لماذا لن تقصف الولايات المتحدة المنشآت النووية الايرانية؟

بقلم: علي حسين باكير

لقد وصل الملف النووي الايراني الى مراحل معقدة جدا بالنسبة لكافة الأطراف سواء الضاغطة منها كالولايات المتحدة ووكالة الطاقة الذرية أو الوسيطة كدول الاتحاد الأوروبي أو التي تتعرض للضغط وهي ايران. ففي اطار الشد والمد بين الولايات المتحدة وايران، واثر الضغوط القوية التي مارستها الولايات المتحدة لاحالة الملف النووي الايراني الى مجلس الأمن ومن ثم انكفاء هذه الخطوة نظرا لموقف الاتحاد الأوروبي الوسيط والرافض لهذه الفكرة، تقرر توجيه تحذير مبطن بضرورة ايقاف ايران لتخصيب اليورانيوم في شهر تشرين أول كحد أقصى والا ستواجه ايران عواقب وخيمة. ولكن المتابع لمجريات الاحداث الدولية وفشل الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها المرجوة من الحرب على الارهاب بالاضافة الى مأزقها في العراق وأفغانستان يرى أن ايران في وضع جيد نسبيا مما يجعلها قادرة على امتصاص هذه الضغوط مع عدم التمادي في رفض ايّة حلول خارجية. فمنذ أيّام قليلة قامت ايران باستعراض عسكري وصاروخي لشهاب 3- ب المعدّل كما قالت وذلك في رسالة واضحة الى كل الأطراف المعنيّة أنّه اذا تمّ التعامل مع ايران بضغوط كبيرة وشديدة وبفرض فترات زمنية محدّدة فان ايران لن ترضخ وهي أصبحت مؤهلة لصنع صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية، فكان الرد الأمريكي على الاستعراض الايراني تسريب معلومات عن اجراء أمريكا لمناورات وهمية لقصف منشآت نووية وعسكرية حصينة، ومن ثمّ تم الاعلان عن بيع أمريكا لاسرائيل 5000 قنبلة ذكية قادرة على اختراق التحصينات الخرسانية بسماكة مترين في اشارة واضحة لايران على انّ اسرائيل قد تكون جاهزة لأداء نفس الدور الذي قامت به ابّان قصفها للمنشآت النووية العراقية في عام 1982. الا أننا نستطيع القول ومن خلال المعطيات المتاحة انّ البرنامج النووي الايراني دخل مرحلة اللاعودة بمعنى أنّه لم يعد باستطاعة أحد ايقاف البرنامج النووي الايراني باستثناء ثلاث طرق:
الأولى: وهي بواسطة الحل العسكري المباشر وهو ما نستبعده لأسباب عديدة منها:
1- انّ الحرب الأمريكية على أفغانستان وفشل المخططات المعدّة سلفا من قبل أمريكا وغرقها في المستنقع العراقي نتيجة ضربات من تسميهم ايران وأمريكا بالارهابيين وأتباع النظام السابق (المقاومين) أفشل خطط وقدرات أمريكا لضرب أي بلد سواء كان ايران أو سوريا أو السودان او غيرها على المدى القصير في أسوء الأحوال.
2- الفشل الاستخباراتي الأمريكي والبريطاني ازاء اتهام العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل وضع أمريكا وحلفائها في خانة ضيقة لا يمكن المناورة معها وفي وضع لا تحسد عليه بحيث لن تستطيع الزج بهذه الأجهزة من جديد في موضوع عسكري آخر (ايران) لا تتوافر لديها عنه معلومات مؤكّدة ودقيقة.
3- اعتراض كل من روسيا والصين على مثل هذه الضربة التي قد توجه الى ايران نظرا للاستثمارات العسكرية والنفطية التي تعود لهذين البلدين وما تدرّه عليهم من أرباح هائلة هم في أمسّ الحاجة لها.
4- الموقف الأوروبي الذي يبدو انّه لا يميل الى الكفّة الأمريكية في احالة الملف النووي الايراني الى مجلس الأمن والرد العسكري في حال فشل الحل النهائي.
5- التوزيع الايراني للمواقع النووية وبشكل متباعد وشاسع داخل العمق الايراني وهو ما يحول دون استهدافها جميعا خاصة بواسطة القصف بالطائرات.
6- قرب بعض المواقع النووية من الاماكن المدنيّة في ايران مما يؤدي الى ايقاع عدد كبير من القتلى المدنيين في حال تمّ شن أي هجوم على هذه المواقع وهو ما من شأنه ان يؤدي الى حملة استنكار عالمية.
7- لوم أمريكا لتطبيقها سياسية الكيل بمكيالين فكوريا الشمالية تمتلك بشكل صريح وواضح قدرات نووية من شأتها ان تشكّل خطرا على أمن أمريكا أكثر بكثير مما تشكله ايران أو غيرها بالاضافة الى تمسك اسرائيل بترسانتها النووية واستثنائها من كافة الضغوط الدولية لنزع أسلحة الدمار الشامل من المنطقة.
الثانية: باتّفاق جميع الجهات الدولية المؤثّرة التي تتضمن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وروسيا على احالة الملف النووي الايراني الى مجلس الأمن وفرض عقوبات صارمة على ايران ومن ضمنها الحل العسكري، الاّ انّ هذا الخيار أيضا مستبعد لتضارب المصالح بين جميع الأطراف.
يبقى الخيار الثالث: وهو الأكثر منطقية وواقعية وعملاتية ويقضي بمنع حصول ايران على الدورة النووية الكاملة من خلال ايقاف عملية أو مرحلة تخصيب اليورانيوم سواء قامت ايران بذلك طوعيا من خلال الطرق السياسية والدبلوماسية أو قسريا عبر مجلس الامن والحل العسكري ولكن هناك استثناء واحد فيما يتعلق بالعمل العسكري في هذا الخيار الثالث وهو مرتبط بموقف ايران النهائي والواضح، فاذا أصرت ايران على رفضها للحلول التي يطرحها الوسطاء الأوروبيين ولم توضح بشكل قاطع وغير قابل للتأويل الهدف الحقيقي وراء سعيها لامتلاك القوة النووية فعندها قد تضطر أمريكا بنفسها الى توجيه ضربة عسكرية بواسطة عملية جراحية دقيقة جدا ليس للمنشآت النووية الايرانية بشكل عام كبوشهر وانما لمنشآت تخصيب اليورانيوم وتحصر بموقعين او ثلاث ويمكن قصفها بواسطة صواريخ عابرة للقارات أو ما شابه ذلك دون الدخول في حرب أو التورط في جبهات أخرى مع العلم ان ذلك من شأنه ان يسبب مشاكل كبيرة لامريكا فيما اذا بقيت قواتها متواجدة في العراق حتى ذلك الحين، اذ ستصبح العراق ساحة ايرانية للحرب ضد أمريكا وقد تضطر ايران الى استخدام الورقة الشيعية في دول الخليج ضد المصالح الأمريكية المتواجدة في المنطقة. علي حسين باكير، باحث سياسي alibakeer@hotmail.com