لماذا يتنافس الأميركيون والفرنسيون على أفريقيا؟

أبو ظبي – بالنسبة للعديد من سكان العالم تبقى أفريقيا مكانا مجهولا وغريبا ومليئا بالصراعات والنزاعات التي لا تنتهي، لكنها بالنسبة للبعض بيضة ذهبية يحرصون على استغلالها بكل السبل الممكنة.
وفي دراسته الأخيرة بعنوان "التنافس الدولي على إفريقيا" يضع مركز زايد للتنسيق والمتابعة النقاط على الحروف حول الاسباب الكامنة وراء الاهتمام الدولي بالقارة السمراء خاصة الاهتمام الفرنسي القديم والأميركي المستجد.
وتبرز الدراسة أوجه التباين الموجودة في القارة الأفريقية، فهي تعد إحدى أغنى بقاع العالم من جهة في الوقت ذاته الذي تمثل فيه أسوأ معدلات الفقر والحرمان، وأدنى مستويات المعيشة في العالم، بالإضافة إلى أنها من أكثر نقاط العالم توترا، وازدحاما بالصراعات والنزاعات.
ويشير التنافس الدولي على إفريقيا إلى الأهمية التي يعلقها الكثيرون على القارة التي يمكنها أن تقدم الكثير للمشهد السياسي العالمي، وللتراكم الحضاري الإنساني إذا ما أتيح لها استقرار أكبر وسلام أوفر.
وتبين الدراسة كيف اهتمت القوي الكبرى بإفريقيا مدفوعة على الدوام بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية؛ حيث شكلت ثلاثة أسباب رئيسية الاهتمام الدولي بالقارة السمراء، وكان أول تلك الأسباب أن القارة كانت وما تزال- مصدرا لكثير من المواد والموارد الاستراتيجية، ويتمثل ثاني تلك الأسباب في سعي الدول الكبرى أثناء الحرب الباردة إلي ممارسة النفوذ، واكتساب الحلفاء والأصدقاء، أما ثالث تلك الأسباب فيظهر في إصرار بعض القوي الدولية على مواصلة التدخل في شؤون القارة بعد مرحلة تصفية الاستعمار.
وفي هذا السياق جاء تنافس الدول الكبرى للاستئثار بمناطق النفوذ في القارة الإفريقية، وكانت فرنسا الأكثر اهتماما بالقارة حتى التسعينيات، عندما وقعت بعض التطورات الدولية من أبرزها سقوط القطبية الثنائية، وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم، وبزوغ ملامح نظام دولي جديد، وانطلاق مسيرة العولمة.
وفي غضون ذلك خرجت الولايات المتحدة من سياسة الابتعاد عن شؤون إفريقيا، وانتهجت سياسة "الشراكة"، ونازلت السياسة الفرنسية في واحدة من أهم مناطق نفوذها؛ الأمر الذي جعل الدراسة تركز على إبراز السياستين الأمريكية والفرنسية في القارة، وكذا التنافس بينهما وتأثيره على مجريات وتطورات الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في إفريقيا، كل ذلك مع إشارات مفيدة عن تدخل بعض القوى الدولية كإسرائيل التي سعت منذ تأسيسها إلى إيجاد مناطق نفوذ لها في القارة الإفريقية، مستفيدة من دعم بعض الدول الغربية، وخاصة من السياسة الأمريكية الجديدة والتكامل معها.
وتبرز الدراسة أن التنافس بين الدول الغربية بلغ نقطة حاسمة، وتجسد في التنافس الأنجلوفوني – الفرانكفوني خلال شهر فبراير من عام 2002 حين سارعت باريس إلى عقد قمة إفريقية ضمت عددا من قادة الدول الإفريقية في إطار ما أطلق عليه في فرنسا "مبادرة جديدة من أجل تنمية إفريقيا"، وفي نفس السياق والفترة قام رئيس الوزراء البريطاني "توني بلير" بجولة إفريقية شملت السنغال وسيراليون ونيجريا وغانا، كمحاولة منه "لمداواة الجراح الإفريقية" حسب تعبير الخارجية البريطانية، لأن القوى الغربية بدأت تستشعر بعد 11 سبتمبر خطورة أوضاع الفقر في القارة، واحتمالات بروز اتجاهات إرهابية على غرار ما حدث في أفغانستان، إذا لم يتم احتواء الفقر والحد من النزاعات في إفريقيا.

وتناولت الدراسة تاريخ الاهتمام بالقارة عند كل من الدولتين، وتطور سياستهما تجاهها، والعوامل التي حكمت تلك السياسة، وأهدافها، فبينت، مثلا- أن النمط العام الذي كان يميز السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا قبل بداية الحرب الباردة اتسم بالعزلة وكف الأيدي عن التدخل في الشؤون الداخلية لتلك القارة، مستدلة بالمخاوف في الموقف الأمريكي الصامت تجاه مؤتمر برلين عامي 1884-1885، الذي تم بمقتضاه تقسيم إفريقيا بين القوى الاستعمارية الأوروبية.
ويبدو أن عدم الرغبة أو حتى عدم الخبرة هي التي وقفت وراء سياسة الولايات المتحدة تجاه إفريقيا، وفي الستينيات وبعد رياح التحرير التي هبت على الدول الإفريقية بدأت الولايات المتحدة إعادة النظر في سياساتها السابقة تجاه إفريقيا؛ فأرسل الرئيس إيزنهاور في عام 1957 نائبه ريتشارد نيكسون إلي إفريقيا، حيث زار عددا من الدول من أجل تحليل الأوضاع المتغيرة والمتسارعة التي تشهدها القارة في ذلك الوقت، وظل التدخل الأمريكي يتدرج إلى أعلن وزير الخارجية الأمريكية الأسبق "وارن كريستوفر" خلال زيارته لعدد من الدول الأفريقية عام 1996 أن لا مناطق نفوذ بعد اليوم، وفى سياق هذا الاهتمام الأمريكي بإفريقيا أعلن الرئيس الأمريكي السابق "بيل كلينتون" في عام 1998 عن برنامج واسع لمساعدة إفريقية يشبه خطة مارشال، الأمر الذي اعتبره الفرنسيون خطة أمريكية لغزو أفريقيا، غير أن كلينتون حاول طمأنة الفرنسيين بقوله إن بلاده لا تريد طرد فرنسا من أفريقيا، وإنما مساعدة البلدان الإفريقية.
أما فرنسا فإن علاقاتها بإفريقيا قديمة وذات أوجه متعددة ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، حيث ترتبط مع غالبية دول غرب ووسط القارة بعلاقات متميزة، وتبذل محاولات مستمرة لضمان بقاء مركزها متميزا، وبالفعل ما زالت فرنسا في بعض الدول الفرنكوفونية المستورد الأول للمواد الخام، والمصدر الأول للسلع المصنعة، ورغم ذلك فالإشارة واجبة إلى الانحسار التدريجي لدور فرنسا الاقتصادي في القارة بشكل عام، بعكس تزايد الدور الأمريكي، الذي ازداد بعد شعور أمريكا بنفط إفريقيا الذي يمثل الآن ما يعادل حوالي 10% من الناتج العالمي، هذا بالإضافة إلى الاحتياطي المتوقع الذي يوجد في باطن الأرض، ولم يستغل بعد بشكل واسع في بعض الدول مثل تشاد والسودان والصومال.
ويمكن القول أن العوامل الاستراتيجية والاقتصادية تكمن وراء اهتمام الدول الغربية بهذه القارة، ثم يأتي العامل الأمني الذي بدأ يأخذ باهتمام الساسة الغربيين بعد أحداث 11 سبتمبر.