لماذا يخشى السُني تهمة 'الطائفية'؟

بقلم: كاظم حامد الربيعي

لعل جواب هذا السؤال مرتبط بما قدمنا ذكره في المقال السابق، حيث اصبح سلاح الايرانيين في المنطقة هو اتهام مخالفيهم بالطائفية ودعواتهم الاعلانية والدعائية بوجوب محاربة التطرف والطائفية ونبذ الخلافات الجانبية ومن فقه الاحداث الجارية في المنطقة منذ احتلال بغداد فهو بغنية عن الاغترار بهذه الدعايات الرامية لتقزيم دينه الاسلامي وحصره في طائفة وفرقة دينية لها اعتقاداتها وطقوسها المستقلة.
لكن بقي الاشكال عند من غاب عنهم الفهم والوعي لحقيقة ما يجري من محاولات هدمية مستورة بشعارات وادعاءات لا تنطلي إلا على الاغرار وعديمي النظر السياسي والفقه الديني، أو من علّق الآمال والطموحات على الوحدة الاسلامية وعودة الايام الخوالي لمجد المسلمين فضلّ السبيل المؤدي الى هذا الحلم الكبير الذي ينشده اهل الإسلام كافة.
لقد أصبحت فوبيا "الطائفية" تتحكم بكثير من النخب المثقفة القومية والدينية، ويحجمون بسببها عن التعاطي السليم مع الاحداث التي يفقهها العوام ويقدرون حقيقتها على الوجه الذي لا ينبغي لعاقل أن يتجاوزه،و ذلك لاسباب غير وجيهة ولا مقبولة منطقياً لدى ذوي الالباب السلمية إذ ان التوجس والحذر من شيء مختلق لا حقيقة لها ناشئ عن خفة واضطراب في العقل أو سلوك درب غير مستقيم للوصول الى اغراض معينة وأهداف مشبوهة من خلال تهويل أمر لا وجود له البتة.
إن الحكم الشرعي والقراءة التاريخية لا تقف الى جانب اولئك الذين ينأون بأنفسهم عن طرح مواضيع حساسة تخص المد الشيعي والمشروع الايراني خشية الاتهام بالطائفية، والاكثر من هذا إن معطيات الواقع تحتم على من برئ عقله من ان يتخذ موقفاً يسميه "انصار الدعوة الشيعية" طائفياً فالخلاف الكبير بين معتقد الإمامية من جهة والامة الاسلامية بكافة تياراتها الفكرية ومذاهبها الفقهية من جهة أخرى أشهر من أن يوضح أو يفصل في كتب،إذ لا يوجد بين علماء الامة المعتبرين من يوافق على خطاب "اعداء الطائفية من السنّة" -إن صح التعبير- وكذلك الاحداث التاريخية تؤكد دائماً على ان الصدام بين السنة والشيعة إنما هو لإحقاق الحق ودفع الباطل وليس من باب التقاتل بدافع الحمية والعصبية.
ان المواقف السلبية والتخذيلية التي يتخذها "اعداء الطائفية من السنّة" منذ 1979 وحتى اليوم لها نتائجها الخطيرة على كيان الامة العقدي وشخصية الإنسان المسلم، ومن هذه النتائج:
1-الاتيان بآراء غريبة كالقول بأن إثارة المسائل الطائفية دافعه سياسي، وهذا الأسلوب سبق أن لجأ إليه فرعون حينما دعاه موسى عليه السلام الى توحيد الله عز وجل فاتهمه بالطمع في ملك مصر واخراج أهلها منها !،- والحمد لله- فإن هذا الدين محفوظ من أن يكون تبعاً لآراء الساسة والحكام إذ لو كان الأمر لأهواء الملوك ومصالحهم لضاع الاسلام وانفرط عقده منذ قرون،كما ان هذا القول ينطوي على اتهام صريح وخطير لمئات من ائمة المسلمين وأعلامهم بأنهم طائفيون بامتياز لانهم حينما تناولوا موضوع موضوع العقيدة الشيعية بالرد والنقض والذم لم يكن هناك دولة ولا سلطان للشيعة فيصبح الدافع لهذه الردود الاقوال –على مذهب اعداء الطائفية من قبيل تهييج الفتن وحباً لها!
2-تحريف حقائق تاريخية كتصوير الصراع الاسلامي -الصفوي بأنه نوع من الصراعات السياسية وقودها الناس وقوادها اهل الحكم والسلطة، وليس بدافع الحفاظ على عقائد المسلمين وبلدانهم من الاجتياح الفكري والغزو العسكري للدولة الإيرانية الصفوية، فالصفويون سلوا السيوف في رقاب السنة من الفرس والعرب والاتراك والاوزبك والافغان وداخلوا في حروب كثيرة مع محيطهم السني. في مقابل هذا قام العثمانيون بتعمير مراقد الشيعة في بغداد (الكاظم) وكربلاء (الحسين) بعد تحريرها من الاحتلال الايراني وهذا معلوم لا ينكره أحد فالقول بأن الصراع الاسلامي –الصفوي هو صراع عثماني-صفوي او تركي-ايراني هو تزييف للحقائق.
3-اتهام من ينادى بمظلومية أهل السنة في العراق وايران ولبنان بالطائفية، لان هذا مضر بالوحدة الاسلامية! التي مصيرها ضياع البلدان وفساد الاديان واجتثاث الانسان.
4-يكبل الانسان المسلم ولا يُسمح لها بالدفاع عن عقيدته السنية الصافية بحجة احترام المذاهب والالتزام بشروط التعايش والوفاق الاسلامي، وهذا الأمر يهدد بقاء العقيدة ويمهد لزوالها، فالتعايش والتوافق مع المتناقضات والمتضادات من الافكار أمر محال عقلا وشرعاً.
وجدتُ رهبة الخوف من تهمة الطائفية عند الكثير من العراقيين السنة وخاصة من القوميين ومنهم من لم يتعظ-حتى الساعة- بحال العراق، وربما الخلفية العلمانية لهؤلاء لا تعينهم على فهم الخلاف السني -الشيعي، إلا أن الامر تعدى الأطر الدينية لأن الاحداث اليومية المشاهدة تؤكد على وجوب التصديق بواقعية الخلاف السني -الشيعي، وخطورة تمدد الايرانيين الديني والسياسي، إذ لا يمكن لعاقل ان ينبذ السلاح في ساحة المعركة حتى لا يُتهم بالقتل والتحريض عليه!
يتبين عوار المنطق الخيالي "لأعداء الطائفية السنة" في سلوك ائمة الاعتدال والوطنية من الجانب الشيعي، فالتيار الصدري الذي حاول الظهور بمظهر "وطني اسلامي عربي مقاوم" قاد حملات التطهير الديني (قتلا وتعذيبا وتهجيرا) ضد أبناء أهل السنة في العراق، والأكثر من هذا لم تتبرأ القوى العشائرية والسياسية الشيعية المعارضة للحكومة العراقية والنظام الايراني من أعمال جيش المهدي بل يدّعون أن الدخلاء والاغراب من هم شوّه سمعة الصدريين.
ولا أدري لماذا ينتسب معظم الطائفيين إلى "تيار الصدر" أو من المقربين منه؟
إن أقرب المقربين من ائمة الإعتدال في الجانب الشيعي أصابهم ما كانوا يحذرون من تهمة الطائفية كجماعة الاخوان ويوسف القرضاوي وحارث الضاري فأصبحوا هؤلاء والقاعدة في خندق واحد بالنسبة لكثير من ابناء الطائفة الشيعية.
ولو اقتربت من دندنة كافة الاطراف الشيعية حول ظلم النظام البعثي لابنائهم ستجد ان الحديث يدور عن عداء ديني للمذهب الشيعي، وصدام ونظامه العلماني (الذي هو من أسباب الضعف السُنّي) كان يشغله هم واحد لا ثاني له وهو ابادة الشيعة وسحق مذهبهم!
قد تصبح تهمة الطائفية كتهمة الارهاب التي اختلقها الغرب وراح يغزو بها الدول ويسقط بها الحكومات من اجل محاربة جماعة متطرفة ونشر الحرية وبسط الامن الذي دونه هلاك الشعوب وتخلفها وسلب أرضها وخيراتها.
كاظم حامد الربيعي