لماذا لم يرأس السقاف تحرير مجلة 'العربي'؟

قلم: أحمد فضل شبلول
أعدَّ المسرح لغيره

لو كنت موجودا أثناء الاستفتاء أو المسابقة التي أجريت لاختيار اسم للمجلة الثقافية الوليدة بالكويت عام 1958 من بين ثلاثة أسماء هي: "الخليج العربي"، و"الشاطئ العربي"، و"العربي"، لاخترت "العربي" بطبيعة الحال، هذا الاسم المُفرد الذي لا تحده حدود، ولا يرتبط بمنطقة جغرافية معينة، ولا بفترة زمنية محددة، فهو ملك لكل العرب قديما وحديثا، وملك للغة العربية، ويحمل كل خصائص ومزايا هذا الإنسان الحر الذي حمل الأمانة ومضى بها، وقد تعتور طريقه بعض الصخور وبعض العقبات في بعض العصور وبعض الحقب، ولكن معدنه الأصيل دائما ما يبين عن نفسه، وخاصة وقت الشدائد والمحن.

لذا كان الرائد الثقافي الراحل أحمد السقاف (1919 ـ 2010) موفقا كل التوفيق حين استقر أمره أخيرا على اختيار اسم "العربي" لتلك المجلة التي ولدت عملاقة في الكويت عام 1958 وتدخل الآن عامها الثالث والخمسين.

لم يشأ أن يكون السقاف رئيسا لتحرير المجلة، ولم يشأ أن يكون المايسترو الذي يقود فرقة العازفين الثقافيين في "العربي"، ولكنه فضَّل أن يأتي بمَن هو قادر على أداء هذا الدور بطريقة قد تكون أفضل منه من وجهة نظره، وفضَّل أن يُعد المسرح لغيره من المخرجين والعازفين.

وأعتقد لو كان هناك أحد آخر مكان السقاف لاختار نفسه رئيسا للتحرير، خاصة بعد انتقاله للعمل نائبا لمدير دائرة المطبوعات والنشر بالكويت عام 1956 تلبية لرغبة رئيس الدائرة الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح (أمير الكويت حاليا). وتسلمه ملف استكتابات بعض الكتاب والأدباء للمجلة المزمع إصدارها في الكويت.

د. احمد زكي أول رئيس تحرير لمجلة "العربي" يقف وراء أحمد السقاف مع جمع من المثقفين العرب عام 1958

لم يشأ السقاف أن يكون رئيسا للتحرير، وهو الشاعر الكاتب المثقف القادر على إدارة مطبوعة ثقافية مصوَّرة تصدر من الكويت للعالم العربي، وتختلف عن بقية المجلات العربية، بل نجده يبذل مجهودا في السفر لأكثر من دولة عربية لاختيار رئيس للتحرير وطاقم المحررين والفنيين الذي سيعملون بالمجلة داخل الكويت.

يذهب إلى بغداد ويلتقي الأديب الكبير محمد بهجة الأثري الذي بارك مشروع المجلة ووعد بالكتابة لها والاستكتاب من أجلها، ثم التقى فيصل حسون في جريدة "الحرية" فتحمس للمشروع وكتب عنه في اليوم التالي. وزار كلية الآداب وعقد اجتماعا مع الدكتور يوسف عزالدين وزملائه في الكلية.

ومن بغداد إلى بيروت واجتماعات مع بهيج عثمان ومنير بعلبكي ود. نقولا زيادة ود. محمد يوسف نجم ود. جبرائيل جبور، وفؤاد صروف ود. نبيه أمين فارس، ود. أمين فريحة، ود. سهيل إدريس، ود. حسن صعب.

غلاف أحد أعداد مجلة "العربي"
ويعتذر أحد المرشحين بقوة لرئاسة تحرير المجلة، وهو فؤاد صروف لظروف عمله في الجامعة الأمريكية، ويمتدح سهيل إدريس مشروع المجلة ويبدي استعداده للعمل فيها إن كان التحرير والطبع سينفذان في بيروت، ويرفض السقاف تلك الفكرة، لأنه يريد للمجلة أن تصدر من الكويت، وليس من عاصمة ثقافية عربية أخرى.

ومن بيروت إلى دمشق ولقاء مع علي الطنطاوي وشفيق جبري ود. أمجد الطرابلسي وسعيد الأفغاني الذي اقترح الاستعانة بالدكتور صلاح الدين المنجد مدير معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية في اختيار ما يمكن طبعه من المخطوطات، وكان ثناء الجميع عاطرا على التفكير الجاد في مشروع مجلة ثقافية ضخمة متميزة، ووعدوا بتزويدها بمقالاتهم.

ثم عودة من دمشق إلى بيروت واجتماع مع البعلبكي ومحمد توفيق حسين في دار العلم للملايين، وترشيح رئيف خوري لرئاسة تحرير المجلة، فوعد السقاف بالنظر في هذا الترشيح بعد جولة القاهرة.

وفي القاهرة يقابل د. أحمد زكي بعد زيارة معهد المخطوطات ومقابلة د. المنجد ود. محمد يوسف نجم، ويستطيع السقاف أن يقنع زكي ـ بعد أن استمع إلى ثناء الجميع عليه ـ بالحضور إلى الكويت ورئاسة تحرير المجلة، على أن يكون راتبه الشهري أربعة آلاف روبية (ثلاثمائة جنيه استرليني) عدا الضرائب والامتيازات الأخرى.

وفي فجر الأربعاء 22/1/1958 يعود أحمد السقاف إلى الكويت بعد إنجاز المهمة بنجاح، ويرفع تقريرا للشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح عن تلك المهمة الشاقة الموفقة، وقد وافق الشيخ على ما جاء في تقرير السقاف وذيَّله بعبارات كريمة.

وحتى ذلك الحين لم يكن قد استقر بعد على الاسم النهائي للمجلة الثقافية الضخمة، فتم نشر إعلان لدائرة المطبوعات عن مسابقة لاسم المجلة فوقع الاختيار على "العربي" وصدر العدد الأول في ديسمبر 1958 كما تخيله أحمد السقاف قبل القيام بالمهمة الصعبة، وحمد الله على ذلك.

ويعترف أحمد السقاف بأن الزهور والورود لم تكن مفروشة أمام مجلة "العربي" فلقد هبت بعض الأقلام الساذجة تثير الغبار حولها، وزعم الكارهون لرسالتها الكريمة أنها غير مربحة.

يقول السقاف: "لقد نظروا إليها كما ينظرون إلى دكان من الدكاكين غير أن وقوف وزير المالية حينئذ الشيخ جابر الأحمد إلى جانبها قد خيب آمال تلك الأقلام".