لماذا يريد كل منا أن يفصل ليبيا على مقاسه؟ ألم نتعلم من تجربة القذافي؟

بقلم: مفتاح بوعجاج

لماذا يريد كل واحد منا ان يفصل ليبيا بعد الاستقلال الثاني على مقاسه هو فقط؟ في هذا لن يفلح احد بالطبع! لقد حاول معمر بومنيار ذلك طيلة 42 عاما ورغم سطوة الكتائب واللجان الغوغائية والامن والمال، فأنه لم ولن يفلح ولو طال الزمن!

حاول قبله صدام حسين وهتلر وموسوليني وفرانكو وتشاوسيسكو وتيتو وستالين ولينين وبريجينيف وبينوشيه والصرب واخوانهم في القتل الجماعي والشنق والسحل والابعاد والاغتيال والدمار في بلداننا وخلال تاريخنا الطويل لاكثر من الف عام. وقبلهم جميعا فرعون وال فرعون وذرياتهم في اوطاننا. فأنتهت جميعا إلى هزائم ومقابر جماعية وقتل وتدمير وخزي وعار في الدنيا والاخرة.

كثير من الدول والشعوب قرأت هذا التاريخ قراءة فاحصة متأنية واستخلصت العبر وتعلمت منه فخاطت اثوابا تسع الجميع اسمتها اثواب الديموقراطية والحرية.

ومع ذلك لا يزال البعض عندنا يحاول تكرار تلك المأسي وتلك الدكتاتوريات المهينة والمذلة والمدمرة تحت ذرائع وحجج مختلفة بعضهم لسوء نية واكثرهم جهلا والبعض الاخر مرضا والبعض لحسن النية التي لم تكن دائما سببا وحيدا للنجاح.

عشنا كمسلمين في السبعينات والثمانينات في اميركا بلد الديموقراطية والحرية والليبرالية شئنا ام ابينا وبلد كل ما يخطر ولا يخطر على بال بشر من حريات ومارسنا شعائرنا الدينية الاسلامية بكل حرية واحترام. ورأينا البوذيين واللادينيين واليهود والبروتستانت والكاثوليك وتابعي الكنيسة الشرقية والهيبيين الشباب وغيرهم كثيرون يمارسون شعائرهم ومعتقداتهم بكل حرية ايضا، يطبقون "لكم دينكم ولي دين" واقعا ملموسا. يطبقون "البنيان المرصوص" واقعا ملموسا. يطبقون "كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا" واقعا ملموسا. يطبقون "احترام الجار والجار الجنب" بدون اسوار وحوائط غير اعواد الواح واقعا ملموسا. يطبقون "وامرهم شورى بينهم" واقعا ملموسا. يطبقون "النظافة من الايمان" واقعا ملموسا. يطبقون "من غشنا ليس منا" واقعا ملموسا. يطبقون "القيادة فن وذوق واخلاق" واقعا ملموسا. يطبقون "ان المسرفين اخوان الشياطين" واقعا ملموسا. يطبقون "اطلبوا العلم ولو في الصين" واقعا ملموسا، بل طلبوه حتى فوق سطحي القمر والمريخ. يطبقون "الاشتراكية والعدالة" واقعا ملموسا. يطبقون "وعد الحر دين عليه" واقعا ملموسا. يطبقون "العقد شريعة المتعاقدين" واقعا ملموسا. يطبقون "المؤمن اذا عاهد اوفى".

في اميركا لم نتعرض إلى اغراء واحد او تدخل من احد لترك ديننا والدخول في دينهم بل كانت الحرية مطلقة لنا في الدعوة إلى ديننا جهارا نهارا. لم يكن يهمهم تديننا بقدر اهتمامهم لمدى احترامنا لحرية الاخرين والسلوك الحضاري من كيفية رمي القمامة او وضع السيارة في مكانها الصحيح او احترام التعليمات عند قيامنا برحلة إلى الغابات الجميلة او قيادة السيارة بشكل يحفظ حياة السائق والاخرين، وكان اهتمامهم بمراقبة مدى التزامك بربط حزام الامان حفاظا على حياتك وحياة الاخرين اكثر من اهتمامهم بأي دين تحمل او شيء تكتب او تقرأ او تقول او تشاهد، لانهم يعتقدون اعتقادا راسخا ان دخول الجنة هو واجب من واجبات الفرد وليس واجبات الدولة. اما المحافظة على حياة وامن واستقرار المواطن فهو من اهم واجبات الدولة وسبب وجودها.

وحيث الان قد سقطت جميع الحجج والثقافات والايدولوجيات والشعارات التي رفعناها لاكثر من نصف قرن من الزمان والاتية من ثقافات دكتاتورية تراكمت بفعل الزمن والجهل والانانية، والدليل هذا الربيع الثوري الجديد الذي اسقط ورقة التوت عن كل انظمتنا الحاكمة من سياسة وثقافة وحجج وادعاءات، فلنتحدث اذا بصراحة وحرية غابت عنا في ظل شعارات "لا صوت يعلو على صوت المعركة" التي لم تأتِ ابدا وان اتت خجولة كانت الهزيمة نهايتها.

قد ارانا التاريخ سقوط دول دكتاتورية ونهوض دول ديموقراطية. المانيا الشرقية الشيوعية الدكتاتورية سقطت ونهضت وتقدمت المانيا الغربية الديموقراطية. نفس الشعب ونفس التاريخ ونفس اللغة. كوريا الجنوبية نهضت وتقدمت. كوريا الشمالية تصارع الانفاس والتاريخ والازمات وقائدها المريض وابنه يقودانها إلى الجوع والهلاك. هونج كونج جزيرة صغيرة سكانها صينيين نهضت وتقدمت لانها سلكت الطريق الديموقراطي الانجليزي، بجوارها تنين صيني كان نائما ويعيش تحت ظل ايديولوجية شيوعية بائدة بدأ يتحرك ويستفيد من تجربة هونج كونج الرأسمالية بعد عودة الجزيرة اليها تحت شعار "دولة واحدة ونظامان". وها هو هذا التنين يغزونا في عقر دارنا مصنعا عالات الشاهي والسراويل الليبية ذوات الدكة التي فشل نظام الفردوس الارضي في صناعتها!

تفكك الاتحاد السوفييتي الستاليني البلشفي ذو الحزب الشيوعي الحاكم الاوحد ذو القبضة الحديدية، وبدأت تحل محله دويلات ديموقراطية صغيرة بدأت تزدهر في ظل الحريات. اندونيسيا ذات الطوائف المتعددة واكبر دولة اسلامية تقدمت ولم تنجح فيها الحركات المتطرفة بفضل الحرية والديموقراطية التي وسعت الجميع. ماليزيا تجربة فذة ناجحة في الديموقراطية والحرية.

فليكن عيدنا القادم في ثوب ديموقراطي جديد يسع الجميع. وهي الهدية التي يجب ان يحتفل بها وينالها شبابنا وكل شعبنا بعد الانتصار والاستقلال الثاني فقد كفاه 42 عاما من الدكتاتورية المقيتة والمضنية. ديموقراطية الحرية والمواطنة التي تبني الوطن والمواطن.

مفتاح بوعجاج