكسبير يحب) وهو فيلم سينمائي اخرجه جون مادن يكتب الواصل باسلوب حاول جعله مزيجا من طرق كتابية مختلفة. يقول "كثيرا ما تأكدت لحظتها ان فقدت كونا من فضاء/ لم اجدك الان تمرح غير ليل يحتجب بيننا (ليس اعتذارا) ما كنت ابقى (ان احرم جسدي جسدك) ليس اعترافا (ماكنت اشقى) ان تبقى روحي روحك".
وحين ينفلت الواصل من جاذبية ما يبدو العابا ذهنية يعوزها الكثير من حرارة التجربة الشعورية ويترك للمشاعر الانسانية ان تفرض وقعها وحتى ايقاعها يدخل في العالم الشعري الذي تبعده عنه احيانا اساليب "الية" باردة.
قصيدة "وحدك" تذكر بالرومانسيات التي لا تموت ولانها كذلك ففي بعض دفئها ما طرد تلك الميكانيكية غير المترابطة حتى في ميكانيكيتها.
يقول "وحدك الان لا الكون معك (وحدك تسطر الافق وتمحو عشرين عاما) وحدك تتجمع سلاما وفتات العناق (لا احد استطاع ان يكون معك".