لماذا نشرد خلال قيادة السيارة؟

دمشق - بقلم: الدكتور تيسير حسون
'توقف لدقيقة إذا كان لا بد من كتابة رسالة'

يعرف أي شخص قاد أو يقود سيارة بأنه يجنح إلى الشرود للحظة، وفي الغالبية العظمى لا ينتج عن هذا الشرود أية مشاكل، بيد أنه خلال لحظة يمكن للشرود أن يسبب حادثاً قد ينتج عنه أذى وحتى الوفاة.

غالبا ما نفكر بالتشتت بمعنى ما يشتت انتباهنا وجود طفل يصرخ أو جوال يرن، لكن علم النفس الذي يدرس التشتت أثناء القيادة ينظر إلى الأمر بشكل مختلف. فقد صنف أربع فئات رئيسية للتشتت أثناء القيادة هي التشتت البصري كالتركيز على شيء غير الطريق والتشتت السمعي (وجود شخص يتحدث) والتشتت الفيزيائي كتناول المأكولات والتشتت المعرفي كالتفكير في أمر آخر غير القيادة.

إن كل موقف مشتت يمكن أن يتضمن واحدا أو أكثر من هذه المشتتات، على سبيل المثال التحدث على الجوال يتضمن تشتتا فيزيائيا (طلب رقم ما أو انتقاء أحد الأرقام ) وتشتتا سمعيا و تشتتا معرفيا، خاصة المكالمات المتصلة بالعمل التي تتطلب التفكير و ما شابه.

وأظهرت الأبحاث أن كل نمط من أنماط التشتت ينشأ عنه مشكلاته الخاصة به أثناء القيادة، فمثلا نجد أن المشتتات البصرية تقود أكثر إلى مشكلة توجيه السيار، في حين قد يؤدي المشتت المعرفي إلى الاحتفاظ بمسافة أقل بينك و بين السيارة التي أمامك.

لقد رافقتنا القيادة المشتته منذ اختراع السيارة، إذ يبدو أن البشر ليسوا بارعين جدا في التركيز على مهمة واحدة (والتي قد تكون مملة بشكل ما) لفترات زمنية طويلة، لذلك نشغل الراديو ونحاول أن نسلي أطفالنا، بل وحتى وضع ماكياج أثناء القيادة.

لكن الدراسات الحديثة تقول بأن هناك مشتت أكثر أذى أو خطورة من جميع هذه المشتتات، إنه الجوال، لذلك ذهبت بعض الولايات في أمريكا بعيدا في حظر استعماله ما لم تكن "اليدان حرتان". و حتى استخدام الجوال واليدين حرتين (باستخدام سماعة البلوتوث مثلا ً) يمكن أن يقود إلى تشتت القيادة. إذ أن استخدام البلوتوث يعالج نمطا واحدا من المشتتات وهو الفيزيائي و تبقى الأخرى من سمعية وبصرية ومعرفية.

ولقد وجدت الأبحاث أن زمن رد الفعل أبطأ على نحو كبير في أداء المهمات البصرية والسمعية دون وجدود عنصر فيزيائي.

المشتت الكبير القادم والذي سيطرح مشكلة جديدة هو كتابة رسالة أثناء القيادة. فالكتابة تحتاج في الواقع إلى الفئات المشتتة الأربع (باستثناء التفكير ربما)، والمتطلبات الفيزيائية لنقر المفاتيح الصحيحة لتشكيل كلمة تعني أن السائق يصرف عيناه عن الطريق أربعة أضعاف ما يفعله في الحالة الطبيعية وهذا يعني حادث ينتظر الوقوع.
إن المزيد من قوانين السير ليس الحل، الحل هو الحس السليم. فبينما سنستمر جميعا بالتشتت أثناء القيادة، فإن مسؤوليتنا هي في إبقاء هذه المشتتات في حدها الأدنى، إلى الدرجة التي نشعر فيها بالارتياح من معرفة أن معظم انتباهنا سيبقى حيث يجب أن يكون على الطريق.

وربما نجد من الضروري إبداء بعض النصائح الضرورية للقيادة.
• قلل من المشتتات قبل الانطلاق بالاهتمام بما يمكنك فعله. تأكد من وضع حزام الأمان للأطفال وتقديم ما يلهيهم عنك (ألعاب، كتب الخ ...)

• أجب فقط على المكالمات الهامة أثناء القيادة، والأفضل عدم الإجابة إلا بعد إيقاف السيارة.

• لا تفعل أي شيء يمكنك القيام به في مكان آخر غير السيارة، فمحاولة القراءة أو مشاهدة التلفزيون أو وضع ماكياج أو العديد من الأشياء التي نفعلها يمكن القيام بها في البيت بشكل أفضل. بينما نظن أننا نستغل الوقت بالقيام بمثل هذه المهمات في السيارة فإننا في واقع الأمر نلعب لعبة الموت. فهل يريد أحدنا أن يكون الماكياج سببا في ملاقاة حتفه؟

• حاول ألا تأكل على الطريق (هناك بعض السائقين وخاصة سائقي التاكسي العمومي يأكلون المكسرات)، فالأكل مشتت رئيسي في السيارة، حيث يتطلب فئتين على الأقل من المشتتات.

• لا تكتب أثناء القيادة، هذا هو المنطق السليم فكلما احتاجت المهمة إلى مزيد من المشتتات، كلما وضعت المزيد من الخطورة عليك. و كل مهمة تتضمن الفئات الأربع تحمل خطورة أعلى ولذلك ينبغي تجنبها بأي ثمن. توقف لدقيقة إذا كان لا بد لك من كتابة رسالة، وإلا يمكنك الانتظار حتى الوصول إلى وجهتك.

لفت انتباهي ظاهرة غريبة من نوعها، و في ظني خاصة بنا، هي التسبيح بمسبحة مثبتة على جانب السائق. هل يسبح لحتفه الوشيك أم لحتف شخص آخر؟ في كلتا الحالتين لن يكسب ما يظن أنها حسنات. الدكتور تيسير حسون – اختصاصي في الطب النفسي