لماذا يخاف الاتحاد الأوروبي من انضمام تركيا

بقلم: علي حسين باكير

في الحقيقة ان الحديث عن تركيا والاتحاد الاوروبي لا يعني الحديث عن دولتين أو كيانين أو حتى حدودين فالأمر يتعدى ذلك ليختصر التاريخ والجغرافيا والحضارة والحروب والقتال بين الطرفين بدءا من أحفاد عثمان آل طغرل مرورا بمحمد الفتح وسليمان القانوني وليس انتهاء بوريثة السلطنة العثمانية تركيا آردوغان.
فبعد انهيار حاملة الخلافة الاسلامية "السلطنة العثمانية"، ظهر أتاتورك وتيّاره لينادوا بنزع كل ما له علاقة بالدولة العثمانية والاسلام والخلافة ولينادي بالانضمام الى أوروبا للوصول الى التطور على حد قوله، مما حدى بالبعض الى القول: كانت تركيا أول المسلمين فأصبحت آخر الاوروبيين. ومنذ ذلك الوقت وهي تحاول الانضمام الى الصف الاوروبي دون جدوى الى ان جاءت حكومة أردوغان ذات الصبغة الاسلامية وبأغلبية تاريخية مكنتها من الامساك بزمام البرلمان منفردة وبشعبية واسعة، لكن كان هناك تحديات كبيرة لهذه الحكومة واستحقاقات تتناسب مع صبغتها وشعبيتها يجب انجازها والاّ فقدت مصداقيتها، لكن انجاز مثل هذه الاستحقاقات قد يدخل الحكومة بصراع كبير مع العسكر تكون نهايته شبيهة بنهاية حكومة أربكان الاسلامية، ومن اجل تفادي هذه النتيجة كان لابد لهذه الحكومة من غطاء لعملها فكانت الحجّة السعي لدخول الاتحاد الاوروبي وهو الأمر الذي مكّن حكومة أردوغان من اجراء التعديلات اللازمة على كافة الصعد تدريجيا وصولا الى أمور حسّاسة مثل الحجاب وأئمة المساجد والدراسة الدينية وتجريم الزنا بحجّة انّ انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي يتطلب مزيدا من الحرية والديمقراطية والانفتاح والاصلاح. وبعد ان انجزت تركيا كل ما عليها للانضمام الى اوروبا، نجد الاتحاد الأوروبي مترددا بل يغلب الرفض على قراره بالاضافة الى صدور توصيات كثيرة تحث أوروبا على رفض انضمام تركيا وليس آخرها الكرسي البابوي في روما والكنيسة، امّا عن أسباب رفض أو تخوّف أوروبا من انضمام تركيا فهي كثيرة منها:
أولا: العثمانوفوبيا أو الاسلاموفوبيا المترسّبة في نفوس الأوروبيين لدرجة ان الاوروبيين يعتبرون تركيا الآن بعلمانيتها وو تغرّبها امتدادا لدولة الخلافة الاسلامية في ذهنهم وهذا بحد ذاته يشكل خطرا على الاتحاد الاوروبي.
ثانيا: العنصر الديمغرافي لتركيا المتمثل بـ70 مليون نسمة وهو ما يعطي تركيا ثقلا كبيرا على الصعيد البشري ويؤدي في حال انضمامها لاوروبا الى السيطرة على سوق العمالة أولا والتغلغل في الدول الاوروبية التي تعاني من نقص في السكان أصلا وبالتالي تغيير المعادلات الديمغرافية الداخلية للدول الأوروبية ثانيا.
ثالثا: الهوية الاسلامية للشعب التركي على الرغم من علمانية الدولة، وهو ما لا بدّ ان يكون له تأثير على سكان الدول الاوروبية لا سيما وأن دراسات كبيرة أشارت بعد 11 أيلول انّ هناك تزايدا كبيرا ومضطردا من قبل المعتنقين للدين الاسلامي والمطّلعين عليه وخاصة في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وبريطانيا وهي دول رئيسية ومحورية في أوروبا.
رابعا: الصناعة التركية، اذ انّه من الصحيح انّ تركيا لا تملك مصانع ضخمة وثقيلة كصناعة الدبابات والطائرات والخ الا أنّها حتما ستكون في حين انضمامها الى أوروبا كما يكون العالم بالنسبة للصين، اذ ستغزو الصناعات التركية خاصة فيما يتعلق بالملبوسات والمشروبا ت والمؤكولات والألعاب والصناعات الخفيفة الرائجة اوروبا كما تغزو المنتجات الصينية العالم وهذا ما لا تتمناه أوروبا اذ انّ أوروبا ترغب في أنّ تكون تركيا "سوقا لها وليس مصنعا لسوقها".
خامسا: التطور التركي المتسارع في كافة النواحي خاصة الاقتصادية والانتاجية ما يمكن ان يجعلها وبفضل موقعها أيضا الذي يصل الشرق بالغرب مركزا لاستقطاب الاستثمارات الأوروبية على حساب دول شرقي أوروبا المنضمة الى الاتحاد الأوروبي والتي تعاني من سوء أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وهو ما لن يساعد على قيام تنمية أوروبية متوازنة ويؤدي الى تشوه اقتصادي.
سادسا: الخوف من أن تتبوأ تركيا مركزا قياديا داخل الاتّحاد الأوروبي بصبغتها الاسلامية بحيث تصبح مرجعية لجميع المسلمين في الاتّحاد الأوروبي تتبنى مطالبهم ويصبّون جهودهم لصالحها وهذا ما يفسر التناقض المستمر في المنهج الأوروبي للتعامل مع الحالة الاسلامية التركية، فعندما تم رفع قضية الحجاب الى المحاكم الأوروبية للضغط على العلمانيين في تركيا من اجل السماح للمحجبات بممارسة أعمالهم بكل حرية استنادا الى الحرية الشخصية والفردية التي تعتمد عليها الدساتير الأوروبية تحجّجت المحكمة الأوروبية بأنّ هذا الموضوع هو شأن تركي داخلي ولا يجب التدخل فيه، بينما برز التناقض عندما رفض الأوروبيين قيام الحكومة التركية بتمرير مشروع قانون في البرلمان التركي يجرّم الزنا وهدّدوا بامكانية رفض انضمام تركيا في حال اقرار القانون! فلماذا يعتبر الحجاب مسألة داخلية والزنا ليس كذلك؟

ويبدو من خلال المعطيات المتوفرة حتى الآن انّ الاتّحاد الأوروبي وان رفض تركيا فانّه لن يعلن هذا الرفض بطريقة مباشرة وعبر المسؤولين الرسميين لاّن ذلك من شأنه ان يؤدي الى مضاعفات سلبية خطيرة خاصة وانّ تركيا تملك الكثير من الأوراق التي تستطيع أن تستخدمها فيما بعد في حال رفضها وبدون مبررات، أبرزها الموقع الاستراتيجي لتركيا ودورها الاقليمي وهويتها الاسلامية لذلك فانّ الاتّحاد الاوروبي قد يلجأ الى طرق التفافية لرفض عضوية تركيا ومنها على الأرجح:

1) اعطاء منصب فخري لتركيا في الاتحاد الأوروبي دون اعتبارها شريكا كاملا وهو ما لن ترضى تركيا به خاصة بعد الجهود الكبيرة التي بذلتها في سبيل نيل العضوية الكاملة.
2) امكانية رمي الحكومات الأوروبية وعلى رأسها فرنسا وألمانيا الكرة في ملعب شعوبها عن طريق اشتراط اجراء استفتاء شعبي لدى بعض بلدان الاتحاد الأوروبي لتحديد رأيهم في قبول أو رفض دخول تركيا مع علمهم المسبق بأنّ الاستفتاء سيؤدي الى رفض دخول تركيا الاتحاد لأسباب نفسية وتاريخية راسخة في ذهن الشعوب الأوروبية، وبذلك ترفع المسؤولية عن الحكومات بحجّة انّ الشعوب الأوروبية لا ترغب بدخول تركيا الاتحاد، وفي هذه الحالة لن يكون باستطاعة تركيا فعل الكثير خاصّة انّ بعض التقارير أشارت الى انّ غالبية الفرنسيين على سبيل المثال يرفضون انضمام تركيا اذ يعارض 56% فكرة انضمام تركيا فيما يوافق 31% على الانضمام. علي حسين باكير، باحث سياسي alibakeer@hotmail.com