لماذا نخاف من التغيير؟

دمشق
المعرفة قوة

غالبا ما أطلب من مراجعي أن يجربوا تفكيرا مختلفا عما اعتادوا عليه ويحاولوا النظر إلى أمر ما من زوايا ومنظورات مختلفة وأن يضعوا احتمالات وبدائل عوض اختزال الأمور في جواب أو تفسير واحد، وأن يعدلوا سلوكهم وفق ما سبق.
معظمنا يخاف التغيير، لأن معظمه يبدو وكأنه مفروض علينا، ينبع من خارج أنفسنا. الشيء الوحيد الذي يمكن لأي منا أن يغيره هو أن يغير نفسه. وعليه إذا لم نتغير نحن فلا شيء سيتغير.
بيد أنه و حالما نغير أنفسنا سنجد أن إدراكنا للعالم قد تغير، و كنتيجة مباشرة كل شيء تغير، على الأقل بما يعنينا .
بعبارة أخرى: عندما ترى الأشياء بشكل مختلف، فإنها تكون مختلفة، وباب تغيير مواقفك ومنظومات اعتقاداتك ينفتح على مصراعيه.
هنا يُطرح السؤال الجوهري: ما الذي يلزم لكي نقوم بتغييرات في أنفسنا؟ كل ذرة من الجهد يجب بذلها – هذا ما يلزم. ينبغي أن ننجز ما يتطلبه التغيير لمواجهة تحديات التطور الشخصي و الاجتماعي و المهني في هذه الأيام.
ليس بالضرورة أن تحصل على ما تريد أو ترغب، أنت تحصل على ما تحصل فقط – وهذا يعتمد على ما تفعل وعلى من تكون! الصحيح أنك من تقرر الأفعال، لكن الأحداث في العالم ليست تحت سيطرتك. فعلى الدوام يتعين عليك الاستجابة للعالم الذي يتغير، مما يعني أنه عليك أن تتغير بسرعة أكبر وإلا ستعاني من بعض الخسارة.
كتب فرانسيس بيكون في بدايات القرن السابع عشر "المعرفة قوة". في ذلك العصر كان مخزن المعرفة في العالم برمته شحيحاً، ومجموعة ضئيلة من الناس فقط استحوذت عليها "رجال دين وأكاديميون وقلة من العسكريين".
في هذه الأيام التغيير لا يتوقف، وهو يجري بسرعات هائلة لم تكن من قبل. وما يهم ليس سرعته فحسب بل درجته. التكنولوجيا تواجهنا بتحديات جديدة ومعرفة جديدة أيضاً. المعرفة تتضاعف كل بضع سنوات، و بفضل التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة بات الكثير من الناس يحوزون على المعرفة.
الآن تأتي القوة من التطبيق المناسب للمعرفة. ومن بين كافة المهارات التي يمكن أن تتعلمها في حياتك، فقد يكون معرفة ما ينجح في ظرف معين الأكثر قيمة وأهمية. وهنا بيت القصيد: كلما عرفنا أكثر، كلما قلت معرفتنا في كيفية تطبيق هذه المعرفة.
وبعيداً عن المنطق القديم الذي يقول انه كلما عرفنا أكثر عن وضع ما كلما كانت قدرتنا أكبر على التعامل معه، فإن بنك المعرفة الواسع اليوم من السعة بحيث أنه يتطلب الكثير من الغربلة والفرز، وأننا نواجه اليوم عدم اليقين أكثر بكثير من قبل.
نعرف أن إجراء التغييرات في حياتنا ليس يسيراً. وغالبا ما لا يكون مسألة اختيار، بل ضرورة ملحة إلى حد قد يكون حافظاً للحياة. فهل يغير شخص أصيب بنوبة قلبية عاداته الشخصية؟ إذا كانت الحياة هي الهدف، فإن التغيير يكون "أمر اليوم" حسب تعبير العسكريين.
من أجل التغيير يجب أولاً أن يُتخذ القرار ثم يأتي العمل الشاق وهو في معظمه عقلي. ما هي طبيعة هذا التغيير؟ ما هو الشكل الذي سيتخذه؟ ما هو الغرض والهدف؟ ما الذي ينبغي عمله – خطوة في كل مرة – للانتقال من الوضع الراهن إلى حيث نعتقد ونحتاج أن نكون ؟
معظم الناس يستمتعون في هذه المرحلة بسبب إحساسهم أنهم يمتلكون السيطرة في هذه التمارين . وتأتي الخطورة من أن التخطيط قد ينحدر إلى محض خيال. ثم يأتي الانتقال إلى الفعل، وهنا من الأفضل الاستعانة بأصدقاء موثوقين لكي يعززوا الالتزام بالفعل .
قد تعترضنا بعض المشاكل، ولكن يجب أن نتذكر أن هناك دوما انهيارات قبل الوصول إلى الخواتيم. وأخيرا تأتي اللحظة التي ندرك فيها أن التغيير قد حصل.
أمر أخير هو أنه قد ندرك تغير الأحداث والنتائج، لكن المهم أن ندرك بأننا نحن قد تغيرنا، و بصورة جذرية.
الدكتور تيسير حسون- باحث نفسي